3 سنين قطيعه

لمحة نيوز

راجل كبير في السن واقف، ماسك ظرف بني.
قال بهدوء
حضرتك الآنسة...؟
هزيت راسي.
ناولني الظرف وقال
أنا محامي جدك.
اتجمدت مكاني.
جدي مات من أكتر من عشر سنين.
قعدت أسمعه، فقال
كان سايب وصية محدش يعرف عنها حاجة غيري. وكان طالب إنها متتفتحش إلا لو حصل خلاف كبير بينك وبين والديك.
فتحت الظرف بإيد بترتعش.
كان جواه جواب بخط جدي، ونسخة من عقد صغير.
قرأته وأنا دموعي بتنزل.
يا بنتي...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف كنت عندي حق.
أنا شفت من زمان إنك هتكبري وسط ناس مش هيعرفوا قيمتك.
علشان كده اشتريتلك شقة صغيرة يوم اتولدتي، وسجلتها باسمك، وطلبت تتسلم ليكي في الوقت المناسب.
بصيت للمحامي بعدم تصديق.
ابتسم وقال
الشقة لسه باسمك، ومفيش حد يقدر يطالب بيها.
روحت أشوفها.
مكنتش قصر ولا فيلا...
لكن كانت أول مكان في حياتي أحس إنه بيتي بجد.
وقفت في البلكونة أبص للشارع، وافتكرت كل اللي عديت بيه.
ابتسمت لنفسي وقلت
يمكن ربنا أخد مني حاجات كتير... لكنه عمره ما سابني لوحدي.
وقتها حسيت إن النهاية اللي كنت بدور عليها طول عمري... أخيرًا بدأت بعد أسبوع من استلام الشقة، كنت بنضف المخزن الصغير اللي فيها.
لفت نظري صندوق خشب قديم عليه اسم جدي.
فتحته بحذر.
لقيت صور قديمة، وميدالية فضة، ودفتر جلد بني.
أول صفحة كانت مكتوب فيها
لو فاطمة وصلت للدفتر ده، يبقى ربنا كتب لها بداية
جديدة.
بدأت أقلب الصفحات.
كان جدي كاتب مذكراته، وفي آخرها تفاصيل عن كل مبلغ كان بيوفره ليا من يوم اتولدت، وحكايات عن كل مرة كان يحاول يتدخل عشان يصلح العلاقة بيني وبين والديّ، لكنهم كانوا يرفضوا يسمعوا أي حد.
وفي آخر صفحة، كان فيه مفتاح صغير ملزوق بشريط لاصق.
تحت المفتاح مكتوب
ده مفتاح الأمانة رقم 17 في البنك.
تاني يوم، رحت البنك.
بعد مراجعة الأوراق، الموظف فتح الأمانة.
كان فيها ظرف واحد فقط.
فتحته.
لقيت عقد تأمين باسم جدي، وكان كاتبني المستفيدة الوحيدة منه.
وكمان رسالة أخيرة.
يا بنتي...
أنا مقدرتش أغير الناس، لكن قدرت أسيبلك حاجة تساعدك تبدأي من غير ما تحتاجي تمدي إيدك لحد.
متبصيش وراكي...
اللي ظلمك خلاص بقى من الماضي.
خرجت من البنك وأنا حاسة إن جدي لسه بيحميني، حتى بعد كل السنين دي.
وفي نفس اليوم، رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت.
جالي صوت هادي
أنا المحامي بتاع والدك... والدك توفي صباح النهارده، ووصّى أوصل لحضرتك رسالة.
سكت ثواني.
مكنتش عارفة أزعل... ولا أفرح... ولا حتى أحس بأي حاجة.
طلبت من المحامي يبعت الرسالة، وقفلت المكالمة.
بصيت للسماء، وأخدت نفس عميق.
كان فيه فصل جديد بيبدأ...
لكن المرة دي، كنت أنا اللي هختار نهايته بعد يومين، وصلتني رسالة أبويا.
فضلت ساعات أبص للمظروف من غير ما أفتحه.
وفي الآخر، فتحت.
كان كاتب
عارف إنك يمكن
ترمي الجواب قبل ما تكملي أول سطر... لكن لو وصلتي لهنا، اسمعيني آخر مرة.
أنا ضيعت بنتي وأنا فاكر إني بربيها بالقسوة.
كل مرة احتجتيني فيها، اخترت صورتي قدام الناس بدل ما أختارك.
ولما وقعتي قدامي في المطعم، كنت لسه بفكر في كلام الناس... مش في حياتك.
وده أكبر ذنب هحاسب عليه طول عمري.
قفلت الرسالة، وحسيت إن الدموع نزلت لأول مرة من غير غضب.
مكنتش دموع اشتياق...
كانت دموع نهاية.
بعد أسبوع، حضرت مراسم الدفن بهدوء، ووقفت بعيد.
لا حد عرفني، ولا أنا حاولت أعرف حد بنفسي.
قرأت الفاتحة، ودعيت
ربنا يرحمك... ويسامحك.
وبعدين مشيت.
من غير لوم.
ومن غير كراهية.
بعد شهور، قررت أبيع الشقة اللي سابهالي جدي، وأشتري بيت صغير في مدينة هادئة أبدأ فيه من جديد.
رجعت لشغلي، وانتظمت على علاجي، وبدأت أشارك في جمعية بتساعد مرضى القلب، لأني كنت عارفة إحساس الخوف لما تحس إن حياتك في إيد ناس مش مقدرة قيمتها.
وفي أول محاضرة ليا، بنت صغيرة سألتني
هو الإنسان يقدر يبدأ من أول وجديد؟
ابتسمت، وبصيت لكل الناس اللي قاعدين، وقلت
أيوه... يقدر.
مش لأن الماضي بيتغير...
لكن لأننا بنتعلم منوجعوش يسرق باقي عمرنا.
سكتت القاعة كلها.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن كل اللي مريت بيه كان له معنى.
وهكذا انتهت الحكاية... ليس بالانتقام، بل بالنجاة، وبداية حياة جديدة الجزء الثاني
مرّت خمس سنوات.

كنت أخيرًا بقيت مستقرة، وعندي مؤسسة صغيرة بتساعد مرضى القلب اللي ظروفهم المادية صعبة.
وفي صباح هادئ، دخلت عليّ السكرتيرة وقالت
في شاب برة مصمم يقابلك، وبيقول إنه قريبك.
استغربت.
كل أقاربي انقطعت علاقتي بيهم من سنين.
قلت
خليه يدخل.
دخل شاب في أوائل العشرينات، ملامحه غريبة... لكن عينيه كانوا شبه حد أعرفه.
وقف قدامي وقال
أنا آدم... ابن عمك.
سكت لحظة، ثم كمل
أنا جيت أعتذر... مش عن نفسي، عن العيلة كلها.
طلبت منه يقعد.
طلع من شنطته ألبوم صور قديم.
وقال
بعد اللي حصل معاك، العيلة اتفرقت. وكل واحد اكتشف متأخر إنه كان ساكت وقت ما كان لازم يتكلم.
فضلت ساكتة.
فتح آخر صفحة في الألبوم.
كانت صورة ليا وأنا عندي ست سنين، قاعدة في حضن جدي، وهو بيضحك.
قال آدم
جدي كان دايمًا يقول إنك أكتر واحدة اتظلمت في العيلة.
بعدها طلع ظرف صغير.
وقال
ده كان أمانة عند بابا، وقال أسلمهولك أول ما أكبر.
فتحت الظرف...
وكانت المفاجأة اللي غيرت كل حاجة من جديد...فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه مفتاح صغير، ورسالة صفراء قديمة مكتوب عليها بخط جدي
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى لسه فيه حق لازم يرجع.
بصيت لآدم باستغراب.
قال
قبل ما جدي يتوفى، سلّم أبويا صندوق مقفول، وقال محدش يفتحه غير انتي.
ركبنا العربية وروحنا بيت عمي.
نزل عمي الصندوق من فوق الدولاب، وكان واضح إنه متخزن بقاله سنين.

حط المفتاح في القفل...
واتفتح.
كان جواه ملفات، وصور، وعقود قديمة.
لكن أكتر حاجة شدتني كانت فلاشة صغيرة.
شغلناها على اللابتوب.
ظهر
تم نسخ الرابط