أخت جوزى

لمحة نيوز

اتعلمت درس مش هنساه.
سألته
إيه هو؟
قال
البيت اللي بيفتح بابه لتدخل أي حد... عمره ما يعرف الاستقرار.
سكتت هدى، لأنها لأول مرة ملقتش رد.
بعد سنة كاملة...
كانت نهى وكريم بيحتفلوا بأول عيد جواز ليهم وسط أهلهم.
أبو كريم قال وهو بيضحك
أحسن قرار أخده ابني، إنه اختارك.
ابتسم كريم ومسَك إيد نهى وقال
وأحسن قرار أخدته نهى... إنها ما خلتش الظلم يوقف حياتها.
ابتسمت نهى وهي بتبص حواليها.
افتكرت أيام الدموع...
وافتكرت ورقة الطلاق...
وافتكرت إنها كانت فاكرة إن النهاية وصلت.
لكنها اكتشفت إن أوقات كتير...
اللي بنفتكره نهاية، بيكون في الحقيقة بداية أجمل من كل اللي فات.
تمت بعد خمس سنوات...
كان اسم نهى هاند ميد بقى علامة معروفة، وبقى عندها ثلاثة فروع، وبقت بتدرب بنات كتير عشان يبدأوا مشاريعهم.
وفي يوم، كانت بتجهز لورشة مجانية للبنات، ولما خرجت من مكتبها لقت السكرتيرة بتقول
في واحدة برة مصممة تقابلك.
قالت خليها تدخل.
اتفتح الباب...
ودخلت هدى.
لكن هدى دي مكانتش نفس هدى اللي كانت داخلة عليها زمان بكل غرور.
وشها باين عليه التعب، وملامحها كلها انكسار.
وقفت ثواني وهي مش عارفة تبدأ منين.
نهى قامت وقالت بهدوء
اتفضلي اقعدي.
قعدت هدى وهي ماسكة شنطتها بإيد بترتعش.
وقالت بصوت واطي
أنا جاية أعتذر.
نهى فضلت ساكتة.
كملت هدى
أنا كنت فاكرة إني بحمي أخويا... لكن الحقيقة إني كنت بدمر حياته وحياتك.
نزلت دموعها لأول مرة.
أنا السبب في طلاقكم... وأنا السبب إنه فضل سنين ندمان.
نهى بصتلها بهدوء وقالت
الاعتذار شجاعة... وربنا يقبل توبتك.
استغربت هدى وسألت
يعني... سامحتيني؟
ابتسمت نهى وقالت
سامحتك من زمان... عشان أنا اللي أرتاح.
فضلت هدى تبكي.
وقالت
كنت فاكرة لما أخلي أخويا يطلقك هكسب... لكن في الآخر خسرت احترام الناس، وخسرت أخويا، وحتى نفسي.
وقفت نهى، وقدمت لها كوب مية.
وقالت
اللي فات انتهى.
.. المهم نتعلم منه.
خرجت هدى من المكتب وهي حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من فوق قلبها.
وفي المساء...
اتصل أحمد بأخته.
قالت له
أنا روحت لنهى.
سكت لحظة، وقال
وقالت لك إيه؟
ردت وهي بتبكي
سامحتني.
أغمض أحمد عينيه وقال
دي كانت طول عمرها صاحبة قلب كبير.
أنهى المكالمة، وبص من شباك بيته وهو بيتمتم
ربنا يسعدها... زي ما تستحق.
وفي نفس الوقت...
كانت نهى قاعدة مع كريم في شرفة بيتهم، يشربوا الشاي، وأولادهم الصغيرين بيلعبوا في الجنينة ويضحكوا.
بصلها كريم وقال
لو رجع بيكي الزمن... كنتِ تتمني اللي حصل؟
ابتسمت نهى وهي بتراقب ولادها وقالت
وقتها كنت هقول لأ... لكن النهارده عرفت إن ربنا كان بيدبر لي الخير من حيث ما كنتش أتخيل.
ابتسم كريم، ومسَك إيدها.
وكان صوت ضحكة الأطفال مالي البيت...
كأنه بيعلن نهاية كل وجع عاشته نهى، وبداية عمر كله سكينة ومحبة. تم بعد مرور سنوات أخرى...
كانت نهى قاعدة في مكتبها الكبير، بتراجع خطة توسعة جديدة للمشروع. لم تعد البنت التي خرجت من بيت أحمد وهي حاملة حقيبة صغيرة ودموعها في عينيها.
أصبحت سيدة أعمال ناجحة، لكن أهم شيء بالنسبة لها لم يكن المال ولا الشهرة...
كان إحساسها إنها قدرت تبني حياة جديدة من غير ما تكره حد.
في يوم، جاءها اتصال من عم جابر.
قال لها بصوت متعب
يا بنتي... محتاج أشوفك.
قلقت نهى وذهبت له فورًا.
وجدته جالسًا في دكانه القديم، المكان الذي بدأت منه كل أحلامها.
ابتسم وقال
فاكرة أول يوم جيتي هنا؟ كنتِ مكسورة، وكنتِ فاكرِة إن الدنيا خلصت.
ضحكت نهى وقالت
وأنت كنت بتقوليلي إن ربنا بيخبّي الخير.
هز رأسه وقال
وطلع عندي حق.
نظرت حولها بحب وقالت
المكان ده له فضل كبير عليا.
فأخرج لها مفتاحًا صغيرًا وقال
أنا قررت أسيب لك المكان ده... عايزاه يبقى مركز تدريب للبنات اللي زيك.
نزلت دموع نهى وقالت
ده أغلى شيء ممكن حد يقدمهولي.
وفي نفس الأسبوع.
..
حدث أمر لم تكن تتوقعه.
جاءت هدى تزورها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت تحمل ملفًا.
قالت
أنا بدأت أشتغل في جمعية خيرية... وعايزة أشارك معاكِ في مشروع تدريب البنات.
نظرت لها نهى للحظات.
كانت فاكرة زمان كيف كانت هدى سببًا في ألمها، لكن أمامها الآن إنسانة مختلفة.
قالت
لو نيتك خير... الباب مفتوح.
ابتسمت هدى وقالت
يمكن دي أول مرة أعمل حاجة صح.
ومن يومها بدأوا مشروعًا يساعد النساء على تعلم الحرف وفتح مصادر رزق لهم.
أما أحمد...
فكان يتابع نجاح نهى من بعيد.
لم يعد يشعر بالغيرة أو الندم فقط، بل شعر بشيء آخر...
الاحترام.
وفي يوم قابلها صدفة في مناسبة عامة.
قال لها
نهى.
التفتت.
قال
أنا سعيد إنك وصلتي للي إنتِ فيه.
ابتسمت وقالت
ربنا يكتب الخير لكل الناس.
هز رأسه وقال
زمان كنت فاكر إن القوة إن الواحد يفرض رأيه... لكن عرفت إن القوة الحقيقية إنك تسمع وتحافظ على اللي معاك.
صافحها باحترام، وكل واحد منهم ذهب في طريقه.
وفي نهاية اليوم، رجعت نهى بيتها.
وجدت كريم وأولادها ينتظرونها.
قال كريم مبتسمًا
اتأخرتي علينا.
ضحكت وقالت
كان يوم طويل... لكنه جميل.
جلست بينهم، ونظرت للبيت الدافئ حولها.
وتذكرت اليوم الذي خرجت فيه من بيت أحمد وهي تظن أن حياتها انتهت.
فهمت وقتها أن بعض الأبواب عندما تُغلق في وجهنا...
تفتح لنا أبوابًا لم نكن نحلم بها.
النهاية بعد مرور عشر سنوات...
كانت نهى تقف على مسرح كبير، والقاعة مليئة بالتصفيق.
لم تكن جائزة عادية...
كانت جائزة لأكثر سيدة دعمت المشروعات الصغيرة وساعدت مئات البنات يبدأوا حياتهم من جديد.
وقفت نهى أمام الجميع وقالت
أنا مش واقفة هنا عشان أقول إني ما اتوجعتش... أنا اتوجعت كتير. لكن اتعلمت إن الإنسان ممكن يخسر حاجة كان فاكرها كل الدنيا، وربنا يعوضه بحاجة أكبر.
كان كريم جالسًا في الصف الأول، يبتسم لها بفخر.
وبجانبه أولادهم الذين كبروا،
وكانوا ينظرون لأمهم بإعجاب.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت منها إحدى الفتيات وقالت
أنا بدأت مشروعي بسببك يا مدام نهى... كنت فاكرة إن حياتي انتهت، لكن كلامك شجعني.
ابتسمت نهى وقالت
خليكي فاكرة دايمًا... قيمتك مش مرتبطة بوجود حد في حياتك، قيمتك في نفسك.
وفي نفس اليوم...
كان أحمد يشاهد تكريم نهى على التلفاز.
جلس طويلًا يفكر.
لم يشعر بالغضب هذه المرة...
بل شعر بالامتنان لأن الأيام علمته درسًا لم يكن ليتعلمه بسهولة.
دخلت هدى عليه وقالت
شوفت نهى؟
قال بهدوء
أيوه... ربنا يباركلها.
سكت قليلًا ثم قال
عارفة؟ زمان كنت فاكر إننا كسرناها... لكن الحقيقة إنها هي اللي أثبتت إنها أقوى من كل اللي حصل.
هزت هدى رأسها وقالت
أنا ندمت على كل لحظة خلتها تبكي.
رد أحمد
المهم إننا اتعلمنا.
وفي آخر الليل...
رجعت نهى لبيتها.
دخلت غرفة أولادها، قبلتهم، ثم جلست بجانب كريم في الشرفة.
قال لها
لسه فاكرة اليوم اللي خرجتي فيه من بيتك الأول؟
نظرت للسماء وابتسمت
فاكرة... كنت فاكرة إن ده أسوأ يوم في حياتي.
سألها
ودلوقتي؟
ابتسمت وقالت
دلوقتي عارفة إنه كان اليوم اللي ربنا بدأ فيه يكتب لي حياة جديدة.
ضم كريم يدها وقال
الحمد لله على كل حاجة.
نظرت نهى لبيتها، لعائلتها، لكل ما بنته بيديها...
وعرفت أن أجمل انتصار ليس أن تجعل من ظلمك يندم...
بل أن تصل لمكان لا يعود فيه الماضي قادرًا على إيذائك.
تمت النهاية بعد مرور سنوات أخرى...
كانت نهى تفتح باب مركز التدريب الجديد، المكان الذي بدأته من دكان عم جابر الصغير، وأصبح اليوم مبنى كاملًا يساعد مئات السيدات على تعلم الحرف وبدء مشاريعهن.
وقفت أمام الباب للحظات، تتأمل اللافتة المكتوب عليها
مركز نهى للأمل والنجاح
ابتسمت وهي تفتكر أول يوم دخلت فيه الدكان وهي فاقدة الثقة في نفسها.
دخلت عليها إحدى الموظفات وقالت
مدام نهى، في بنت صغيرة مستنياكي بره.
خرجت نهى،
فوجدت فتاة في بداية العشرينات تحمل حقيبة صغيرة وعينيها مليانة خوف.
قالت الفتاة
أنا سمعت عن حضرتك... وقالولي إنك بتساعدي الناس تبدأ من جديد.
ابتسمت نهى وقالت
احكيلي.
قالت الفتاة بصوت
تم نسخ الرابط