دعانى طليقى إفطار العيد

لمحة نيوز

من أجل من يستحقون كل الحب.
واستمرت حياة الأطفال الأربعة مليئة بالدفء، وهم يعلمون أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها في النهاية تجد طريقها دائمًا مرّت خمس سنوات أخرى.
كبر نوح وإيثان وصوفيا وأوليفيا، وأصبحوا في الثالثة عشرة من عمرهم.
وفي مساء هادئ، جلسوا جميعًا حول مائدة العشاء، حين قال نوح
عندي اقتراح.
ابتسمت وقلت
تفضل.
نظر إلى إخوته ثم قال
الأسبوع الجاي هيكون عيد زواج جدو وجدتي... ليه ما نعملهم مفاجأة؟
صفقت أوليفيا بحماس.
وأنا هعمل التورتة!
وقال إيثان
وأنا هجمع كل صور العيلة.
أما صوفيا فابتسمت وهي تنظر إليّ.
وأنتِ يا ماما... لازم تكوني أول واحدة توصل.
ضحكت وأنا أوافق.
وفي يوم الاحتفال، امتلأت المزرعة بالأقارب والأصدقاء.
دخل الجد والجدة، وفوجئا بالقاعة مزينة بالورود وصور العائلة خلال السنوات الماضية.
ظهرت صورة للأطفال الأربعة وهم صغار، ثم صورهم في المدرسة، وفي الأعياد، وفي الرحلات.
جلست الجدة تبكي وهي تقول
كنت أظن أنني خسرت هذه اللحظات إلى الأبد.
اقترب نوح منها وقبّل رأسها.
المهم إننا مع بعض دلوقتي.
بعد انتهاء الحفل، وقف دانيال أمام الجميع وقال
عندي كلمة.
ساد الصمت.
قال وهو ينظر إليّ
قبل ثلاثة عشر عامًا، ارتكبت أكبر خطأ في حياتي عندما حكمت قبل أن أسمع الحقيقة. واليوم، أقول أمام عائلتي كلها إن هذه المرأة كانت دائمًا صاحبة حق، وإنها ربت أبناءنا وحدها بشرف وقوة حتى عادوا إليّ.
دوّى التصفيق في القاعة.
شعرت بالحرج، لكنني ابتسمت.
قلت
لا أحد يستطيع تغيير الماضي، لكن كل إنسان يستطيع أن يختار كيف يصنع مستقبله.
وفي نهاية السهرة، وقف الأطفال الأربعة بيني وبين والدهم لالتقاط صورة عائلية.
ضحك المصور وقال
قربوا من بعض شوية.
اقتربنا جميعًا.
التقط الصورة.
ثم ركض الأطفال يضحكون في أنحاء المزرعة، بينما وقفت أنظر إليهم.
قالت الجدة وهي تبتسم
هذه الصورة ستكون أغلى
ما أملك.
ابتسمت وأنا أراقب أولادي.
لم تكن السعادة في أن تعود الأيام القديمة...
بل في أن تتحول الجراح إلى دروس، وأن يكبر الأبناء في بيتين مختلفين، لكن بقلب واحد يجمعهم الحب والاحترام.
وهكذا انتهت رحلة الألم التي بدأت بالشك، وانتهت بعائلة أدركت أن الحقيقة، مهما تأخرت، قادرة دائمًا على إصلاح ما أفسدته الأحكام المتسرعة بعد مرور عامين...
وصلت إلى نوح رسالة من مدرسته.
كان قد حصل على المركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقة علمية، وسيُكرَّم في احتفال كبير بحضور عدد من القيادات.
في يوم الحفل، جلسنا جميعًا في الصف الأول.
أنا... ودانيال... والجد والجدة... وإخوته الثلاثة.
صعد نوح إلى المسرح وسط تصفيق حار.
تسلّم ميداليته، ثم أمسك بالميكروفون وقال
قبل ما أشكر أي حد... عايز أشكر شخصين.
التفتت القاعة كلها إليه.
ابتسم وقال
أول شخص هو أمي... لأنها علمتني إن الإنسان القوي هو اللي يكمل حتى لو الدنيا كلها وقفت ضده.
امتلأت عيناي بالدموع.
ثم نظر إلى دانيال.
والشخص الثاني هو أبي... لأنه علمني إن الاعتراف بالخطأ مش ضعف... لكنه شجاعة.
وقف الحضور يصفق طويلًا.
أما دانيال، فلم يستطع إخفاء دموعه.
بعد انتهاء الحفل، اقترب منا صحفي وقال
هل يمكن أن نكتب قصة عائلتكم؟ إنها ملهمة.
ابتسمت وقلت
لا نريد شهرة.
وأضاف دانيال
إذا أردتم أن تكتبوا شيئًا، فاكتبوا أن الحقيقة تستحق دائمًا فرصة، وأن الأطفال يجب ألا يدفعوا ثمن أخطاء الكبار.
اكتفى الصحفي بابتسامة، وأغلق دفتره.
وفي مساء ذلك اليوم، عدنا إلى المزرعة.
أشعل الجد موقد الحديقة، واجتمع الجميع حوله.
قالت أوليفيا وهي تنظر إلى السماء
ماما... لو رجع بيكِ الزمن، كنتِ هتغيري حاجة؟
ابتسمت، وأجبت بعد لحظة صمت
كنت أتمنى ألا نمر بكل هذا الألم... لكن لو لم يحدث، ربما ما كنتش هبقى المرأة اللي أنا عليها النهارده، ولا كنتم هتكبروا بالقوة
والرحمة اللي في قلوبكم.
اقترب الأطفال واحتضنوني.
ثم وقف دانيال وقال
عندي اقتراح.
نظر الجميع إليه.
من النهارده، كل عيد هنجتمع هنا... مهما كانت ظروفنا. مش علشان الماضي... لكن علشان الأولاد يفضل عندهم بيت يجمعهم.
ابتسم الجميع موافقين.
رفع الجد كوب الشاي وقال
إذًا... هذا ليس مجرد إفطار عيد.
إنها بداية تقليد عائلي جديد.
وتعالت الضحكات في أنحاء المزرعة، بينما كان الأطفال الأربعة يركضون بين الأشجار، وقد كبروا وهم يعرفون أن الأسرة لا تُبنى بالكمال، بل بالصدق، والتسامح، والوفاء بالمسؤولية.
تمت بعد عشر سنوات...
أصبحت صوفيا تستعد لدخول كلية الطب.
واختار إيثان دراسة هندسة الطيران.
أما أوليفيا، فحققت حلمها وأصبحت بطلة جمهورية في الفروسية.
ونوح... سار على خطى والدته، فالتحق بالكلية العسكرية.
وفي يوم تخرجه، وقف في ساحة العرض العسكري مرتديًا زيه الرسمي لأول مرة.
جلست بين الحضور، ويدي ترتجف من شدة الفخر.
وعندما انتهى العرض، أعلن قائد الكلية
والآن... سيقلد الملازم نوح دانيال وسام التفوق من والدته، العميد التي كانت قدوته منذ طفولته.
ساد الصمت.
تقدمت نحوه بخطوات ثابتة.
ثبتُّ الوسام على صدره، ثم حييته التحية العسكرية.
بادلني التحية بكل فخر، وقال بصوت خافت
لولاكِ... ما كنت واقف هنا النهارده.
ابتسمت، لكن دموعي سبقتني.
وفي المساء، اجتمعت العائلة كلها في المزرعة للمرة المعتادة.
اقترب دانيال مني وهو يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال
لقيته وأنا برتب المخزن.
فتحته.
وجدت بداخله أول صورة التقطناها يوم خطبتنا، ورسالة كنت قد كتبتها له قبل زواجنا ولم تصل إليه أبدًا.
قرأها بصوت منخفض، ثم أغلقها وقال
ضاعت منّا سنين كتير... لكن الحمد لله إن أولادنا ما ضاعوش.
أجبته بابتسامة هادئة
لأننا في النهاية اخترناهم هم... ولم نختر خلافاتنا.
وبعد سنوات قليلة، جاء اليوم الذي امتلأت فيه
المزرعة من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن إفطار عيد...
بل كان حفل زفاف صوفيا.
وقفت ترتدي فستانها الأبيض، وهي تمسك بيد والدها من جهة، وبيدي من الجهة الأخرى.
ضحكت وقالت
من زمان وأنا بحلم إنكم تمشوا معايا سوا.
نظر دانيال إليّ.
لم يكن بيننا سوى الاحترام والامتنان.
سرنا مع ابنتنا حتى أوصلناها إلى بداية حياتها الجديدة.
همست وهي تعانقنا
أنتم أعظم هدية ربنا رزقني بيها... لأنكم علمتموني إن الأسرة الحقيقية هي اللي تعرف تغفر، وتبدأ من جديد.
رفعت رأسي إلى السماء وأنا أحمد الله.
تذكرت صباح العيد قبل سنوات، حين هبطت المروحية في هذه المزرعة، وأنا أحمل أربعة أطفال صغار وقلبي مثقل بالخوف.
واليوم...
عدت إلى المكان نفسه، لكنني أحمل قلبًا مطمئنًا، وأرى أولادي وقد أصبحوا رجالًا ونساءً صالحين.
وهكذا بقيت المزرعة، في كل عيد، تمتلئ بضحكات الأحفاد، بعدما كانت يومًا شاهدة على أكبر سوء فهم فرّق عائلة كاملة.
النهاية بعد خمسة عشر عامًا...
لم تعد المزرعة تتسع للعائلة.
فقد أصبح لكل واحد من الأطفال الأربعة طريقه، لكنهم حافظوا على وعدٍ قطعوه وهم صغار
مهما حدث... نجتمع في أول يوم عيد.
وفي صباح ذلك العيد، كانت الجدة تجلس على مقعدها الخشبي في الحديقة، تراقب البوابة بابتسامة.
دخلت أول سيارة.
نزل منها نوح، وقد أصبح ضابطًا برتبة كبيرة، وبرفقته زوجته وطفله الصغير.
ثم وصلت سيارة إيثان، الذي أصبح مهندسًا يقود أحد أكبر مشروعات الطيران.
وبعدها جاءت صوفيا، الطبيبة الجراحة، مرتدية معطفها الأبيض فوق فستان العيد.
أما أوليفيا، فقد وصلت على ظهر حصان أبيض، فضحك الجميع كما كانت تفعل منذ طفولتها.
احتضنتهم واحدًا واحدًا.
وقالت وهي تبكي
الحمد لله... شفتكم كبرتوا قدام عيني.
وبينما كانوا يتناولون الإفطار، وقف الجد بصعوبة، مستندًا إلى عصاه.
قال
عندي أمانة لازم أرجعها لصاحبتها.
ثم أخرج ظرفًا أصفر
قديمًا.
ناولني إياه.
فتحت الظرف، فوجدت داخله تقرير الحمل الأول... الذي غيّر حياتنا كلها.
لكن هذه المرة كان معه خطاب من الطبيب.
قرأ دانيال بصوت مرتجف
تم نسخ الرابط