كان المليونيرعلى وشك يلبس عروسته الدبله
الأخيرة ليلقي كلمة قصيرة.
قال
أنا قربت أسلم الراية لجيل جديد... لكن أوعدوني بحاجة.
رد الجميع بصوت واحد
نوعدك.
قال
كل واحد فيكم يساعد شخصًا واحدًا على الأقل... من غير ما يستنى مقابل.
صفق الجميع بحرارة.
ثم تقدمت ليلى، وأهدته لوحة كبيرة.
كانت تضم كل الرسومات التي رسمتها منذ طفولتها وحتى اليوم.
وفي منتصف اللوحة...
كانت أول رسمة.
البيت الكبير.
والشمس الصفراء.
والأيدي المتشابكة.
لكن هذه المرة...
لم تعد الأيدي أربعة...
بل عشرات الأيدي.
أطفال، وشباب، وكبار...
كلهم يمسك بعضهم بعضًا.
ابتسم آدم، وأغمض عينيه للحظة.
وقال بهدوء
دلوقتي... الرسمة اكتملت فعلًا.
وانتشرت ابتسامته بين كل من حوله...
لتبدأ حكايات جديدة، يصنعها أشخاص تعلموا أن أعظم ثروة في الحياة ليست المال...
بل الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.
النهاية الحقيقية. بعد خمس سنوات...
كانت ليلى واقفة في نفس الحديقة اللي كانت بتجري فيها وهي طفلة.
لكن المرة دي...
ماكانتش شايلة أرنبها القماش.
كانت شايلة
الولد كان عنده أربع سنين، وبص لها وقال
تيتا... هو مين الراجل اللي صورته في كل مكان؟
ابتسمت، وقعدت على المقعد الخشبي.
وقالت
ده كان اسمه آدم الشافعي... لكنه بالنسبة لينا كان قلب كبير قبل ما يكون راجل أعمال.
سألها الطفل
كان جدّي؟
هزت رأسها وقالت
لأ... لكنه علّمنا إن العيلة مش لازم تكون من نفس الدم.
فضل الطفل يبص للصورة الكبيرة المعلقة عند مدخل المؤسسة.
وقال
هو عمل إيه؟
ابتسمت ليلى.
وقالت
زمان... وأنا عندي تلات سنين، وقفت فرحه من غير ما أقصد.
اتسعت عيون الطفل.
وبعدين زعل؟
ضحكت وقالت
بالعكس... سمعني.
ثم أخذته من يده، ودخلت به إلى قاعة كبيرة.
كانت مليانة صور لأطفال وشباب.
وتحت كل صورة قصة نجاح.
طبيب...
ومعلمة...
ومهندس...
وصاحبة مشروع...
قالت
شايف الناس دي؟
هز رأسه.
قالت
كل واحد فيهم خد فرصة... وبعدها ادّى فرصة لحد غيره.
سألها الطفل
يعني الخير بيمشي؟
ربّتت على رأسه وقالت
أيوه... الخير عمره ما بيقف.
وفي تلك اللحظة...
دخل طفل صغير جديد إلى المؤسسة،
اقترب منه حفيد ليلى.
وأخرج من جيبه أرنبًا قماشيًا صغيرًا.
وقدّمه له وهو يبتسم.
وقال
خده... هنا كلنا أصحاب.
وقفت ليلى تنظر إليهما، واغرورقت عيناها بالدموع.
ورفعت بصرها إلى صورة آدم المعلقة على الحائط.
وهمست
لسه الخير اللي زرعته بيكبر... ولسه الحكاية مكملة.
ثم خرجت الشمس من بين السحاب...
وأضاءت الرسمة القديمة المعلقة عند المدخل...
البيت الكبير...
والشمس الصفراء...
والأيادي المتشابكة.
وكأنها كانت تقول لكل من يدخل المكان
قد تنتهي الحكايات... لكن أثر الإنسان الطيب لا ينتهي أبدًا.
ستار. مرت سنوات...
وأصبح اسم مؤسسة أمينة الشافعي معروفًا في كل أنحاء مصر، لأنها كانت تفتح أبوابها لكل طفل يحتاج فرصة، دون تمييز.
وفي الذكرى الثلاثين لتأسيسها...
اجتمع آلاف الأشخاص في احتفال كبير.
كان بينهم أطباء، ومهندسون، ومعلمون، ورواد أعمال...
لكنهم جميعًا اشتركوا في شيء واحد.
أن حياتهم بدأت من تلك المؤسسة.
صعدت ليلى إلى المسرح، وبعدها بدقائق
صفق الجميع طويلًا.
ثم قالت ليلى
التمثال ده مش علشان نفتكر راجل غني... لكنه علشان نفتكر إن كلمة طيبة، ورحمة، وفرصة واحدة... ممكن يغيروا حياة إنسان للأبد.
وبعد انتهاء الاحتفال...
دخلت ليلى المكتب القديم الذي كان يجلس فيه آدم.
كل شيء بقي كما هو.
كرسيه.
مكتبه.
وصورة والدته.
وفوق الرف...
كانت أول رسمة رسمتها وهي في الثالثة من عمرها.
البيت الكبير.
والشمس الصفراء.
والأيادي المتشابكة.
ابتسمت، وأخرجت قلمًا.
وأضافت إلى الرسمة طفلًا جديدًا يمسك بأيديهم.
ثم كتبت أسفلها
كلما دخل طفل جديد هذا البيت... تكتمل الرسمة من جديد.
أغلقت الدفتر بهدوء.
وأطفأت نور المكتب.
وخرجت لتجد عشرات الأطفال يركضون في الحديقة ويضحكون.
ابتسمت وهي تردد كلمات آدم التي لم تنسها أبدًا
الثروة الحقيقية ليست فيما نملكه... بل فيما نتركه في قلوب الناس.
وانتهت الحكاية...
لكن الخير الذي بدأ بكلمة صادقة من طفلة
ظل يعيش في كل يد امتدت لتساعد، وفي كل قلب تعلّم أن الرحمة هي أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان.
تمت بحمد الله.