اتصلت بزوجى 30 مره
المحتويات
بعد الرحيل.
اقترب بهدوء، ووضع باقة ورد تحت الصورة.
وقال بصوت منخفض
سامحيني يا أمي... اتأخرت أوي.
سمعته مريم.
لكنها لم تلتفت إليه.
كانت منشغلة بقص شريط افتتاح المكان، وسط تصفيق الجميع.
في تلك اللحظة...
أدرك طارق أن بعض الفرص إذا ضاعت، لا تعود أبدًا.
أما مريم...
فلم تعد تنظر إلى الماضي بحزن.
لأنها فهمت أن النهاية المؤلمة، قد تكون أحيانًا بداية أجمل مما كان الإنسان يتخيل وبعد مرور ثلاث سنوات...
لم يعد المكان مجرد ورشة صغيرة.
أصبح مؤسسة معروفة، تستقبل عشرات السيدات كل شهر، وتساعدهن على بدء حياة جديدة.
وفي صباح هادئ...
كانت مريم ترتب بعض الملفات، عندما دخل شاب في العشرينات.
قال باحترام
حضرتك مدام مريم؟
ابتسمت وقالت
أيوه... اتفضل.
ناولها ظرفًا قديمًا وقال
أنا ابن المحامي اللي كان بيتابع وصية المرحومة أمينة. والدي توفي من شهر، ولقيت الظرف ده مكتوب عليه يُسلَّم لمريم بعد ثلاث سنوات.
اتسعت عيناها.
فتحت الظرف ببطء.
وكانت آخر رسالة من أمينة.
يا بنتي... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مطمنة إنك قدرتي تبني حياتك من جديد. عايزاكي تعرفي إن الخير عمره ما بيضيع، وكل دقيقة تعبتيها معايا ربنا هيجازيكي عليها أضعاف.
وكان مع الرسالة دفتر صغير.
فيه أسماء عشرات الأسر المحتاجة التي كانت أمينة تساعدها في السر.
وكتبت في آخر صفحة
لو قدرتي... كملي اللي بدأتُه.
أغلقت مريم الدفتر، ومسحت دموعها.
وقالت
أوعدك يا أمي... الخير مش هيقف.
ومن اليوم ده...
خصصت جزءًا من دخل
وبعد شهور...
اتحول المشروع إلى جمعية خيرية مرخصة، بتدعم الأرامل، وكبار السن، والبنات اللي بيتعلموا حرفة.
وفي يوم الاحتفال بمرور خمس سنوات على افتتاحها...
وقف الجميع يصفق لمريم.
وصعدت على المسرح، وقالت
أنا ماوصلتش هنا لوحدي... الفضل بعد ربنا يرجع لست عظيمة علمتني إن الرحمة أكبر ميراث ممكن يسيبه الإنسان.
ثم أشارت إلى صورة أمينة المعلقة في القاعة.
وقف كل الحضور احترامًا.
أما طارق...
فكان بين الحضور بدعوة عامة، يجلس في آخر الصفوف بصمت.
صفق مثل الجميع.
ولم يحاول الاقتراب.
كان يعرف أن مريم أغلقت صفحة الماضي، وأن احترام قرارها هو أقل ما يمكن أن يقدمه.
انتهى الحفل...
وخرجت مريم تنظر إلى السماء بابتسامة هادئة.
وقالت في سرها
الوجع علّمني... لكن الرحمة هي اللي بنت مستقبلي.
وسارت إلى الأمام...
هذه المرة دون أن تلتفت إلى الخلف أبدًا.
النهاية بعد سنوات...
في إحدى الأمسيات...
كانت مريم تغلق أبواب المؤسسة بعد انتهاء يوم طويل.
فجأة...
وقفت أمامها سيارة إسعاف.
نزل منها مسعف وسأل
حضرتك مدام مريم؟
قالت بقلق
أيوه... خير؟
قال
في راجل كبير طلب يشوفك، ورفض يروح المستشفى قبل ما يقابلك.
ركبت معه.
ولما وصلت...
اتفاجئت إن الراجل هو والد طارق.
كان راقد على السرير، ملامحه متعبة جدًا.
أول ما شافها...
دمعت عينه.
وقال بصوت ضعيف
سامحيني يا بنتي... أنا سكت سنين، وماوقفتش جنبك يوم كنتِ محتاجة حد يقول كلمة حق.
ابتسمت مريم في هدوء.
وقالت
اللي
هز رأسه وقال
لا... لسه في حاجة لازم تعرفيها.
أشار إلى درج الكومود.
أخرجت منه ملفًا قديمًا.
قال
أمينة قبل ما تموت، خلتني أوعدها إن الملف ده مايتفتحش إلا لما أحس إنك بقيتي قوية بما يكفي.
فتحت الملف...
فوجدت عشرات الصور.
صور لأمينة وهي تزور دور أيتام.
وصور وهي تساعد مرضى.
وصور لمريم وهي ترعاها في البيت، كانت أمينة تلتقطها دون أن تشعر.
وفي آخر الملف...
رسالة قصيرة.
يا مريم... لو حد سأل يومًا مين بنتي... هقولي البنت مش بالدم... البنت بالمواقف.
لم تستطع مريم حبس دموعها.
وضمت الرسالة إلى صدرها.
قال والد طارق
هي كانت فخورة بيكي لآخر نفس.
بعد أيام قليلة...
رحل والد طارق هو الآخر.
لكن قبل رحيله...
كتب كل ممتلكاته البسيطة لتُباع، ويُخصص ثمنها لصندوق خيري داخل المؤسسة يحمل اسم زوجته
صندوق أمينة للرحمة.
كبر الصندوق عامًا بعد عام.
وأصبح يساعد مئات الأسر.
وفي كل مرة كانت مريم ترى اسم أمينة على اللافتة...
كانت تبتسم وتقول
بعض الناس يرحلون بأجسادهم...
لكن أخلاقهم تفضل عايشة في قلوب كل اللي عرفوهم.
وهكذا...
لم تكن نهاية الحكاية طلاقًا...
ولا فراقًا...
بل كانت بداية إرث من الرحمة والخير، تركته امرأة صالحة، وحملته امرأة وفية، حتى صار أثره يمتد إلى أجيال كاملة. تمت بعد عشر سنوات...
كان اسم مؤسسة أمينة للرحمة معروفًا في كل المحافظة.
مئات السيدات اتعلموا فيها...
وعشرات الأطفال كملوا تعليمهم بسبب المنح اللي كانت المؤسسة بتقدمها.
وفي يوم...
وصل لمريم خطاب رسمي.
كان من المحافظة.
يدعوها لحضور احتفال كبير لتكريم الشخصيات الأكثر تأثيرًا في خدمة المجتمع.
في البداية...
رفضت.
كانت تفضل تشتغل في هدوء، بعيدًا عن الأضواء.
لكن العاملات في المؤسسة أصروا إنها تحضر.
ولما دخلت القاعة...
اتفاجئت إن أول صف كان مليان بالستات اللي ساعدتهن على مدار السنين.
كل واحدة قامت من مكانها...
ووقفت تصفق.
ثم قامت سيدة مسنة وقالت
أنا أول واحدة اشتغلت هنا... ولولا مريم، كنت أنا وأولادي في الشارع.
وقامت بعدها فتاة شابة.
وقالت
أنا كنت يتيمة... والمؤسسة دفعت مصاريف تعليمي لحد ما بقيت دكتورة.
ثم وقف شاب في الثلاثين من عمره.
وقال
أنا ابن واحدة من السيدات اللي اتعلموا هنا... النجاح اللي أنا فيه النهارده بدأ من المكان ده.
لم تتمالك مريم نفسها...
وانهمرت دموعها.
وصعد المحافظ إلى المنصة.
وقال
هناك أشخاص يتركون أثرًا بالمال...
وآخرون يتركون أثرًا بالمنصب...
أما مريم، فقد تركت أثرًا بالرحمة.
ثم سلّمها درع التكريم.
لكنها لم تحتفظ به.
نزلت من على المسرح...
واتجهت مباشرة إلى صورة كبيرة لأمينة كانت معروضة ضمن قصة المؤسسة.
وضعت الدرع أمام الصورة.
وقالت بصوت سمعه كل الموجودين
التكريم الحقيقي... لصاحبة الفضل.
أنا كنت مجرد سبب...
أما البداية كلها، فكانت من قلب أم عظيمة.
ساد الصمت في القاعة...
ثم دوى التصفيق لدقائق طويلة.
وفي نهاية اليوم...
رجعت مريم إلى المؤسسة.
جلست وحدها في المكتب القديم.
أخرجت المفتاح الفضي...
الذي
ابتسمت...
ووضعته داخل إطار زجاجي صغير.
وكتبت تحته عبارة واحدة
أحيانًا... مفتاح واحد لا يفتح صندوقًا فقط... بل يفتح للإنسان حياةً جديدة.
ومن
متابعة القراءة