رجعت البيت بدرى

لمحة نيوز

أمي وقالت
خلاص يا حبيبي... هرجع أخدك بعد المدرسة.
في اللحظة دي...
وقفت عربية فاخرة قدام المدرسة.
ونزل منها رجل أعمال كبير.
أول ما شاف أمي...
جري عليها.
وقال بدهشة
معقول... الأستاذة أمينة؟
بصيت له باستغراب.
قال وهو بيبتسم
حضرتك يمكن مش فاكراني... أنا حسام.
من أكتر من عشرين سنة...
كنت طالب في الجامعة.
وأبويا توفى.
وماكنتش قادر أكمل تعليمي.
حضرتك كنتِ بتشتغلي في مطعم الجامعة...
ولما عرفتي ظروفي...
كنتي بتحوشي من مرتبك...
وتدفعيلي المصاريف من غير ما تقولي لحد.
أمي اتكسفت وقالت
ده كان واجب يا ابني.
ابتسم وهو بيمسح دموعه.
وقال
الواجب ده هو اللي خلاني أبقى واقف النهارده.
ثم التفت إليّ.
وقال
أنا عندي مؤسسة خيرية لدعم التعليم... وسمعت عن مركز دار أمينة.
ولو توافقوا...
أنا هتكفل بتوسعة المركز بالكامل...
وأبني له فرع جديد...
باسم والدتك.
أمي بكت.
وأنا ما عرفتش أقول غير
الحمد لله.
بعد شهور...
اتفتح الفرع الجديد.
وبقى بيساعد مئات السيدات يتعلموا ويشتغلوا.
وكان على المدخل لوحة كبيرة مكتوب عليها
دار أمينة... الخير الذي يعود لصاحبه ولو بعد حين.
وقفت أمي قدام اللوحة...
وقالت وهي مبتسمة
ربنا عمره ما بينسى عمل الخير.
ابتسمت...
وأنا شايفة حلمها الصغير...
بقى سبب في تغيير حياة ناس كتير.
وهنا...
عرفت إن أجمل النهايات...
هي اللي تفتح أبواب لبدايات أجمل. بعد افتتاح الفرع الجديد...
اتفاجأت باتصال من محافظ المدينة.
قال لي
وصلنا اللي عملتوه في دار أمينة، وعندنا مبادرة
لتدريب السيدات في القرى، وحابين يكون المركز شريك أساسي فيها.
وافقت من غير تردد.
وخلال سنة واحدة...
اتفتح خمس فروع جديدة.
وكل فرع...
كان بيوفر فرصة عمل لعشرات السيدات.
وفي يوم...
وأنا بلف على أحد الفروع...
لمحت سيدة قاعدة في آخر القاعة.
وشها كان مألوف.
قربت منها...
افتكرتها.
كانت الجارة اللي زمان كانت كل ما تشوف أمي تتعب...
تقول
سيبيها، دي متعودة تخدم.
أول ما شافتني...
وقفت وهي مكسوفة.
وقالت
أنا جاية أتعلم شغل... بعد ما ظروفنا اتغيرت.
ابتسمت.
ومديت لها استمارة التقديم.
وقلت
هنا مفيش حد بيتحاسب على الماضي... طول ما جاي يبدأ من جديد.
دموعها نزلت...
وقالت
كنت فاكرة إنك هترفضيني.
رديت
الخير عمره ما يفرق بين الناس.
بعد شهور...
بقت من أنشط المتدربات.
وبعدين...
اشتغلت مدربة معانا.
وفي احتفال مرور خمس سنوات على تأسيس دار أمينة...
كانت القاعة مليانة سيدات نجحن وفتحوا مشروعاتهم.
أمي طلعت على المسرح.
والجميع وقف يصفق لها لدقائق.
قالت وهي ماسكة الميكروفون
أنا ما عملتش حاجة كبيرة... أنا بس ربيت بنت عرفت إن الكرامة والرحمة لازم يمشوا مع بعض.
نزلت من على المسرح...
.
وقلت
لو رجع بيا الزمن ألف مرة...
هاختارك أمي في كل مرة.
والتصفيق ملأ المكان...
بينما آدم...
اللي بقى شابًا مهذبًا...
وقف وسط الحضور يبتسم بفخر وهو بيقول
دي جدتي... ودي أمي... وهما أعظم اتنين في حياتي.
وهكذا...
تحول يوم مليء بالإهانة...
إلى بداية قصة نجاح...
فضلت تلهم كل اللي سمعها لسنوات طويلة.
النهاية.
بعد عشر سنوات...
كان دار أمينة بقى اسم معروف في كل المحافظات.
مئات السيدات بقوا أصحاب مشروعات.
وآلاف الأسر اتغيرت حياتها.
وفي يوم...
آدم دخل عليا المكتب.
كان بقى شابًا محترمًا، وخلص دراسته بتفوق.
قال وهو مبتسم
ماما... فاكرة اليوم اللي خرجتيني فيه من الشقة وأنا صغير؟
ضحكت وقلت
طبعًا... ده اليوم اللي بدأت فيه حياتنا من جديد.
طلع من جيبه ظرف أبيض.
وحطه قدامي.
فتحته...
ولقيت عقد شراء مبنى كبير.
بصيتله باستغراب.
قال
ده هيبقى أول دار مجانية لرعاية الجدات اللي معندهمش حد يرعاهم.
سألته
وسميته إيه؟
ابتسم...
وقال
بيت أمينة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وفي يوم الافتتاح...
كانت أمي هي اللي قصت الشريط.
ولما دخلت أول سيدة مسنة الدار...
وقالت
أول مرة أحس إن ليا بيت.
أمي بكت...
وقالت
من النهارده... كل واحدة فيكم أختي.
في آخر اليوم...
وقفنا كلنا في الجنينة.
أنا...
وأمي...
وآدم.
بصينا للمكان...
وللناس اللي بتضحك.
وقلت
فاكرة يا ماما اليوم اللي لقيتك واقفة في المطبخ شايلة آدم؟
ابتسمت وقالت
لو اليوم ده ما حصلش... يمكن الخير ده كله ما كانش اتولد.
هززت راسي...
وقلت
ربنا بيخرج من أصعب المواقف... أجمل النهايات.
وأول ما الشمس بدأت تغيب...
كان صوت ضحكات الأطفال...
ودعوات الجدات...
مالية المكان.
وساعتها...
عرفت إن أغلى ميراث ممكن يسيبه الإنسان...
مش فلوس...
ولا قصور...
لكن أثر طيب...
يفضل عايش...
حتى بعد عمر طويل.
تمت بحمد الله. بعد سنوات طويلة...
في الذكرى العشرين لتأسيس
دار أمينة...
كان المكان بقى مدينة صغيرة للخير.
ورش تدريب...
مدارس للحرف...
عيادات مجانية...
ومكتبة للأطفال.
وفي يوم الاحتفال...
وقف آدم على المسرح.
وكان بقى مدير المؤسسة بعدي.
قال وهو بيبص للحضور
كل الناس فاكرة إن الحكاية بدأت بقصر...
لكن الحقيقة...
الحكاية بدأت بدمعة نزلت من عين جدتي وهي واقفة في مطبخ صغير.
سكت لحظة...
وكمل
أمي علمتني إن النجاح الحقيقي مش إنك تبقى أغنى من اللي ظلموك...
النجاح إنك تفضل إنسان.
القاعة كلها وقفت تصفق.
بصيت لأمي...
لقيتها شعرها بقى أبيض بالكامل.
لكن ابتسامتها...
كانت لسه زي ما هي.
مسكت إيدي وقالت
أنا مطمنة... لأن الخير بقى له ناس يشيلوه بعدنا.
بعد الحفل...
خرجنا نتمشى في جنينة الدار.
كان في أطفال بيلعبوا...
وسيدات بيشتغلوا...
وجدات قاعدين يضحكوا مع بعض.
وقفت قدام لوحة كبيرة عند المدخل.
كانت مكتوب عليها
إذا أردت أن تعرف قيمة الإنسان... فانظر كيف يعامل أضعف من حوله.
ابتسمت...
وقلت لآدم
أوعى في يوم تنسى إن كل ده بدأ بسبب موقف واحد.
هز رأسه وقال
مستحيل أنسى... لأن جدتي علمتني الرحمة... وإنتِ علمتيني الكرامة.
وفي آخر المشهد...
خرجت أمي تمشي بهدوء وسط الجميع.
كل واحدة في الدار كانت بتسلم عليها...
وتدعي لها.
وأطفال كتير كانوا بينادوا عليها
تيتا أمينة... تيتا أمينة.
ابتسمت وهي ترد عليهم واحدًا واحدًا.
وساعتها...
أدركت إن الإنسان قد يملك بيتًا أو قصرًا...
لكن أعظم ما يمكن أن يملكه...
هو مكانة في قلوب الناس.
وهكذا انتهت الحكاية.
.. لكن أثرها فضل يعيش في كل بيت دخله الخير والرحمة. بعد مرور ثلاثين سنة...
كنت قاعدة في نفس جنينة الفيلا...
لكن المرة دي...
كنت أنا اللي شعري بقى أبيض.
وأمي...
كانت صورتها الكبيرة معلقة في مدخل دار أمينة.
رحلت
تم نسخ الرابط