جوزى طلب منى اقلع حجابى
المحتويات
الشركة، وكان نادر ينتظرها خارج المبنى. وما إن رآها بالحجاب حتى غضب واتجه نحوها.
وقبل أن يتكلم...
خرج موظف الاستقبال وقال
حضرتك الأستاذة منال؟ المدير العام منتظر حضرتك.
دخلت معه، بينما وقف نادر مذهولًا.
في مكتب المدير، رحب بها وقال
اطلعنا على سيرتك الذاتية، ومستواك ممتاز.
ترددت منال ثم قالت
لكن... قيل لي إن الشركة لا تقبل المحجبات.
تفاجأ المدير وقال
مين قال الكلام ده؟
حكت له ما حدث.
ضغط المدير على زر الهاتف، وطلب حضور مسؤول التوظيف.
دخل الرجل، فسأله المدير
هل أبلغت المتقدمين بهذا الشرط؟
ارتبك وقال
أنا اللي حطيته من نفسي... افتكرت إنه هيكون مناسب لصورة الشركة.
غضب المدير وقال
إنت خالفت سياسة الشركة. إحنا لا نفرق بين محجبة وغير محجبة، معيارنا الوحيد هو الكفاءة.
وفي نفس اللحظة، صدر قرار بإبعاده عن لجنة التوظيف والتحقيق معه.
ثم التفت إلى منال مبتسمًا وقال
لو حضرتك لسه موافقة، الوظيفة من نصيبك.
لم تتمالك دموعها، وحمدت الله.
خرجت من المكتب تحمل عقد التعيين.
وقف نادر أمامها خجلًا، وقال بصوت منخفض
سامحيني... أنا خوفت من ضيق الحال، ونسيت إن الرزق بإيد ربنا.
قالت بهدوء
أنا زعلت من كلامك أكثر من الشرط نفسه. كنت محتاجة تساندني، مش تضغط عليّ.
طأطأ رأسه وقال
وعد مني، عمري ما هطلب منك تسيبي حاجة بتقربك من ربنا.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام، وقالت
كلنا بنغلط، لكن المهم نتعلم.
مرت السنوات، وتحسنت أحوال الأسرة، وسددوا ديونهم، وكبر سيف وهو يرى في أمه قدوة في الثبات، وفي أبيه مثالًا للإنسان الذي اعترف بخطئه وأصلحه.
النهاية بعد مرور ستة أشهر...
كانت منال من أنجح الموظفات في الشركة. اجتهادها وأمانتها خلّيا الإدارة تعتمد عليها في أهم الملفات، وكل زملائها كانوا بيشهدوا بأخلاقها قبل شغلها.
أما نادر...
كان كل يوم بيحاول يعوضها
وفي يوم، المدير استدعى منال لمكتبه.
ابتسم وقال
يا أستاذة منال، مجلس الإدارة وافق على ترقيتك تبقي مشرفة قسم خدمة العملاء، ومرتبك هيزيد بنسبة أربعين في المية.
فرحت جدًا، لكن أول حد كلمته كان نادر.
رد عليها بسرعة
خير يا منال؟
قالت وهي بتضحك
اترقيت.
سكت لحظة، ثم قال
أنا فخور بيكي... وربنا يعوضك عن كل لحظة زعلتك فيها.
رجعت البيت، لقيته جايب وردة صغيرة وحلوى لسيف.
قال لها
المرة دي بنحتفل بنجاحك.
ابتسمت وقالت
أحلى احتفال إن بيتنا رجع فيه احترام.
بعد أيام...
كان في اجتماع كبير بالشركة، وحضره أصحاب شركات ومستثمرون.
وأثناء الاجتماع، وقف رئيس مجلس الإدارة وقال أمام الجميع
في موظفة عندنا أثبتت إن الالتزام والأخلاق والاجتهاد أهم من أي مظهر. النجاح الحقيقي بيبدأ من احترام الإنسان لنفسه.
ثم طلب من منال تطلع تستلم درع التميز السنوي.
وقفت وسط تصفيق الحضور.
وكان أول واحد واقف بيصفق بحرارة...
نادر.
عينه كانت مليانة دموع، لأنه افتكر اليوم اللي طلب منها تقلع حجابها.
بعد انتهاء الحفل، قال لها
أنا كنت فاكر إن الرزق في إيد البشر... لكن ربنا وراني إنه بييجي من حيث لا نحتسب.
ابتسمت وقالت
وأجمل رزق إن الإنسان يحافظ على دينه وكرامته.
أخذ سيف يجري بينهما وهو يضحك، فحمله نادر وقال
إن شاء الله لما تكبر يا سيف، اتعلم إن عمرك ما تضغط على حد يسيب مبدأه عشان مصلحة.
هز سيف رأسه وهو يضحك، فضحكوا جميعًا، وعاد الدفء إلى البيت من جديد.
يتبع...بعد عامين...
استقرت حياة منال ونادر، ولم يعد البيت يعرف ضيق الحال كما كان من قبل. اشتروا شقة أوسع، وألحقوا سيف بحضانة جيدة، وكان كل واحد منهما يساند الآخر.
وفي صباح أحد الأيام، فوجئت منال بأن رئيس مجلس الإدارة
دخلت مكتبه، فابتسم وقال
يا أستاذة منال، إحنا بنفتح فرع جديد للشركة، ومحتاجين حد أمين يديره. وبعد متابعة شغلك خلال السنتين اللي فاتوا، وقع الاختيار عليكي.
شهقت منال من الفرحة.
أنا؟!
أيوه... لأن النجاح مش بالشهادة بس، النجاح بالأمانة والاحترام.
خرجت من المكتب وهي لا تكاد تصدق نفسها.
وفي المساء، أخبرت نادر.
ترك كل ما في يده وقال مبتسمًا
فاكرة اليوم اللي كنت خايف فيه من الفقر؟ النهارده ربنا رزقنا من أوسع أبوابه، من غير ما تتنازلي عن أي مبدأ.
ابتسمت وقالت
ربنا كريم... بس لازم نفتكر الدرس ده طول عمرنا.
بعد أيام قليلة...
أقيم حفل افتتاح الفرع الجديد.
وأثناء الحفل، طلب رئيس مجلس الإدارة من منال أن تلقي كلمة قصيرة.
وقفت أمام الجميع وقالت
كنت أظن يومًا أن باب رزقي قد أُغلق، لأني رفضت أفرط في شيء أؤمن به. لكنني تعلمت أن الأبواب التي يغلقها الناس، يفتح الله خيرًا منها إذا صدق الإنسان مع ربه.
ساد الصمت للحظات...
ثم دوى التصفيق في القاعة.
كان نادر أول من وقف يصفق، وعيناه تمتلئان بالفخر.
وفي طريق العودة، أمسك يدها وقال
شكراً إنك ما سمحتليش أكون سبب إننا نغلط.
ابتسمت وقالت
المهم إننا عرفنا الصح ورجعناله.
عادا إلى منزلهما، وكان سيف ينتظرهما عند الباب وهو يجري نحوهما صارخًا
بابا... ماما... نجحت في المسابقة!
نظر نادر إلى ابنه، ثم إلى منال، وقال مبتسمًا
النجاح الحقيقي... بدأ يوم تمسكنا بالحق، وربنا بارك لنا في كل حاجة بعد كده.
النهاية بعد خمس سنوات...
أصبحت منال مديرة أحد أكبر فروع الشركة، وأصبح اسمها معروفًا داخل المؤسسة بسبب نجاحها وأمانتها.
أما نادر، فكان قد حصل على ترقية هو الآخر، وعاد إلى البيت يومًا يحمل خبرًا سعيدًا.
قال وهو يبتسم
منال... الشركة رشحتني لدورة تدريبية في الخارج.
فرحت له من قلبها وقالت
ألف
ابتسم وقال
الفضل بعد ربنا يرجعلك. لو ما كنتيش وقفتي قدامي يومها، كنت هفضل فاكر إن الفلوس أهم من المبادئ.
بعد أسابيع...
أقامت الشركة احتفالًا كبيرًا بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيسها.
وخلال الحفل، وقف رئيس مجلس الإدارة على المسرح وقال
في ناس بتنجح لأنها شاطرة... وفي ناس بتنجح لأنها عندها مبادئ. والنهارده هنكرم نموذج جمع بين الاتنين.
ثم نادى
الأستاذة... منال نادر.
وسط تصفيق الجميع، صعدت منال إلى المسرح.
تسلمت درع التميز، ثم طلب منها المدير أن تقول كلمة.
ابتسمت وقالت
زمان افتكرت إن باب رزقي هيتقفل، لكن ربنا علمني إن اللي يتمسك بالحلال عمره ما يضيع. الرزق مش بس فلوس... الرزق راحة بال، وزوج عرف غلطه، وابن بيتربى على الصح.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
نظر نادر إلى ابنه سيف، الذي أصبح في المرحلة الإعدادية، وقال له
افتكر يا سيف... لو الدنيا كلها ضغطت عليك عشان تسيب الصح، ما تسمعش غير صوت ضميرك.
ابتسم سيف وقال
زي ماما.
ضحكت منال وربتت على كتفه.
خرجت الأسرة من الحفل متماسكة كما لم تكن من قبل، وقد أدرك الجميع أن الأزمات قد تهز البيوت، لكن الصدق والاعتراف بالخطأ والإصرار على المبادئ قادرون على إعادة بنائها أقوى من السابق.
وهكذا عاشوا حياة مستقرة، يتذكرون دائمًا أن الرزق بيد الله، وأن ما عند الله لا يُنال بمعصيته.
تمت بعد عشر سنوات...
كان سيف قد أصبح شابًا مهذبًا، متفوقًا في دراسته، ويحلم أن يصبح مهندسًا.
وفي يوم، عاد إلى البيت وهو يبدو حزينًا.
سألته منال
مالك يا حبيبي؟
قال
في شركة كبيرة أعلنت عن تدريب للطلاب، وفي واحد من زمايلي قال لي لو عندك واسطة هتدخل، غير كده متتعبش نفسك.
ابتسمت منال وقالت
تعرف يا سيف؟ زمان أنا كمان قالولي إن فيه شرط لازم أتنازل عن مبدأ عشانه. لكن اتضح إن الشرط ده كان كذب،
قال نادر وهو يجلس بجواره
وأنا كنت السبب في إن أمك تمر بالموقف ده... وعمري ما هسامح نفسي عليه.
ردت
متابعة القراءة