حماتى

لمحة نيوز

حياتها...
كان نفس القرار الذي أنقذها.
أن تقول كفاية بعد مرور خمس سنوات...
أصبحت شركة مروة من الشركات المعروفة في مجال قطع الغيار، ليس فقط بسبب نجاحها، ولكن بسبب الطريقة التي كانت تعامل بها الناس.
كانت تقول دائمًا لمديريها
الشركة مش مباني وماكينات بس... الشركة ناس، واللي يحترم الناس ربنا يفتح له أبواب الخير.
وفي أحد الأيام، جاءها شاب صغير يطلب فرصة عمل.
دخل مكتبها وقال بتردد
أنا عارف إن خبرتي قليلة، بس محتاج فرصة أثبت نفسي.
نظرت له مروة وابتسمت.
كان نفس الموقف الذي مرت به منذ سنوات، عندما كانت تعمل ولا تجد من يقدرها.
قالت له
كل حد ناجح بدأ من مكان صغير... المهم يكون عندك أمانة ورغبة تتعلم.
أعطته الفرصة.
وبعد فترة أصبح من أفضل العاملين لديها.
أما أحمد، فقد استمر في محاولاته لإصلاح ما أفسده.
لم يعد يطلب من مروة أن تنسى الماضي، بل كان يحترم المسافة التي وضعتها.
وفي يوم، ذهب إليها ومعه شيء قديم.
كان دفتر الحسابات الأول للشركة.
وضعه أمامها وقال
فاكرة الدفتر ده؟
فتحته مروة، فوجدت خط يدها منذ عشر سنوات.
قال أحمد
ده كان بداية كل حاجة... وأنا كنت أعمى ومش شايف إن الست اللي جنبي كانت سبب كبير في نجاحي.
سكت قليلًا ثم قال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي... أنا جاي أقولك شكرًا.
نظرت إليه مروة وشعرت لأول مرة أن الجرح القديم بدأ يهدأ.
قالت
أهم حاجة إنك اتعلمت.
مرت الأيام، وأصبحت العلاقة بينهما قائمة على الاحترام.
لم تعد مروة المرأة التي تخاف من الوحدة.
فهي عرفت أن الإنسان عندما يحترم نفسه، يستطيع أن يبني حياة جديدة.
وفي ذكرى تأسيس شركتها، أقامت مروة احتفالًا كبيرًا.
كانت أمها تجلس في الصف الأول، وبجانبها الحاجة أمينة.
صعدت مروة إلى المسرح،
وقالت
زمان كنت فاكرة إن قيمتي في قد إيه أقدر أدي للناس... لكن اكتشفت إن قيمتي موجودة حتى وأنا بقول لا.
سكت الجميع يستمع.
ثم أكملت
الإنسان ممكن يخسر وقت، وممكن يتعب، وممكن يقع... لكن طول ما عنده شجاعة يبدأ من جديد، عمره ما يخسر.
صفق الحاضرون طويلًا.
وفي آخر الليل، عادت مروة إلى بيتها.
فتحت نافذة غرفتها، ونظرت للسماء.
ابتسمت وقالت لنفسها
الحمد لله... اليوم أنا مش بس أنقذت حياتي، أنا استعدت نفسي.
وهكذا انتهت حكاية مروة...
امرأة ظن الجميع أنها ضعيفة لأنها صبرت كثيرًا، لكنها أثبتت أن الصبر الحقيقي ليس أن تقبل الظلم...
بل أن تعرف متى تبدأ من جديد بعد مرور سنوات أخرى...
لم تتوقف مروة عن التطور.
أصبحت شركتها أكبر، لكنها لم تنسَ أبدًا الأيام التي كانت تقف فيها في بداية الطريق، تحمل المسؤولية وحدها.
لذلك قررت أن تنشئ برنامجًا لتدريب السيدات اللاتي يرغبن في العمل وإثبات أنفسهن.
كانت تقول
أنا مش عايزة حد يمر بنفس اللي مريت بيه... كل إنسان يستحق فرصة وصوت يسمعه.
وفي يوم من الأيام، جاءت لها دعوة لتكريمها على مجهودها في دعم المرأة العاملة.
وقفت على المسرح، لكن هذه المرة لم تكن تفكر في الماضي بألم...
كانت تنظر له بفخر.
بعد الحفل، اقتربت منها فتاة صغيرة وقالت
أنا سمعت قصتك... وكنت فاكرة إن اللي اتظلم خلاص انتهى، لكن حضرتك أثبتِ إن الإنسان ممكن يحول الوجع لقوة.
ابتسمت مروة وقالت
أهم حاجة ما تخليش أي حد يقنعك إن قيمتك مرتبطة برضاه عنك.
وفي نفس الفترة، كانت الحاجة أمينة قد أصبحت شخصًا مختلفًا تمامًا.
كانت تزور مروة باستمرار، وتساعدها في أعمال الخير.
وفي يوم، قالت لها
يا مروة... أنا قضيت عمري أحاول أثبت إن ابني يستحق الأفضل، وما فهمتش إن
الأفضل كان موجود قدامي.
ردت مروة
كل إنسان له فرصة يتغير يا حاجة.
أما أحمد، فقد أصبح شريكًا في بعض الأعمال الخيرية التي تقوم بها مروة.
لم يعد يحاول أن يثبت أنه الأقوى...
بل تعلم أن النجاح الحقيقي يكون عندما ترفع من حولك.
وفي يوم جمعهم لقاء عائلي بسيط، نظرت أم مروة إلى ابنتها وقالت
فاكرة لما كنتِ ترجعي كل يوم تعبانة وتقولي أنا كويسة وإنتِ مش كويسة؟
ابتسمت مروة وقالت
فاكرة يا أمي.
قالت أمها
كنتِ تستحملي عشان تحافظي على بيتك... بس ربنا كان بيجهزلك بيت أكبر.
نظرت مروة حولها.
لم يكن البيت هو المكان...
كان الإحساس بالأمان الذي بنته داخل نفسها.
وفي آخر يوم من العام، جلست مروة تكتب في دفترها
لم تكن أصعب لحظة في حياتي عندما خسرت ما أعطيته... بل كانت اللحظة التي فهمت فيها أنني كنت أستحق أن أُقدَّر منذ البداية.
وأغلقت الدفتر بابتسامة.
لأن مروة لم تعد المرأة التي تنتظر من أحد أن يختارها...
لقد اختارت نفسها أولًا بعد مرور عشر سنوات...
كانت مروة تقف أمام مبنى جديد يحمل اسم شركتها، تنظر إلى اللوحة الكبيرة المعلقة على الواجهة.
لم تتخيل يومًا أن المكان الذي بدأ بفكرة صغيرة داخل بيتها سيصبح مؤسسة يعمل بها مئات الأشخاص.
لكن أكثر شيء كان يسعدها لم يكن حجم الشركة...
كان أنها لم تعد ترى الخوف في عيون أي موظف يعمل معها.
كانت تقول دائمًا
اللي اشتغل بضمير يستحق التقدير، مش الاستغلال.
وفي يوم، أقامت الشركة احتفالًا بمرور عشر سنوات على تأسيسها.
حضر العمال القدامى، ومن بينهم أشخاص كانوا يعرفون مروة منذ بدايتها.
اقترب منها أحدهم وقال
فاكرة أول يوم دخلتي فيه المخزن؟ كنتِ شايلة ملفات أكتر من قدرتك وبتقولي لازم الشغل يكمل.
ضحكت مروة وقالت
كنت فاكرة إن
لازم أكون قوية طول الوقت.
قال لها
وإنتِ كنتِ قوية فعلًا... بس الفرق إنك دلوقتي بقيتي قوية من غير ما تظلمي نفسك.
في نهاية الحفل، صعدت مروة إلى المسرح.
نظرت إلى الحضور، ثم إلى أمها التي كانت تجلس في الصف الأول وقد كبر عمرها لكن ابتسامتها لم تتغير.
قالت مروة
زمان كنت أعتقد إن التضحية هي أن تعطي كل شيء حتى لا تخسر أحدًا... لكني تعلمت أن الإنسان عندما يخسر احترامه لنفسه، يخسر أهم شيء.
ساد الصمت.
ثم أكملت
أنا لا أندم على الخير الذي فعلته... لأن الخير يعود لصاحبه. لكني تعلمت أن الخير لا يعني أن أسمح لأحد أن يؤذيني.
صفق الجميع.
بعد الحفل، جاءت الحاجة أمينة إليها وهي تستند على عصاها.
قالت
كنت قاسية عليكي يا بنتي... لكن ربنا اداني فرصة أشوف قد إيه كنت غلطانة.
أمسكت مروة يدها وقالت
المهم إننا اتعلمنا.
ابتسمت أمينة وقالت
ربنا يباركلك... إنتِ مش بس بنيتي شركة، إنتِ بنيتي إنسانة جديدة.
وفي تلك الليلة، عادت مروة إلى منزلها.
فتحت صندوقًا قديمًا، وجدت فيه ورقة المستشفى التي كانت سبب بداية التغيير.
نظرت إليها طويلًا.
لم تعد تراها كذكرى ألم...
بل كذكرى اليوم الذي قررت فيه أن تحب نفسها.
أغلقت الصندوق، وابتسمت.
فبعض القرارات تكون صعبة في لحظتها...
لكنها تكون الباب الذي يعبر منه الإنسان إلى حياة لم يكن يحلم بها.
وهكذا عرفت مروة أن أغلى شيء أنقذته في ذلك اليوم لم يكن حياة شخص آخر... بل حياتها هي بعد مرور عام آخر...
كانت مروة تجلس في مكتبها في آخر يوم عمل قبل الإجازة السنوية، تنظر من النافذة إلى حركة الموظفين في الشركة.
تذكرت يومًا بعيدًا كانت فيه تجلس في غرفة صغيرة داخل بيتها، تمسك أوراق الشركة وتحاول أن تثبت أنها موجودة.
أما اليوم، فأصبح اسمها
معروفًا، ليس لأنها انتصرت على أحد...
بل لأنها انتصرت على خوفها.
دخلت عليها إحدى الموظفات الشابات وقالت
مروة هانم، ممكن أتكلم
تم نسخ الرابط