طفل

لمحة نيوز

وتحتاج إلى العلاج... فأنت مرحب بك، حتى لو لم تملك شيئًا.
كبر نوح قليلًا، واختفت نظرة الخوف من عينيه، وحل محلها بريق أمل.
وفي إحدى الأمسيات، دخل طفل صغير إلى العيادة وهو يبكي، ممسكًا بكيس فيه بعض العملات المعدنية.
وقف مرتبكًا وقال
معايا شوية فلوس... تكفي؟
ابتسم نوح، الذي أصبح يساعد والدته بعد المدرسة، وأخذ الكيس من يده بلطف.
ثم أعاد إليه النقود كلها وقال
احتفظ بيها... أنا جيت هنا زمان بنفس الطريقة.
تعجب الطفل وسأله
بجد؟
أومأ نوح برأسه، ثم قاده إلى غرفة الكشف.
وقفت إيما تراقب المشهد من بعيد، وابتسمت في صمت.
أدركت أن ابنها لم يشفَ جسده فقط...
بل أصبح سببًا في شفاء قلوب غيره.
وفي عيد ميلاده الخامس عشر، قدمت له صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحه بفضول، فوجد بداخله ثلاث زجاجات فارغة قديمة، وعلبتين معدنيتين، واثنتي عشرة قطعة نقدية.
نظر إليها باستغراب.
ابتسمت وقالت
احتفظت بيهم من أول يوم دخلت فيه حياتي من جديد.
امتلأت عيناه بالدموع، طويلًا.
ومنذ ذلك اليوم، وضع الصندوق داخل مكتبه في العيادة، وكلما سأله أحد عنه، كان يقول
دي مش زجاجات فارغة... دي أغلى حاجة امتلكتها في حياتي، لأنها كانت بداية رجوعي لأمي.
وهكذا أصبحت قصتهما مصدر أمل لكل من ظن أن الحياة انتهت، بينما كانت في الحقيقة تستعد لتمنحه بداية جديدة. مرت عشرة أعوام...
أصبح نوح شابًا في الثامنة عشرة من عمره، طويل القامة، هادئ الملامح، يحمل نفس الابتسامة الدافئة التي كانت أمه تراها في وجهه وهو رضيع.
وفي صباح أحد الأيام، وقف أمام مبنى كلية الطب، يحمل بطاقة قبوله بين يديه.
نظرت إليه إيما بفخر وسألته
متأكد إنك عايز تتعب كل السنين دي؟
ابتسم وقال
أنا اخترت الطب من أول يوم دخلت فيه عيادتك... يومها عرفت إن الدكتور الحقيقي مش بيعالج الجسم بس، ده بيعالج
الروح كمان.
مرت سنوات الدراسة سريعًا، وكان نوح من أوائل دفعته.
وفي يوم تخرجه، طلب من عميد الكلية أن يسمح له بإلقاء كلمة الخريجين.
وقف أمام الحضور وقال
وأنا طفل صغير، دخلت عيادة ومعايا 12 دولارًا وكيس زجاجات فارغة، وكنت فاكر إن العلاج بيتشري بالفلوس. لكن اتعلمت إن الرحمة هي أغلى علاج في الدنيا.
ثم نزل من على المنصة، واتجه مباشرة إلى أمه.
خلع ميدالية التخرج من حول رقبته، ووضعها في عنقها.
وقال أمام الجميع
النجاح ده مش ليا... ده للست اللي علمتني أقف على رجلي من جديد.
انفجرت القاعة بالتصفيق، بينما إيما والدموع تملأ عينيها.
وبعد سنوات قليلة، افتتحا معًا مركزًا طبيًا مجانيًا لعلاج الأطفال غير القادرين.
وعند مدخل المركز، بقيت اللافتة نفسها التي لم تتغير أبدًا
إذا كنت طفلًا وتحتاج إلى العلاج... فأنت مرحب بك، حتى لو لم تملك شيئًا.
وكان إلى جوارها صندوق زجاجي صغير، بداخله ثلاث زجاجات فارغة واثنتا عشرة قطعة نقدية.
لم تكن للزينة...
بل كانت تذكيرًا دائمًا بأن أحيانًا، أبسط الأشياء تكون بداية أعظم المعجزات.
النهاية السعيدة. بعد خمس سنوات...
كان المركز الطبي قد أصبح مقصدًا لمئات الأطفال من مختلف المدن، ولم يعد مجرد مكان للعلاج، بل بيتًا يمنح الأمل لكل من يدخله.
وفي صباح شتوي بارد، دخلت سيدة بسيطة تمسك بيد طفلها الصغير، وكانت تبدو عليها علامات القلق.
تقدمت إلى مكتب الاستقبال وسألت بصوت خافت
الدكتور نوح موجود؟
أجابتها الممرضة
اتفضلي... هو بيكشف بنفسه النهارده.
دخلت الأم إلى غرفة الكشف وهي تعتذر
يا دكتور... معيش غير المبلغ ده.
وأخرجت من حقيبتها بضع عملات معدنية، ثم انخفض رأسها خجلًا.
ابتسم نوح، وأغلق يدها على النقود برفق، وقال
احتفظي بيها... ابنك أولى بيها.
ثم فتح الدرج المجاور لمكتبه، وأخرج منه
كيسًا قديمًا، وضع بداخله ثلاث زجاجات فارغة واثنتي عشرة قطعة نقدية.
نظر إليهما للحظة، ثم ابتسم وقال
زمان كنت فاكر إن دول كل اللي أملكه... لكنهم كانوا سبب إن حياتي تتغير.
بعد انتهاء الكشف، خرج الطفل وهو يضحك بعدما كان يبكي من الألم.
وقبل أن تغادر الأم، قالت وهي تمسح دموعها
ربنا يجازيك خير يا ابني.
ابتسم نوح وقال
لو حابة تشكرِي حد... ادعي للدكتورة إيما. هي أول واحدة علمتني إن الرحمة عمرها ما بتخلص.
وفي المساء، وقف نوح أمام صورة كبيرة تجمعه بوالدته داخل بهو المركز.
اقترب منها وقال بصوت هادئ
كل يوم بحاول أكون على قد الدرس اللي علمتِنيه.
سمعته إيما من خلفه، فضحكت وقالت
وأنا كل يوم بشكر ربنا إنه رجعلي ابني.
ابتسم لها، ، بينما كانت أصوات ضحكات الأطفال تملأ أرجاء المركز...
وكانت تلك الضحكات أجمل مكافأة نالها الاثنان طوال حياتهما.
النهاية الحقيقية... حيث تستمر الرحمة، ويستمر الأمل. بعد عامٍ آخر...
في صباح أحد الأيام، وصلت إلى المركز الطبي حافلة صغيرة تقل عددًا من طلاب المرحلة الثانوية، كانوا في زيارة للتعرف على العمل الإنساني داخل المستشفى.
اصطحبهم الدكتور نوح في جولة بين العيادات، ثم توقف أمام الصندوق الزجاجي الصغير الموضوع عند المدخل.
رفع أحد الطلاب يده وسأل
يا دكتور... ليه محتفظين بزجاجات فاضية و قطعة نقدية؟
ابتسم نوح للحظة، ثم قال
لأن المكان ده اتبنى بسببهم.
نظر الطلاب إلى بعضهم في دهشة.
فحكى لهم قصته منذ كان طفلًا خائفًا لا يملك سوى هذا الكيس الصغير، وكيف وجد طبيبة لم تسأله عن المال قبل أن تعالجه، بل وأعادت إليه الأمان.
انتهى من حديثه، فعمّ الصمت بين الجميع.
اقترب طالب صغير وقال
أنا كنت فاكر إن النجاح معناه فلوس أو شهرة... دلوقتي فهمت إن النجاح الحقيقي إنك تسيب أثر حلو في حياة الناس.

ابتسم نوح وربت على كتفه وقال
وده بالضبط اللي نفسي كل واحد فيكم يفتكره.
وقبل أن يغادر الطلاب، أخرج أحدهم حصّالته الصغيرة من حقيبته، ووضعها داخل صندوق التبرعات.
ثم تبعه باقي زملائه، كل واحد بما استطاع.
لم تكن المبالغ كبيرة...
لكنها كانت بداية جديدة، تمامًا كما كانت اثنتا عشرة قطعة نقدية يومًا ما بداية لحياة كاملة.
وقفت إيما تراقب المشهد من بعيد، وابتسمت وهي تقول
الخير عمره ما بينتهي... هو بس بينتقل من قلب لقلب.
هزّ نوح رأسه موافقًا، ثم نظر إلى لافتة المركز التي بقيت كما هي منذ اليوم الأول
إذا كنت طفلًا وتحتاج إلى العلاج... فأنت مرحب بك، حتى لو لم تملك شيئًا.
وكان يعلم في داخله أن هذه الرسالة ستظل تعيش، حتى بعد أن يرحل هو وإيما بسنوات طويلة، لأن الرحمة الحقيقية لا تموت... بل يورثها أصحاب القلوب الطيبة لمن يأتي بعدهم.
تمت القصة. وبعد عشرين عامًا...
تحول المركز الطبي الصغير إلى مؤسسة خيرية تضم عدة فروع في مدن مختلفة، وكلها تحمل الاسم نفسه
مركز الأمل للأطفال.
كبر نوح، وأصبح من أشهر أطباء جراحة العظام للأطفال، لكنه لم يغيّر عادته أبدًا.
كان يخصص كل يوم جمعة للكشف المجاني، ويستقبل الأطفال بنفس الابتسامة التي استقبله بها القدر يومًا ما.
وفي أحد الأيام، دخل طفل صغير لا يتجاوز السابعة من عمره، يحمل في يده كيسًا بلاستيكيًا قديمًا.
وقف أمام مكتب نوح بخجل وقال
يا دكتور... معايا شوية عملات... ولو مش كفاية، أقدر أجيب زجاجات فاضية كمان.
تجمد نوح في مكانه للحظات.
ابتسمت عيناه قبل شفتيه، وشعر وكأن الزمن عاد به عشرات السنين.
اقترب من الطفل، وجلس على ركبتيه حتى يصبح في مستواه، ثم قال
مين قالك إن العلاج بيتباع؟
أجاب الطفل
أنا... كنت خايف ترفضني.
ربت نوح على كتفه وقال
اسمع يا بطل... من النهارده،
المكان ده بيتك. وهتتعالج، وهتلعب، وهترجع تضحك... من غير ما تدفع أي حاجة.
كان الطفل ينظر إليه في صمت
وفي
تم نسخ الرابط