طفل
طفل دخل العيادة ومعه 12 دولارًا وكيس زجاجات فارغة ليعالج ساقه... لكن الطبيبة اكتشفت أنه ابنها الذي اختفى منها قبل خمس سنوات!
كانت السماء تمطر بغزارة عندما همّت الدكتورة إيما كارتر بإغلاق باب عيادتها الصغيرة في آخر اليوم. وبينما كانت تطفئ الأنوار، لمحَت طفلًا لا يتجاوز الثامنة من عمره يقف عند الباب، وثيابه مبللة بالكامل، ويمسك بكيس بلاستيكي صغير بكلتا يديه وكأنه كنز لا يريد أن يفقده.
اقترب منها بخطوات مترددة وقال بصوت يرتجف
يا دكتورة... ممكن تعالجي رجلي؟ معايا فلوس.
ابتسمت له بحنان وطلبت منه الدخول حتى يبتعد عن المطر.
فتح الكيس بحذر، وأخرج حفنة من العملات المعدنية وثلاث زجاجات بلاستيكية فارغة وعلبتين معدنيتين.
وقال بخجل راجل بيشتري الزجاجات الفاضية قال إن دول يجيبوا حوالي 12 دولار... ولو مش كفاية هجمع الباقي بكرة.
تأثرت إيما بكلامه، لكنها ركعت أمامه وقالت
هنا العلاج مش بيتقاس بالفلوس.
ساعدته على الجلوس، ولاحظت أن ساقه اليمنى متورمة بصورة مقلقة. وعندما بدأت ترفع طرف البنطال لتفحص الإصابة، توقفت فجأة.
لم تكن الإصابة وحدها هي ما صدمها...
كانت هناك كدمات قديمة وآثار ضرب واضحة على ساقيه وذراعيه.
أما وجهه...
فكان مألوفًا بشكل جعل قلبها يتوقف للحظة.
الحاجبان... الذقن الصغيرة... والعينان البنيتان الواسعتان...
ملامح كانت تحفظها عن ظهر قلب.
نظرت إليه وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها وسألته
اسمك إيه يا حبيبي؟
قال نوح.
ثم سألته برفق
واسم والدك؟
أجاب مايكل هايز.
في تلك اللحظة، شعرت الدنيا تدور بها.
فهذا الطفل هو ابنها الذي فُقد منها قبل خمس سنوات بعد حادث مأساوي أثناء رحلة عائلية، حين اختلطت الأوراق في المستشفى، وأُبلغت الأسرة أن الطفل اختفى أثناء عملية الإجلاء بعد الحادث، ولم تتمكن الشرطة من العثور عليه رغم سنوات
أما نوح، فقد عثر عليه رجل مسن فاقد للقدرة على الإنجاب، وربّاه سنوات، لكن بعد وفاته انتقل الطفل إلى أحد أقاربه الذين أساؤوا معاملته وأجبروه على العمل في جمع الزجاجات الفارغة مقابل الطعام.
لم يكن نوح يعرف شيئًا عن ماضيه...
ولا يعلم أن الطبيبة التي تقف أمامه الآن هي أمه الحقيقية.
يتبع...أخذت الدكتورة إيما نفسًا عميقًا حتى لا يلاحظ الطفل ارتباكها، ثم ابتسمت له وقالت برفق
متخافش يا نوح... الأول هنعالج رجلك.
أومأ الصغير برأسه، لكنه عندما اقتربت منه بالإبرة لتخدير موضع الإصابة، أغلق عينيه بقوة ووضع يديه فوق رأسه وهو يرتجف.
وقال بصوت مخنوق
لو سمحت... متضربنيش... أنا هتحمل الوجع.
تجمدت إيما في مكانها.
ربتت على كتفه وقالت
مفيش حد هيضربك هنا... أوعدك.
وبعد أن انتهت من الأشعة، ظهر أن ساقه بها كسر قديم لم يلتئم بطريقة صحيحة، وكان يحتاج إلى تثبيت وعلاج سريع.
أحضرت له شوربة دافئة وبعض الخبز.
تناول الطعام ببطء شديد، ثم جمع الطبق الفارغ وقال بخجل
أغسله فين؟
ابتسمت والدموع تملأ عينيها.
سيبه... أنت ضيف عندي.
نظر إليها باستغراب، وكأنه لم يسمع هذه الكلمة من قبل.
وبينما كان ينام من شدة الإرهاق، اتصلت إيما بالشرطة وأبلغتهم بكل ما رأته من إصابات وآثار إهمال، كما طلبت مراجعة ملفات الأطفال المفقودين منذ خمس سنوات.
وبعد ساعات قليلة، وصل أحد ضباط المباحث يحمل ملفًا قديمًا.
فتح الملف، ثم نظر إلى إيما وقال
إحنا أخدنا عينة DNA من الطفل بمجرد ما بلغتي عن الاشتباه... والنتيجة المستعجلة ظهرت.
توقفت أنفاسها.
قال الضابط بهدوء
مفيش شك... نوح هو ابنك.
انهارت إيما باكية لأول مرة منذ سنوات، بينما كان نوح نائمًا في هدوء، لا يعلم أن رحلة البحث التي استمرت خمس سنوات انتهت أخيرًا.
لكن بقي سؤال واحد...
من الذي أخفى الطفل كل هذه السنوات؟
يتبع...في صباح اليوم التالي، استيقظ نوح على رائحة الخبز الساخن.
فتح عينيه ببطء، فوجد الدكتورة إيما تجلس بجواره تقرأ ملفه الطبي.
ابتسمت له وقالت
صباح الخير يا بطل.
نظر إليها في تردد، ثم سأل بصوت خافت
أنا... لازم أمشي؟
أمسكت بيده برفق وقالت
لا، هتفضل هنا لحد ما رجلك تبقى أحسن.
تنهد الصغير براحة لأول مرة منذ سنوات.
وبعد ساعات، عاد ضابط المباحث ومعه نتائج التحقيقات.
قال
وصلنا للرجل اللي لقى نوح بعد الحادث من خمس سنين. كان صيادًا كبيرًا في السن، عثر عليه فاقدًا للوعي بالقرب من مكان الحادث، وأبلغ الشرطة، لكن الطفل وقتها ماكانش فاكر اسمه، والأوراق الخاصة به كانت ضاعت.
أكمل الضابط
الرجل رباه كأنه ابنه، لكنه توفي بعد أربع سنوات. وبعد وفاته، انتقل نوح إلى أحد أقاربه باعتباره المسؤول عنه قانونيًا.
تنهد الضابط بحزن وأضاف
ومن هنا بدأت معاناته.
ثبتت التحقيقات أن هذا القريب كان يجبر نوح على جمع الزجاجات الفارغة والعمل لساعات طويلة، ويحرمه من العلاج والطعام، ولم يكن يرسله إلى المدرسة إلا نادرًا.
ألقت الشرطة القبض عليه، واعترف بكل شيء أمام الأدلة وشهادات الجيران.
أما نوح، فظل ينظر إلى إيما في صمت.
ثم سألها فجأة
هو... ينفع أسألك سؤال؟
ابتسمت وقالت
أكيد.
قال وهو يخفض رأسه
ليه كل ما أبص في وشك... بحس إني أعرفك من زمان؟
لم تستطع إيما أن تمنع دموعها هذه المرة.
اقتربت منه، وجثت أمامه، وقالت بصوت يرتجف
لأن ربنا رجعك لحد كان بيدور عليك كل يوم... أنا أمك يا نوح.
رفع الطفل عينيه إليها في ذهول، وظل صامتًا للحظات.
وهو يبكي، وقال
كنت دايمًا بدعي يكون ليا أم... تطبطب عليا.
وهي تردد
ومن النهارده... مش هسيبك أبدًا.
النهاية بعد عدة أشهر...
بدأت ساق نوح تتماثل للشفاء، وعاد يمشي من جديد
في البداية، كان يستيقظ كل ليلة مذعورًا من الكوابيس، ويصرخ وهو نائم
أنا آسف... والله مش هغلط تاني.
كانت إيما تدخل غرفته فورًا، تجلس بجانبه، وتمسك يده حتى يهدأ.
ومع مرور الأيام، بدأ نوح يشعر بالأمان لأول مرة في حياته.
التحق بالمدرسة، وأصبح من أكثر التلاميذ اجتهادًا، لأنه كان يرى في كل كتاب فرصة لحياة جديدة حُرم منها سنوات.
وذات يوم، أقامت المدرسة احتفالًا لتكريم الطلاب المتفوقين.
وقف نوح على المسرح يتسلم جائزته وسط تصفيق الجميع.
ثم طلب من مديرة المدرسة أن تسمح له بقول كلمة قصيرة.
أمسك الميكروفون، ونظر إلى الحضور، ثم قال
زمان كنت فاكر إن الناس الطيبة موجودة بس في الأحلام... لكن اكتشفت إن ربنا ممكن يغير حياة الإنسان في لحظة.
ثم التفت نحو إيما، التي كانت تجلس في الصف الأول.
ابتسم وقال
شكراً... يا أمي.
ساد الصمت للحظة، ثم دوى التصفيق في القاعة، بينما لم تستطع إيما أن تمنع دموع الفرح.
وبعد انتهاء الحفل، خرجا معًا، وكان نوح يمشي ممسكًا بيدها بقوة.
توقف أمام حاوية إعادة التدوير، وأخرج من حقيبته زجاجة مياه فارغة.
نظر إليها للحظات، ثم ابتسم وألقاها داخل الحاوية.
سألته إيما
بتفكر في إيه؟
أجاب بابتسامة هادئة
فاكرة أول مرة جيتلك؟ كنت فاكر إن ال دولار دول هيشتروا علاج رجلي.
ابتسمت وهي تمسح على شعره.
فقال
دلوقتي عرفت إن اللي أنقذني ماكانش الفلوس... كان قلبك.
وأنت أنقذت قلبي أنا كمان.
وسارا معًا نحو المنزل، وقد تركا خلفهما سنوات الألم، وبدآ أخيرًا حياةً جديدة، عنوانها الحب والأمان.
تمت بعد عامين...
لم تعد العيادة الصغيرة كما كانت.
فقد تبرع أهل الحي ورجال أعمال كثيرون لتوسعتها بعدما انتشرت قصة الطفل الذي جاء يحمل زجاجات فارغة ليعالج ساقه.
لكن إيما
ولا طفل يدخل من الباب ده ويسأل معاه فلوس ولا لأ.
وعُلقت عند المدخل لافتة كتب عليها
إذا كنت طفلًا