وهى بتجرى

لمحة نيوز

قديمًا وقال
أنا كنت البواب المسؤول عن المنطقة من سنين. والظرف ده كنت محتفظ بيه لأن صاحبه طلب ما يتفتحش إلا لما تظهر صاحبة الشاليه.
فتحت فريدة الظرف، ولقت جوابًا مكتوبًا بخط يد والدها الراحل.
بدأت تقرأ، ودموعها نزلت
يا فريدة... لو بتقري الرسالة دي، يبقى الزمن دار دورته. أنا كنت دايمًا بقول إن قيمة الإنسان مش في اللي يملكه، لكن في اللي يقدر يديه لغيره. الشاليه ده بنيته عشان يكون سبب خير، ولو في يوم فتحتي بابه لمحتاج، اعرفي إنك حققتي أمنيتي.
ماقدرتش تمسك دموعها.
رفعت رأسها وسألت الرجل
حضرتك تعرف بابا؟
ابتسم وقال
كنت صاحبه من أكتر من أربعين سنة. وقبل وفاته بشهور، كان بيزور الشاليه كل أسبوع ويقول نفسي المكان ده يغيّر حياة حد.
بصت فريدة ناحية أمينة وبنتها، وافتكرت اليوم اللي سلمتها فيه المفتاح من غير ما تعرف اسمها حتى.
في اللحظة دي، قررت قرار جديد.
بعد شهرين، أسست مؤسسة خيرية باسم والدها، هدفها توفير سكن مؤقت للأسر اللي فقدت بيوتها أو بتمر بأزمة، مع مساعدتهم على إيجاد عمل وتعليم لأولادهم.
وكانت أول مديرة للمؤسسة... أمينة.
وخلال سنوات قليلة، ساعدت المؤسسة مئات الأسر على بدء حياة جديدة.
وكل أسرة كانت تستلم مفتاح بيت مؤقت، كانت تسمع نفس الجملة اللي غيرت حياة أمينة يومًا
اعتبريه بيتك... لحد ما تقفي على رجلك من جديد.
وهكذا، تحولت لحظة عطف استغرقت دقائق في مطار القاهرة... إلى رحلة خير استمرت سنوات، وتركت أثرًا في حياة أناس لم تكن فريدة تعرف أسماءهم.
تمت بحمد الله بعد عشر سنوات...
كانت فريدة واقفة في افتتاح أكبر مشروع خيري للمؤسسة، وهو مجمع سكني كامل للأسر المتعففة، يضم حضانة، وعيادة، وورش تدريب، ومكتبة للأطفال.
وأثناء الجولة، اقتربت منها شابة أنيقة ترتدي بالطو أبيض، وحول رقبتها بطاقة مكتوب عليها
د.
مريم أمين.
ابتسمت فريدة وقالت
معقول... دي مريم الصغيرة؟
ضحكت مريم وهي تحتضنها
أيوه يا طنط... الحمد لله بقيت دكتورة أطفال، ورجعت أشتغل هنا عشان أعالج الأطفال اللي ظروفهم شبه ظروفي زمان.
لم تتمالك فريدة نفسها من التأثر.
وفي أثناء الاحتفال، صعدت مريم إلى المنصة وقالت
وأنا عندي سبع سنين، كنت فاكرة إن الدنيا انتهت. كنت أنا وماما بننام كل يوم وإحنا مش عارفين بكرة هنروح فين. لكن ست واحدة قررت تثق فينا، وبدل ما تدينا صدقة... ادتنا كرامة وفرصة.
ساد الصمت في القاعة، ثم دوّى التصفيق.
بعد انتهاء الكلمة، وقفت فريدة وقالت
أنا كنت فاكرة إني أنا اللي ساعدت أمينة وبنتها... لكن الحقيقة إنهم هم اللي علموني إن الخير الحقيقي مش بيخلص، وإن المعروف بيرجع لصاحبه بأشكال عمره ما يتوقعها.
وفي نهاية اليوم، علّقت المؤسسة لوحة كبيرة عند المدخل كُتب عليها
قد تفتح مفتاحًا بابًا لبيت... لكنه قد يفتح مستقبلًا لإنسان.
وظلت تلك العبارة شعار المؤسسة لسنوات طويلة، تذكر كل من يدخلها أن أصغر عمل خير قد يغير حياة كاملة.
النهاية الحقيقية. بعد مرور سنوات أخرى، أصبحت المؤسسة نموذجًا يُحتذى به، وبدأت محافظات كثيرة تطلب فتح فروع جديدة.
وفي أحد الأيام، دخلت سيدة مسنة إلى مقر المؤسسة، وكانت تحمل في يدها ميدالية مفاتيح قديمة.
قالت لموظفة الاستقبال
أنا جاية أقابل الأستاذة فريدة... ضروري.
دخلت فريدة، وما إن رأت الميدالية حتى تجمدت في مكانها.
كانت نفس ميدالية المفاتيح التي أعطتها لأمينة في مطار القاهرة قبل سنوات.
ابتسمت أمينة وقالت
احتفظت بيها طول السنين دي... لكن النهارده لازم ترجع لصاحبتها.
هزت فريدة رأسها وهي تبتسم
لا... دي بقت رمز لحكاية أكبر من أي بيت.
ثم التفتت إلى الموظفين وقالت
من النهارده، أي أسرة تستفيد من المؤسسة، هتستلم مفتاحًا
رمزيًا مع عقد السكن، عشان تفتكر إن الثقة ممكن تغيّر حياة إنسان.
انتشرت الفكرة، وأصبح المفتاح شعارًا للأمل وبداية جديدة.
وفي نهاية ذلك اليوم، وقفت فريدة وأمينة أمام أول دفعة من الأسر التي استلمت مساكنها، وقالت فريدة
أنا ما عرفتش اسم أمينة يوم قابلتها أول مرة... لكن ربنا كان كاتب إن المعروف الصغير ده يبقى سبب في تغيير حياة ناس كتير.
ابتسمت أمينة وهي تمسك يدها وقالت
وأنا اتعلمت إن الإنسان لما يلاقي رحمة، لازم ينقلها لغيره.
وبينما كانت الأسر تدخل بيوتها الجديدة، كانت ضحكات الأطفال تملأ المكان، لتكون أجمل دليل على أن الخير لا يتوقف عند شخص واحد، بل ينتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل.
وهكذا انتهت الحكاية... لكنها كانت بداية لحكايات أجمل لكثير من الناس. بعد أشهر قليلة، قررت فريدة زيارة الشاليه الذي بدأت منه كل الحكاية.
دخلت المكان بهدوء، ولم يتغير فيه شيء تقريبًا، إلا صورة كبيرة معلقة على الحائط.
كانت صورة لها مع أمينة ومريم، يوم افتتاح أول فرع للمؤسسة.
ابتسمت وهي تتمتم سبحان مغير الأحوال.
وبينما كانت تتجول، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
فتحت، فوجدت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، تمسك بيد جدتها.
قالت الجدة بخجل
معلش يا بنتي... قالولنا إن هنا ممكن نلاقي حد يساعدنا.
ابتسمت فريدة، وشعرت أن الزمن عاد بها سنوات طويلة إلى الوراء.
نظرت إلى الطفلة، فرأت في عينيها نفس الخوف الذي رأته يومًا في عيني مريم.
جلست أمامهما وسألتهما عن حكايتهما.
اكتشفت أن الجدة كانت تربي حفيدتها وحدها بعد وفاة والديها، وأنهما فقدتا البيت بسبب ظروف قاسية.
وقفت فريدة، وفتحت درجًا قديمًا في الشاليه.
أخرجت منه مفتاحًا جديدًا.
ناولته للجدة وقالت بابتسامة
المرة دي... مش هتسكنوا هنا بس. المؤسسة هتوفر لكم بيت دائم، والطفلة هتكمل
تعليمها، وإحنا هنكون عيلتكم.
انفجرت الجدة في البكاء وهي تردد
ربنا يجازيكي خير... أنا كنت فاكرة إن الخير انتهى من الدنيا.
ردت فريدة وهي تمسك يدها
لا... الخير موجود، لكنه محتاج حد يبدأه.
خرجت الجدة وحفيدتها وهما تبتسمان، بينما وقفت فريدة تنظر إلى السماء.
همست
الحمد لله... المفتاح لسه بيفتح أبوابًا جديدة.
ومن يومها، أصبح الشاليه نفسه محطة استقبال مؤقتة لكل أسرة تمر بأزمة، قبل انتقالها إلى بيتها الجديد.
وهكذا استمرت الحكاية، لأن الخير الحقيقي لا تنتهي فصوله، بل يترك خلفه حكايات جديدة تُكتب كل يوم. مرت عشرون سنة...
وأصبحت فريدة في الستين من عمرها، لكنها كانت لا تزال تزور الشاليه مرة كل شهر.
وفي إحدى الزيارات، وجدت طفلًا لا يتجاوز الثانية عشرة يجلس أمام الباب، وفي يده ورقة مطوية.
ابتسمت وسألته
بتعمل إيه يا بطل؟
وقف الطفل باحترام وقال
حضرتك الأستاذة فريدة؟
أيوه.
ناولها الورقة وقال
جدتي قالتلي أسلمها لحضرتك بنفسي.
فتحت فريدة الرسالة، وكانت مكتوبة بخط مرتجف
أنا الطفلة اللي جيتلك مع جدتي من سنين. النهارده بقيت مهندسة معمارية، وأول مرتب قبضته اشتريت بيه شقة لجدتي. وكل ده بدأ يوم ما ادتينا مفتاح الأمل. أنا مسافرة أشتغل بره مصر، لكن ابني جه يسلملك الرسالة ويقولك شكرًا.
لم تتمالك فريدة نفسها، واحتضنت الطفل.
ثم سألته
اسمك إيه؟
قال مبتسمًا
اسمي كريم... وماما قالتلي لما أكبر أعمل خير مع أي حد محتاج، من غير ما أستنى منه حاجة.
ربتت فريدة على كتفه وقالت
أوعدني إنك تفضل فاكر الكلام ده.
قال بثقة
أوعدك.
وفي تلك اللحظة، أدركت فريدة أن الخير لم يعد مجرد مؤسسة أو مبنى أو مفتاح...
بل أصبح قيمة انتقلت من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.
وبعد سنوات، عندما رحلت فريدة عن الدنيا، خرج في جنازتها آلاف الأشخاص.
لم يكونوا رجال
أعمال أو مسؤولين فقط...
بل أمهات، وأطفال، وشباب، وعائلات كاملة تغيرت حياتها بسبب قرار اتخذته في دقائق
تم نسخ الرابط