رجع من السفر لقى بيته فاضى
رجع من السفر... لقى بيته فاضي وحياته كلها اختفتجوزي سابني أنا وابننا الصغير لوحدنا في الكريسماس بحجة إنه مسافر شغل بره... وبعدها رجع البيت متوقع يلاقيني مستنياه بابتسامة، وابننا يجري عليه وهو بيناديه بابا، وإن كل حاجة هتفضل زي ما هي.
لكن أول ما جوليان فتح باب البيت، لقى المكان ساكت بشكل يخوف، وأوضة ابننا فاضية، وكل أثر ليا وللولد اختفى... وكأننا عمرنا ما عشنا هناك.
وساعتها فهم إني ما خرجتش من البيت في لحظة غضب...
أنا كنت مخططة لكل خطوة.
وماكانش يعرف إن اللي هيحصل بعد كده هيغير حياته كلها.
نزل جوليان من عربيته مع أول ضوء للنهار، وكان لابس بالطو شيك وفي إيده هدية الكريسماس، وعلى وشه نفس التعب اللي كان بيحاول يقنعني بيه كل مرة يرجع من سفر.
قبل ما يسافر قال إن عنده اجتماع مهم في اليابان، وإن الشغل اضطره يقضي الكريسماس بعيد عن بيته.
رجع ومعاه أوراق وفواتير تثبت إنه كان مسافر، وحكاية حافظها كويس عشان يحكيها من غير ما يتلخبط.
كان واثق إن كل حاجة هتمشي زي كل مرة.
فتح الباب وهو بينادي
إيلينا... أنا رجعت.
محدش رد.
كرر النداء وهو مستغرب، لكن البيت كله كان ساكت.
دخل الصالة، ولقي شجرة الكريسماس لسه مكانها، لكن من غير زينة، ومن غير أنوار، والأرض مليانة بإبر الصنوبر.
طلع يجري على أوضة ابنه.
فتح الباب بسرعة...
السرير فاضي.
الدولاب فاضي.
الألعاب اختفت.
حتى البطانية الزرقا اللي كان ابنه بينام بيها ما بقاش ليها أثر.
جري على أوضة النوم.
لقى هدومه كلها مكانها، لكن ناحيتي من الدولاب كانت فاضية تمامًا.
حتى الشماعات أخدتها.
ساعتها بدأ يفهم إني ما سبتش البيت على استعجال...
أنا خرجت بعد ما رتبت كل حاجة.
طلع تليفونه واتصل بيا مرة واتنين وعشرة، لكن موبايلي كان مقفول.
افتكر آخر رسالة بعتها قبل ما يوصل
سفر سعيد... إحنا مستنيينك.
وقتها
كانت وداع.
نزل على مكتبه يمكن يلاقي أي دليل.
لقى ظرف أبيض متساب في نص المكتب.
وبجواره شهادة ميلاد ابننا.
إيده بدأت ترتعش وهو بيفتح الظرف، لكن قبل ما يقرأ الرسالة، تليفونه رن.
كان المحامي بتاعي.
رد بسرعة وقال بعصبية
مراتي وابني فين؟
رد المحامي بهدوء
الأستاذة إيلينا طلبت مني أكلمك بعد ما توصل البيت وتشوف كل حاجة بنفسك.
ابتلع جوليان ريقه وقال
هي عملت كل ده ليه؟
قال المحامي
لأنها اكتشفت حقيقة كانت مخبية عنها سنين... والحقيقة دي هتغير حياتكم كلكم.
وساعتها... عرف جوليان إن اللي خسره النهارده ماكانش مجرد بيت فاضي...
دي كانت بداية حساب طويل، وهيبدأ من أول لحظة فتح فيها الظرف بعد ما قفل مع المحامي، فضل جوليان واقف مكانه للحظات، مش قادر يستوعب اللي سمعه.
بص للظرف اللي قدامه، وإيده بترتعش وهو بيفتحه.
طلع منه جواب بخط إيلينا.
بدأ يقرأ
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أخيرًا رجعت البيت وشوفت بعينك إننا مش موجودين. متدورش علينا... لأن قرار الرحيل ماكانش لحظة غضب، كان قرار أخدته بعد تفكير طويل.
وقف شوية وهو بيحاول يلم نفسه، وكمل القراءة.
سنين وأنا بصدق كل كلمة بتقولها، وأقنع نفسي إن شغلك هو سبب غيابك المستمر، وإن بكرة هيكون أحسن. لكن مع الوقت اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت في الشغل... المشكلة إن بيتك بقى آخر حاجة في اهتماماتك.
تنهد جوليان وهو قاعد على الكرسي.
كانت كل جملة بتضربه أكتر من اللي قبلها.
أنا ما خرجتش عشان أعاقبك... خرجت عشان أحمي نفسي وابني من حياة بقينا فيها مجرد تفصيلة.
آخر سطر في الرسالة كان
لما تعرف قيمة اللي ضاع منك، هتكون متأخر.
حط الجواب على المكتب بسرعة، وبدأ يتصل بكل الناس اللي يعرفهم.
اتصل بأهل إيلينا...
ولا حد رد.
اتصل بصاحبتها المقربة...
قالتله إنها ما تعرفش أي حاجة.
راح بنفسه على المدرسة اللي كانت إيلينا بتشتغل فيها قبل ما تستقيل، لكن المدير قال إنها قدمت استقالتها من أسبوعين، وخلصت كل أوراقها بهدوء، وكأنها كانت بترتب لحياة جديدة.
وقتها بدأ يفهم إن كل حاجة كانت متخططلها من فترة.
وإنها ما سابتش أي خيط يوصله ليها.
أما إيلينا...
فكانت قاعدة في بيت صغير هادئ على البحر، وابنها بيلعب قدامها وهو بيضحك.
بصت من الشباك وقالت لنفسها
يمكن المستقبل لسه مجهول... لكن لأول مرة من سنين، حاسة بالأمان.
يتبع...في اليوم التاني، جوليان راح المحكمة قبل ميعاد الجلسة بساعة كاملة.
كان متأكد إن إيلينا هتيجي، وإنه هيقدر يقابلها ويتكلم معاها.
فضل واقف يبص على باب المحكمة، وكل واحدة تدخل كان قلبه يدق، لكنه في الآخر يكتشف إنها مش هي.
لحد ما المحامي بتاعها وصل لوحده.
قرب منه جوليان بسرعة وقال
هي فين؟ أنا عايز أكلمها خمس دقايق بس.
رد المحامي بهدوء
إيلينا مش هتحضر النهارده، وكل كلامها هيكون من خلالي.
اتنهد جوليان وقال
قولها إني مستعد أصلح كل حاجة.
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة وقال
بعض الحاجات لما بتتكسر، مبتعرفش ترجع زي الأول.
دخلوا الجلسة، والقاضي بدأ يراجع الأوراق.
كل المستندات كانت كاملة.
إيلينا كانت مرتبة كل خطوة قبل ما تسيب البيت.
بعد انتهاء الجلسة، خرج جوليان وهو حاسس إنه لأول مرة في حياته مش قادر يسيطر على أي حاجة.
رجع البيت تاني.
فتح الباب، ونفس الهدوء كان مستنيه.
طلع أوضة ابنه، وقعد على الأرض في المكان اللي كان فيه سريره.
افتكر ضحكته، ولعبه، وصوته وهو بيناديه.
وقتها بس دموعه نزلت لأول مرة من سنين.
وفي نفس اللحظة...
كانت إيلينا في مدينة تانية، بدأت شغل جديد، واستأجرت شقة صغيرة لكنها دافية ومليانة راحة.
كانت بتجهز الفطار، وهاريسون بيجري حواليها وهو بيضحك.
بصتله وابتسمت وقالت
من النهارده... هنبدأ
وبينما كانت بتقفل الباب وتخرج مع ابنها، رن تليفونها.
بصت للشاشة...
وكان الرقم مجهول.
ترد... ولا تسيبه يرن؟
يتبع...في نفس الوقت...
كان جوليان ركب عربيته ولف المدينة كلها كأنه بيدور على عمره اللي ضاع.
كل شارع كان بيفكره بإيلينا.
المطعم اللي كانوا بيتعشوا فيه كل جمعة.
الحديقة اللي كان بياخد فيها هاريسون يلعب.
حتى محل الحلويات اللي كانت بتحب تشتري منه، وقف قدامه لدقايق وهو سرحان.
رجع الشركة وهو متوقع إن الشغل ينسيه اللي حصل.
لكن أول ما دخل مكتبه، السكرتيرة وقفت وقالت بتوتر
أستاذ جوليان... في أعضاء مجلس الإدارة مستنيين حضرتك من الصبح.
دخل قاعة الاجتماعات، فلقى الوجوه كلها متجهمة.
قال رئيس المجلس وصلنا معلومات إنك استخدمت رحلة عمل خاصة بالشركة في أغراض شخصية، وكمان صرفت مبالغ كبيرة بدون موافقة.
اتصدم جوليان.
مين قال الكلام ده؟
حط رئيس المجلس ملف قدامه وقال
كل المستندات موجودة.
فتح الملف، ولقى صورًا وتقارير وكشوف مصروفات تثبت إن رحلته ما كانتش بالشكل اللي قدمه للشركة.
حاول يدافع عن نفسه، لكن لأول مرة، محدش كان مستعد يسمعه.
انتهى الاجتماع بقرار إيقافه مؤقتًا عن إدارة الشركة لحين انتهاء التحقيق.
خرج من المبنى وهو حاسس إن الدنيا كلها بتقع فوق دماغه.
وفي المساء...
وصله إشعار من المحكمة.
إيلينا كانت رفعت دعوى طلاق، وطلبت حضانة كاملة لابنها، مع إلزامه بالنفقة طبقًا للقانون.
سند رأسه على مقود العربية، وهمس لنفسه
أنا خسرت كل حاجة...
لكن الحقيقة...
هو لسه ماكانش يعرف إن أكبر مفاجأة مستنياه، وإن الرسالة اللي سابتهاله إيلينا كانت مجرد بداية لقصة هتغير حياته للأبد.
يتبع...بعد مرور ستة أشهر...
كانت إيلينا بدأت تستقر في حياتها الجديدة.
اشترت بيتًا هادئًا، واهتمت بتربية هاريسون، وافتتحت مشروعًا صغيرًا كانت بتحلم
كبر المشروع بسرعة، وبقت معروفة بنجاحها واعتمادها على نفسها.
وفي يوم، كانت خارجة من مكتبها، لقت عربية وقفت قدامها.
نزل منها