بعد ساعات قليله من دفن جوزى

لمحة نيوز

مرضى السرطان وأسرهم.
وفي مدخل المؤسسة، علقت صورة كبيرة لمارك، وتحتها عبارة كان بيقولها دايمًا
الإنسان ممكن يسيب الدنيا... لكن الحب الحقيقي بيفضل يحمي أهله طول العمر بعد خمس سنين...
كانت المؤسسة اللي باسم مارك بقت من أكبر المؤسسات الخيرية في الولاية، وساعدت مئات الأسر اللي كانت بتمر بنفس المحنة اللي مرينا بيها.
نوح بقى شاب محترم، خلص دراسته في إدارة الأعمال، وقرر يمسك إدارة شركة أبوه، لكن بطريقة مختلفة.
أول قرار أخده كان إنه يخصص جزء من أرباح الشركة لعلاج مرضى السرطان مجانًا.
أما صوفي، فكبرت وبقت بنت جميلة وذكية، وكانت كل سنة في ذكرى وفاة أبوها تروح تحط ورد أبيض على قبره وتقعد تحكيله عن كل اللي حصل في حياتها.
وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي، والسكرتيرة دخلت وقالت
في ست كبيرة برا، بتقول إنها عايزة تشوف حضرتك.
استغربت، وقلت
خليها تدخل.
دخلت إيفلين...
لكنها ما كانتش الست المتكبرة اللي طردتني من بيتي.
كانت ضعيفة، وشعرها كله بقى أبيض، وملامحها مليانة ندم.
وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور
أنا جاية أعتذر.
فضلت ساكتة.
كملت وهي دموعها بتنزل
بعد ما ريتشارد مات من سنتين، فهمت إننا خسرنا ابننا قبل ما يموت... وخسرنا أحفادنا بإيدينا.
طلعت من شنطتها علبة صغيرة.
فتحتها...
كانت فيها صورة قديمة لمارك وهو طفل.
وقالت
دي كانت أغلى حاجة عندي... وعايزة صوفي ونوح يحتفظوا بيها.
سألتها بهدوء
ليه دلوقتي؟
ردت
لأن العمر خلص... والندم بقى أكبر من كبريائي.
في اللحظة دي، دخل نوح المكتب.
أول ما شاف جدته، وقف مكانه.
إيفلين بصتله والدموع مالية عينيها.
وقالت
عارف إنك مش هتسامحني... وأنا أستاهل.
نوح قرب منها، أخد الصورة من إيديها، وبصلها شوية.
وقال
أنا مش هنسى اللي عملتوه فينا... لكن أبويا رباني على إن الكراهية بتدمر صاحبها قبل أي حد.
ومد إيده يصافحها.
إيفلين انهارت
من العياط.
وفي نفس اليوم، راحت هي وصوفي ونوح يزوروا قبر مارك.
وقفت إيفلين قدام القبر وهمست
سامحني يا ابني... عرفت متأخر أوي إن الفلوس عمرها ما كانت أهم منك.
لفيت أبص للسما، وابتسمت.
لأول مرة من سنين...
حسيت إن القصة اكتملت.
وإن مارك، حتى وهو تحت التراب، قدر يجمع عيلته من جديد... مش بالميراث، لكن بالمحبة والندم الصادق بعد خمسة وعشرين سنة...
كان نوح واقف في نفس الحديقة اللي لعب فيها وهو طفل، لكن المرة دي كان ماسك إيد ابنه الصغير.
أما صوفي، فكانت وصلت تبقى من أشهر أطباء أورام الأطفال، وكل طفل يخرج من المستشفى سليم كانت تعتبره هدية من ربنا لروح أبوها.
وأما أنا...
فشعري كله شاب، لكن قلبي كان مرتاح لأول مرة من سنين طويلة.
في يوم عيد ميلادي السبعين، جهزلي ولادي مفاجأة.
خدوني قدام البيت القديم.
البيت اللي اتطردنا منه يوم جنازة مارك.
وقفت قدامه وسألت باستغراب
إحنا جايين هنا ليه؟
ابتسم نوح وقال
لأن عندنا حاجة لازم تشوفيها.
فتح الباب.
دخلت...
لكن البيت ما بقاش بيت.
كان متحول لمركز مجاني لإيواء الأرامل والأطفال اللي فقدوا عائلهم، ومكتوب على اللافتة
بيت مارك بينيت للأمل.
دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها.
لفيت أبص حوالي، لقيت صور مئات الأسر اللي المركز ساعدها.
وصورة كبيرة لمارك في المدخل.
وتحتها نفس الجملة اللي كان بيقولها دايمًا
الثروة الحقيقية هي الناس اللي تسيب في حياتهم أثر طيب.
نوح قرب مني وقال
فاكرة اليوم اللي وقفنا فيه برة في المطر؟
هزيت راسي.
قال
وقتها وعدت نفسي إن مفيش طفل يعيش اللي عشناه.
وصوفي مسكت إيدي وقالت
وده السبب اللي خلانا نعمل المكان ده.
في اللحظة دي، دخلت سيدة كبيرة في السن، ماسكة إيد حفيدتها.
بصتلي وقالت
أنا كنت هنا من عشرين سنة... المركز أنقذني أنا وبنتي. والنهارده حفيدتي جاية تتطوع.
ابتسمت وأنا حاسّة إن كل
وجع السنين كان له معنى.
وفي آخر اليوم، رحنا كلنا نزور قبر مارك.
حط كل واحد وردة بيضا.
وقف نوح وقال
بابا... إحنا نفذنا وصيتك.
وقالت صوفي
وكل يوم بنحاول نخلي اسمك سبب في إن حد يعيش.
أما أنا...
فلمست اسمه المنقوش على شاهد القبر وهمست
افتكرت زمان إنهم لما طردونا من البيت خسرنا كل حاجة...
لكن الحقيقة إن اليوم ده كان بداية كل الخير اللي إحنا فيه دلوقتي.
شكرًا... لأنك حتى بعد رحيلك، فضلت سندنا.
هبّت نسمة هوا خفيفة حرّكت الورد الأبيض فوق القبر.
ابتسمنا كلنا...
ورجعنا وإحنا عارفين إن بعض القصص مبتخلصش بموت أصحابها...
لكن بتبدأ من بعدهم، وتفضل عايشة في كل خير عملوه، وكل قلب لمسوه.
النهاية بعد عشر سنين...
كان بيتنا مليان ضحك من تاني.
صوفي خلصت كلية الطب، واختارت تتخصص في علاج سرطان الأطفال، وقالت يوم التخرج
أنا اخترت التخصص ده عشان بابا... وعشان كل طفل يستحق فرصة يعيش.
أما نوح، فبقى المدير التنفيذي لشركة بينيت، وحولها من شركة هدفها الربح وبس، لشركة معروفة بدعمها للمستشفيات والجمعيات الخيرية.
وفي الذكرى العاشرة لوفاة مارك، قررنا نعمل احتفال كبير في المؤسسة.
كان فيه أطباء، ومرضى اتشافوا، وأسر كانت فاقدة الأمل، لكن المؤسسة وقفت جنبهم.
وفي نهاية الحفل، وقف نوح على المسرح وقال
وأنا عندي 16 سنة، اتطردت أنا وأمي وأختي من بيتنا في عز المطر، وفكرت إن حياتنا انتهت... لكن أبويا كان سابق بخطوة، وعلّمنا إن الإنسان الحقيقي يسيب حماية لأهله حتى بعد وفاته.
القاعة كلها وقفت تصقف.
بعدها طلب مني أطلع المسرح.
طلعت وأنا متأثرة.
قال وهو بيحضني
كل اللي إحنا فيه النهارده... سببه إن أمي عمرها ما استسلمت.
دموعي نزلت، لكن المرة دي كانت دموع فرحة.
بعد انتهاء الحفل، رجعنا البيت.
وأنا بطلع صندوق قديم من الدولاب، لقيت جواب صغير ماكنتش شوفته قبل كده.
كان مكتوب
عليه بخط مارك
يتفتح بعد عشر سنين.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الظرف.
وكان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو بتقري الرسالة دي، يبقى ولادنا كبروا، وأتمنى يكونوا بقوا أحسن مني.
لورا...
يمكن أنا مش موجود، لكن كل مرة هتضحكي فيها، أو تشوفي نوح ناجح، أو صوفي بتحقق حلمها... اعرفي إني موجود في كل لحظة منهم.
وأهم طلب عندي...
متعيشيش باقي عمرك في الحزن.
لو لقيتي حد يقدرك ويحبك بصدق، متقفليش قلبك عشاني.
الحب الحقيقي عمره ما بيمنع السعادة... هو اللي بيفتح لها الباب.
قفلت الجواب وأنا ببتسم وسط دموعي.
بصيت لصورته المعلقة على الحائط، وقلت بهدوء
نفذت وعدي يا مارك...
وربيت ولادنا زي ما تمنيت.
وإحنا بخير.
في اللحظة دي، دخل نوح وصوفي، وحضنوني من غير ولا كلمة.
وكان الإحساس اللي مالي البيت وقتها...
إن الحب الصادق عمره ما بينتهي، حتى لو غاب أصحابه.
تمت بعد مئة سنة...
كان فيه ولد صغير بيتمشى مع فصل المدرسة داخل متحف بيحكي قصص الشخصيات اللي غيّرت حياة الناس في المدينة.
وقف المرشد قدام صورة كبيرة لرجل بيبتسم، وجنبه ست ماسكة إيد طفلين.
وقال
الصورة دي لعيلة بينيت.
رفع الولد الصغير إيده وسأل
هم كانوا ملوك؟
ابتسم المرشد وقال
لأ... كانوا ناس عاديين.
أمال ليه الناس لسه فاكرينهم بعد مئة سنة؟
سكت المرشد لحظة، وبعدين رد
لأنهم أثبتوا إن الخير عمره ما بيموت.
وقرأ المكتوب تحت الصورة
بدأت الحكاية يوم اتطردت أرملة وطفلين من بيتهم... وانتهت لما بقى آلاف الناس عندهم بيت وأمل.
كل الأطفال فضلوا يبصوا للصورة في صمت.
وفي آخر الجولة، خرجوا من المتحف، وكان قدامهم مبنى كبير لسه شغال لحد النهارده.
على بابه لافتة بسيطة مكتوب عليها
بيت مارك ولورا للأمل.
دخلت أسرة جديدة المكان، كانت خارجة لتوها من محنة صعبة.
استقبلهم المتطوعون بابتسامة، من غير ما يسألوهم عن فلوس أو نسب أو مكانة.

وفي ركن الاستقبال، كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها
لو ربنا رزقك القوة... استخدمها عشان ترفع غيرك، مش عشان تكسره.
ابتسمت الأم وهي حضنت أولادها، وحست
تم نسخ الرابط