يحكى عن سلطان بعيد فى البلاد

لمحة نيوز

"ليت الزمان يعود... لكن الندم لا يعيد من رحل."

وذات يوم، جاء إلى سليم شيخ كبير كان يعمل قديمًا في قصر أبيه، وقال له:

"يا مولاي، هناك سر لم تعرفه بعد."

تعجب سليم وسأله:

"وأي سر بقي بعد كل ما حدث؟"

قال الشيخ:

"حين بدأ أبوك بقتل أبنائه، لم ينجُ منهم أنت وحدك. كانت هناك مربية طيبة هرّبت طفلًا آخر قبل سنوات، لكنه عاش في بلاد بعيدة، ولا يعلم أنه من نسل الملوك."

أصيب سليم بالدهشة، لكنه لم يسعَ وراء أخيه ليمنحه منصبًا أو سلطانًا، بل قال:

"إن كان حيًا، فليعش كريمًا حيث اختار الله له. فالملك لا يصنع قيمة الإنسان، وإنما أخلاقه."

وبعد أشهر، وصل شاب غريب إلى المملكة يحمل خاتمًا قديمًا عليه شعار الأسرة المالكة، فعرف سليم أن كلام الشيخ كان صحيحًا.

استقبله بالأحضان، ولم يجعله منافسًا، بل أخًا وشريكًا في خدمة الناس، فعاشا معًا ينشران العدل ويعوضان ما أفسدته سنوات الظلم.

وهكذا أصبحت حكاية "آكل صغاره" تُروى للأجيال، لا باعتبارها قصة سلطان خاف من النبوءة، بل درسًا يقول:

إن الإنسان قد يصنع بيديه المصيبة التي حاول الهروب منها، وإن الخوف إذا سيطر على القلب أفسد العقل، أما العدل والرحمة فهما أعظم ما يحفظ الملوك والشعوب.مرت أعوام طويلة، وشاخ سليم كما شاخ أبوه من قبله، لكنه لم

يورث أبناءه الخوف، بل ورثهم الحكمة.

وفي ليلة من ليالي الشتاء، جمع أبناءه وبناته حوله وقال:

"لا أريد أن يختلف أحد منكم على العرش بعد رحيلي. الملك أمانة، وليس غنيمة. ومن رأيتموه أصلحكم وأعدلَكم، فبايعوه."

وبعد وفاته، اجتمع أهل المملكة، فلم يختلفوا كما توقع الجميع، بل اختاروا أكثر أبنائه علمًا وعدلًا، لأنهم تعلموا من سليم أن الحكم لا يكون بالقوة، وإنما بالحق.

أما القصر الذي شهد دموع الأمهات وصرخات الأطفال، فقد أمر سليم قبل موته أن يتحول إلى دارٍ للأيتام ومدرسة يتعلم فيها أبناء الفقراء مجانًا، حتى يبقى شاهدًا على أن الظلم يمكن أن يتحول إلى رحمة إذا صدقت التوبة.

ولم يبقَ من السلطان الأول سوى تمثال صغير عند مدخل الدار، كُتب تحته:

> "هذا رجلٌ حاول أن يهرب من قدره، فصنع بيده مأساته. فلما تاب، علّم الناس أن الرحمة أقوى من الخوف."

 

وظلت الأمهات يأتين بأطفالهن إلى ذلك المكان، ويحكين لهم قصة السلطان الذي قتل أبناءه خوفًا من نبوءة، ثم أنقذه الابن الذي أراد قتله، ليعرفوا أن الظلم لا يدوم، وأن الخير قد يخرج من قلب المحنة.

وهكذا انتهت الحكاية، وبقيت العبرة: لا أحد يستطيع أن يغيّر ما قدّره الله بالظلم أو القسوة، وإنما يغيّره بالإيمان والعمل الصالح والعدل بين الناس.

وبعد مرور سنوات، أصبحت قصة سليم تُدرَّس لأبناء المملكة، لكن لم يكن أحد يعلم أن فصلًا أخيرًا من الحكاية لم يُروَ بعد.

ففي أحد الأيام، بينما كان العمّال يرممون السرداب القديم أسفل القصر، عثروا على صندوق خشبي كبير مُحكم الإغلاق، وعليه ختم السلطان الأول.

ولما فتحوه، وجدوا داخله لفائف قديمة، وفي أعلاها رسالة بخط السلطان نفسه، كتب فيها:

> "إذا وصلتكم هذه الرسالة بعد موتي، فاعلموا أنني كنت أعيش كل ليلة مع أشباح أبنائي الذين قتلتهم. لم يكن هناك يوم مرّ عليّ دون أن أسمع بكاءهم في أذني. لقد أدركت متأخرًا أن الملك الذي يُبنى على الدماء لا يدوم، وأن الخوف كان عدوي الحقيقي، لا أولادي."

 

قرأ الناس الرسالة، فبكى الشيوخ قبل الشباب، وأمر السلطان الجديد أن تُحفظ في مكتبة المملكة حتى يقرأها كل من يتولى الحكم بعده.

ومنذ ذلك اليوم، كان كل سلطان جديد يقف أمام تلك الرسالة قبل أن يجلس على العرش، ويقرأها بصوت مرتفع، ثم يقسم أمام الناس:

"لن أحكم بالخوف... ولن أظلم بريئًا من أجل سلطان زائل."

وهكذا لم تعد حكاية "آكل صغاره" مجرد أسطورة، بل أصبحت عهدًا تتوارثه الأجيال، يذكّرهم بأن أعظم انتصار ليس هزيمة الأعداء، وإنما هزيمة الخوف والظلم داخل النفس.

تمت الحكاية.وبعد سنوات طويلة،

كان أحفاد سليم يجلسون كل ليلة في حديقة القصر، يستمعون إلى كبير المؤرخين وهو يروي لهم قصة جدهم.

وفي إحدى الليالي، سأله أصغر الأحفاد:

"يا جدي... هل صحيح أن العرّاف كان كاذبًا؟"

ابتسم الشيخ وقال:

"لا... لكنه لم يفهم النبوءة كما يجب."

تعجب الصغير وقال:

"كيف؟"

فأجاب:

"العرّاف قال إن نهاية السلطان ستكون على يد ابنه، ولم يقل إنه سيقتله. وبالفعل كانت نهايته على يد سليم، لكن نهاية الظلم والكبرياء والخوف، لا نهاية حياته."

ساد الصمت بين الأطفال، ثم رفع الشيخ رأسه نحو السماء وقال:

"لو أن السلطان أحب ابنه منذ ولادته، لعاش سعيدًا، ولما خسر أبناءه ولا راحة قلبه."

وفي صباح اليوم التالي، أصدر أحفاد سليم قرارًا بأن يكون يوم ميلاد أول طفل نجا من بطش السلطان عيدًا للمملكة، يحتفل فيه الناس بالأطفال والأمهات، وتُزرع شجرة جديدة في كل قرية.

ومع مرور الزمن، اختفت آثار القصر القديم، وبقيت تلك الأشجار تكبر عامًا بعد عام، حتى صار الناس يقولون:

"هذه الغابة لم تنبت من المطر وحده، بل نبتت من دموع الأمهات التي تحولت إلى أمل."

وهكذا بقيت الحكاية تُروى جيلاً بعد جيل، لا لأن فيها سلطانًا وعرشًا، بل لأنها تذكر الناس دائمًا أن الخوف قد يدفع الإنسان إلى ارتكاب أبشع الأخطاء، وأن الرحمة والعدل

هما الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد رحيل الملوك.

انتهت الحكاية حقًا، ولم يبقَ منها إلا العبرة.

تم نسخ الرابط