مرات جوزى

لمحة نيوز

ولا الأرض... الثروة الحقيقية إنك تفضلي شريفة، حتى لو الدنيا كلها حاولت تشتريك.
ابتسمت سلمى، ونظرت من الشباك إلى الورد الأبيض الذي امتلأ بالزهور من جديد، وهمست
اطمن يا بابا... بيتك ووصيتك وأمانتك فضلوا في إيد أمينة. مرت سنة كاملة...
وفي صباح هادئ، كانت سلمى بتسقي الورد الأبيض بنفس الخرطوم القديم اللي كان أبوها بيستخدمه.
سمعت صوت عربية فاخرة وقفت قدام البوابة.
نزل منها راجل كبير في السن، شيك جدًا، ومعاه بنت صغيرة ماسكة إيده.
خبط على الباب وقال باحترام
حضرتك الآنسة سلمى؟
استغربت، لكنها ردت
أيوه... اتفضل.
ابتسم وقال
أنا المستشار عادل منصور... كنت الصديق الأقرب لوالدك، لكن كنت مسافر بره مصر وقت وفاته.
ودخل وهو بيبص للجنينة بإعجاب.
قال وهو يتنهد
سبحان الله... حافظتي عليها زي ما كان بيتمنى.
قعدوا في الصالون، وأخرج ظرفًا مختومًا.
قال
أبوكي سلمني الظرف ده من أكتر من خمس سنين، وقاللي لو بنتي سلمى احتفظت بالبيت وما بعتهوش، يبقى سلّمها الأمانة دي.
فتحت سلمى الظرف ببطء.
كان جواه مفتاح ذهبي صغير... وعقد أمانة باسمها.
وبمجرد ما قرأت أول سطر، اتسعت عيناها.
همست
شركة...؟
ابتسم المستشار وقال
أيوه... والدك كان شريكًا سريًا في شركة استثمار زراعي كبيرة، وسجل حصته باسم صندوق أمانة لحمايتك. وكان الشرط الوحيد إنك ما تبيعيش البيت ولا الأرض.
سلمى دموعها نزلت.
ماكنتش الفلوس هي اللي فرحتها...
اللي لمس قلبها إن أبوها فضل يفكر في مستقبلها حتى بعد رحيله.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف المستشار.
رد بسرعة، ثم تغيرت ملامحه.
بص لسلمى وقال بقلق
في خبر لازم تعرفيه...
كريم خرج من السجن بالإفراج المشروط...
ومن أول يوم خرج فيه...
اختفى من بيته.
وآخر مكان سأل عنه...
كان عنوان هذا المنزل.
انتهى اليوم على صوت باب الجنينة...
وهو بيتفتح ببطء...اتفتح باب الجنينة
ببطء...
التفتت سلمى بسرعة، بينما المستشار عادل وقف قدامها بشكل تلقائي.
لكن المفاجأة...
ماكنتش كريم.
كان رجل كبير في السن، لابس بدلة بسيطة، وماسك حقيبة جلد قديمة.
قال بهدوء
أنا آسف لو خوفتكم... أنا اسمي حسام، وكنت المحاسب الخاص بالحاج فؤاد.
استغربت سلمى وقالت
خير؟
فتح الحقيبة، وطلع منها دفتر حسابات قديم.
وقال
قبل ما الحج فؤاد يتوفى، طلب مني أحتفظ بالدفتر ده، وما أسلموش غير لو حصلت مشكلة في الميراث.
قلبت سلمى الصفحات، واكتشفت أن الدفتر فيه كل تفاصيل أملاك والدها، وأوراق تثبت أن كريم حاول قبل وفاة الحاج فؤاد بأشهر يشتري توقيعات مزورة وينقل بعض الأصول باسمه.
وفي آخر صفحة...
كان في ورقة صغيرة.
مكتوب فيها بخط والدها
يا سلمى... لو وصلتي للورقة دي، يبقى عرفتي إن الحق عمره ما بيضيع، حتى لو اتأخر.
وفي نفس الوقت، رن هاتف سلمى.
كان رقم غريب.
ردت بحذر.
جالها صوت مألوف...
صوت كريم.
قال بصوت هادئ لأول مرة
أنا مش بتصل عشان البيت... ولا عشان الفلوس.
سكت لحظة، ثم قال
أنا عرفت إن كل اللي عملته رجع عليا. خسرت كل حاجة... حتى نفسي. أنا عايز أقابلك خمس دقايق بس... عشان أعتذر.
سلمى أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت بثبات
الاعتذار ممكن يريح ضميرك... لكن مش هيغير اللي حصل.
وأغلقت الهاتف.
ابتسم المستشار عادل وقال
والدك كان هيكون فخور بيكي.
نظرت سلمى إلى الورد الأبيض في الجنينة، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن الماضي انتهى بالفعل.
ولم يعد البيت مجرد ميراث...
بل أصبح رمزًا لكرامةٍ استطاعت أن تحافظ عليها، مهما كان الثمن. تمت بعد انتهاء المكالمة بثلاثة أيام...
كانت سلمى خارجة من الجمعية الخيرية اللي أسستها باسم والدها، لما لقت عربية إسعاف واقفة قدام المستشفى المقابلة.
وبالصدفة...
سمعت اسمًا خلّى قلبها يقف.
الحالة اسمها كريم فؤاد السيوفي!
اتجمدت مكانها.

سألت الممرض
ماله؟
رد بسرعة
عمل حادثة، ولسه خارج من العمليات. حالته مستقرة، لكن مفيش حد معاه.
وقفت سلمى لحظات، ثم دخلت المستشفى.
مش علشان رجعله...
ولا علشان نسيِت اللي عمله.
لكن لأنها اتربت على إن الإنسانية حاجة، والحقوق حاجة تانية.
دخلت الأوضة.
كريم أول ما شافها، دموعه نزلت.
قال بصوت ضعيف
كنت متأكد إنك مش هتيجي.
ردت بهدوء
جيت أطمن إنك عايش... وبس.
خفض عينيه وقال
خسرت فلوسي... ودينا سابتني أول ما خرجت من السجن. كل اللي بنيته راح.
قالت
اللي بيتبني على الغلط... عمره ما بيكمل.
سكت شوية، ثم مد لها ظرفًا صغيرًا.
ده آخر حاجة عندي... مفاتيح الشقة اللي كنا عايشين فيها، وعقد بيع العربية. بعت كل حاجة علشان أسدد جزء من الديون. والباقي... هسلمه للمحكمة في تعويض القضية.
أخذت الظرف، لكنها أعادته إليه.
وقالت
الفلوس مش هترجع اللي راح. خليك مركز إنك تصلح اللي باقي من عمرك.
خرجت من الغرفة، وهي حاسة إن صفحة اتقفلت للأبد.
وفي طريقها للخروج، رن هاتفها.
كان المستشار عادل.
قال بابتسامة
مبروك يا سلمى... الجمعية كسبت جائزة أفضل مؤسسة خيرية على مستوى المحافظة.
ابتسمت وهي تنظر إلى السماء.
وهمست
الحمد لله...
عرفت وقتها أن أجمل انتصار لم يكن أنها كسبت البيت...
بل أنها لم تسمح للظلم أن يحولها إلى نسخة من الذين ظلموها. بعد ستة أشهر...
كانت الجمعية كبرت جدًا، وبقت بتساعد عشرات الأسر كل شهر.
وفي يوم، دخلت عليها السكرتيرة وقالت
يا أستاذة سلمى... في سيدة برة مصممة تقابلك، وبتقول إن الموضوع حياة أو موت.
قالت سلمى
دخليها.
أول ما الباب اتفتح...
شهقت.
كانت دينا.
لكنها ما بقتش دينا اللي كانت لابسة أغلى الماركات وبتتكلم بتكبر.
كانت مرهقة، وشاحبة، وملامحها كلها انكسار.
وقفت قدام سلمى وهي مطأطية رأسها.
وقالت بصوت مبحوح
أنا جاية أطلب منك السماح.
سلمى ما
ردتش.
كملت دينا وهي بتبكي
أنا خسرت كل حاجة... والناس كلها بعدت عني. وافتكرت إن الفلوس هي اللي بتدي قيمة للإنسان... لحد ما بقيت لوحدي.
وبعدين طلعت ظرف صغير من شنطتها.
ده آخر دليل كان معايا... كنت مخبياه. التسجيل ده يثبت إن كريم هو اللي خطط لكل حاجة من البداية، وأنا وافقته.
سلمى أخدت الظرف، وقالت بهدوء
ليه دلوقتي؟
ردت دينا
لأني تعبت من الهروب... وعايزة أموت وأنا ضميري مرتاح.
سلمى بصتلها طويل.
ثم قالت
أنا مسامحاكي كإنسانة... لكن القانون هياخد مجراه.
هزت دينا رأسها وقالت
وده اللي أنا جاية عشانه.
بعد أيام، سلمت دينا نفسها للنيابة، وقدمت كل الأدلة اللي كانت عندها.
وبسبب اعترافاتها، اتقفلت القضية بشكل نهائي، ورجع لكل صاحب حق حقه.
وفي مساء هادئ...
وقفت سلمى في الجنينة، وسط الورد الأبيض.
رفعت عينيها للسماء، وقالت
يا بابا... أخيرًا كل حاجة انتهت.
وفي اللحظة دي...
هبّت نسمة هواء خفيفة، وتحركت زهور الورد الأبيض كأنها بترد عليها.
ابتسمت سلمى لأول مرة من قلبها...
وشعرت أن السلام الذي كانت تبحث عنه منذ سنوات، وجد طريقه إليها أخيرًا.
النهاية. بعد ثلاث سنوات...
تحول بيت الحاج فؤاد إلى متحف صغير ومركز مجاني لتعليم الزراعة ورعاية النباتات، تنفيذًا لحلمه القديم.
وكانت سلمى تستقبل الأطفال بنفسها كل يوم جمعة.
وفي أحد الأيام، دخل طفل صغير وجري ناحية الورد الأبيض، ثم وقف فجأة وقال
هو ده الورد اللي جدو فؤاد كان بيحبه؟
ابتسمت سلمى وسألته
إنت تعرف جدو فؤاد؟
رد الطفل
أيوه... ماما كانت بتحكيلي عنه دايمًا.
ورفعت الأم النقاب عن وجهها قليلًا.
سلمى اتسعت عيناها...
كانت دينا.
لكنها كانت مختلفة تمامًا.
ملابس بسيطة، وملامح هادئة، وابن صغير ماسك إيدها.
قالت بخجل
اتجوزت بعد اللي حصل بسنين، وربنا رزقني بولد. وجيت أوريه المكان اللي علمني إن الطمع بيضيع
الإنسان.
ابتسمت سلمى وقالت للطفل
تعالى... هعلمك إزاي تزرع وردة.
ركع الطفل بجانبها، وغرس أول شتلة بنفسه.
ابتسمت دينا وهي تراقبه، وقالت
يمكن أول مرة أحس إن الماضي
تم نسخ الرابط