بعد نص ساعه حكايات زيزي
المحتويات
مكتب لم يتغير منذ سنوات.
أحمد رفع رأسه وقال لأول مرة من ساعة ما بدأت الأزمة
واضح إن اللي إحنا عرفناه لحد دلوقتي... مش هو الحقيقة كلها.
وسعاد ردت بصوت خافت
لا... ده مجرد أول باب اتفتح. والباقي... أصعب بكتير في صباح اليوم التالي، خرجنا كلنا من البيت القديم.
ولا حد فينا نام.
الرسائل، والصندوق، والملفات... كل حاجة كانت بتقول إن في سر كبير، لكن ولا ورقة قالت الحقيقة كاملة.
أحمد كان ساكت طول الطريق.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
لا بيتخانق...
ولا بيدافع عن نفسه...
ولا حتى بيسألني أسامحه.
كان كل تركيزه على سؤال واحد
أنا معرفش إيه عن نفسي؟
وصلنا مكتب المحامي القديم.
كان مكتب صغير، مليان ملفات قديمة، وساعة حائط صوتها عالي.
أول ما السكرتير شاف اسم أحمد، وقف وقال باستغراب
أستاذ أحمد؟... إحنا مستنيينك من سنين.
أحمد اتفاجئ.
مستنييني أنا؟
أيوه... الأستاذ وصّى إن لو حضرتك جيت في أي وقت، تدخل من غير معاد.
دخلنا المكتب.
كان المحامي راجل كبير في السن، شعره كله أبيض.
أول ما شاف أحمد، فضل يبصله كام ثانية، وبعدها قال
بقيت شبه والدك جدًا.
أحمد قال بسرعة
حضرتك تعرفني؟
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
أعرف عن عيلتكم أكتر مما تتخيل.
حط أحمد الظرف المقفول على المكتب.
لقيناه في صندوق جدي.
المحامي بص للشمع الأحمر، وتنهد.
كنت أتمنى اليوم ده ميجيش.
فتح الظرف ببطء شديد.
كان جواه مفتاح تاني...
ودفتر صغير جلد بني.
وعقد مختوم.
أحمد مد إيده ناحية العقد.
لكن المحامي منعه.
استنى... قبل ما تقرأ، لازم تعرف حاجة.
الغرفة كلها سكتت.
قال المحامي
جدك كتب وصية غريبة جدًا... قال فيها إن الحقيقة تتقال على مراحل، لأن كشفها مرة واحدة هيكسر العيلة.
أنا سألت
وليه؟
رد وهو بيقلب أول صفحة من الدفتر
لأن كل مرحلة مرتبطة بسر مختلف.
أحمد قال بعصبية
وأنا تعبت من الأسرار.
المحامي هز رأسه.
الحقيقة الأولى...
وسكت.
فتح الدفتر عند صفحة محددة.
كان فيها صورة قديمة بالأبيض والأسود.
الصورة فيها جد أحمد، وسعاد وهي صغيرة، ورجل مجهول واقف جنبهم.
لكن الغريب...
إن وش الرجل ده كان متشخبط عليه بالحبر الأسود، كأن حد متعمد يخفي هويته.
وتحت الصورة مكتوب بخط اليد
الشخص الذي مُنع اسمه من الظهور... هو مفتاح كل ما حدث بعد ذلك.
رفع أحمد الصورة بيده وهو بيحاول يشوف ملامح الرجل.
وفجأة...
وقعت من بين صفحات الدفتر بطاقة هوية قديمة جدًا.
البطاقة كانت باسم شخص غير معروف...
لكن الصورة الموجودة عليها...
خلّت المحامي يقف من كرسيه في صدمة، وسعاد تحط إيدها على قلبها، وتقول بصوت مرتعش
مستحيل... دي كانت المفروض اختفت للأبد!
يتبع...أحمد انحنى بسرعة وأخذ بطاقة الهوية من على الأرض.
كلنا بقينا نبص عليها.
الاسم كان باهت من الزمن، لكن الصورة كانت واضحة.
أحمد عقد حاجبيه.
أنا... أعرف الراجل ده.
المحامي رفع رأسه بسرعة.
شوفته فين؟
أحمد فكر ثواني.
الصورة دي كانت موجودة في بيت جدي زمان... بس كل ما كنت أسأل مين الراجل ده، كانوا يقولولي واحد صاحب قديم.
سعاد أغمضت عينيها.
لأن دي كانت أسهل إجابة.
أنا سألتها
يبقى مين؟
المحامي سبقها بالكلام.
قبل ما حد يجاوب، في حاجة لازم تشوفوها.
فتح الدفتر على آخر صفحة.
كان فيه جدول بأسماء وتواريخ.
وبجوار كل تاريخ ملاحظة قصيرة.
لحد ما وقف عند تاريخ زواجنا.
مكتوب جنبه
إذا تم الزواج، تُسلَّم الأمانة في أول حفيد يولد.
أحمد اتوتر.
أمانة إيه؟
المحامي فتح درج مكتبه، وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
كان عليه نفس الرقم المحفور على المفتاح النحاسي 17.
حط الصندوق قدامنا وقال
ده اتساب عندي من سنين، وممنوع أفتحه إلا بعد ولادة أول حفيد في العيلة.
أحمد بص للمفتاح اللي معاه.
ركبه في القفل.
واتفتح الصندوق.
جواه كانت ساعة جيب قديمة، ورسالة مختومة، وخاتم فضة.
الخاتم كان منقوش عليه حرفان فقط
ع . ر
سعاد أول ما شافته، شهقت.
لسه موجود...
أنا سألتها
الخاتم ده بتاع مين؟
قالت بصوت مكسور
آخر مرة شوفته... كانت من خمسة وعشرين سنة.
أحمد فتح الرسالة.
أول سطر كان مكتوب فيه
يا أحمد... لو وصلت للرسالة دي، يبقى لازم تعرف إن أكبر غلطة في حياتك كانت إنك شكيت في مراتك، قبل ما تشك في الحكايات اللي اتقالتلك طول عمرك.
سكت أحمد.
وكمل القراءة.
متدورش على الحقيقة في المستندات بس... دور كمان في الناس اللي كانوا موجودين وسكتوا.
المحامي قال بهدوء
في شخص واحد لسه عايش، وكان شاهد على كل اللي حصل.
أحمد سأله بسرعة
مين؟
رد المحامي
الراجل اللي كان مسؤول عن أملاك جدك زمان... اسمه عم حسين.
ثم أخرج ورقة صغيرة من الملف.
الغريب إنه بعتلي جواب من أسبوع، وكتب فيه إنه قرر يتكلم بعد صمت سنين.
أخذ أحمد الورقة.
كان مكتوب في آخرها
لو اتأخرتوا أكتر من كده... السر هيدفن معايا.
نظرنا جميعًا إلى بعضنا.
واضح أن عم حسين يعرف الحلقة المفقودة... لكن ماذا سيقول، ولماذا صمت كل هذه السنوات؟
يتبع...خرجنا من مكتب المحامي وإحنا محدش فينا نطق كلمة.
أحمد كان ماسك الجواب بإيده، وأنا شايلة ليان، وسعاد ماشية وراينا بخطوات تقيلة.
العنوان كان في آخر الجواب.
بيت قديم على أطراف البلد.
لما وصلنا، لقينا الباب مفتوح.
أحمد خبط وهو بينادي
يا عم حسين!
محدش رد.
دخلنا بحذر.
البيت كان بسيط، لكن فيه مكتبة كبيرة مليانة ملفات وصور قديمة.
وفوق الترابيزة كان فيه جواب جديد.
مكتوب عليه
كنت عارف إنكم هتيجوا.
أحمد فتحه بسرعة.
يا أحمد... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خرجت من البيت قبل وصولكم بدقائق. مش هربان... لكن في ناس بتراقب البيت من الصبح، ومش عايز الحقيقة تضيع قبل ما
أنا بصيت من الشباك.
الشارع كان هادي.
لكن كان فيه عربية سودا واقفة بعيد، ومحركها شغال.
أحمد كمل القراءة.
في الدولاب الخشب اللي جنب الشباك، هتلاقوا ملف اسمه الأمانة. خدوه، ومتسيبوش حد يشوفه.
فتحنا الدولاب.
كان فيه ملف واحد فعلًا.
لكن أول ما أحمد شده...
وقع من وراه صندوق حديد صغير.
الصندوق كان مقفول بقفل قديم.
وفوقه ورقة مكتوب فيها
لو فتحتوا الصندوق قبل ما تقروا الملف... هتفهموا كل حاجة غلط.
أخذنا الملف الأول.
كان مليان إيصالات، وصور، وخطابات بين جد أحمد والمحامي.
وفي آخر صفحة، كانت جملة غريبة
الأمانة لا تخص الأموال... الأمانة شخص.
أنا رفعت رأسي بسرعة.
شخص؟!
أحمد قلب الصفحة اللي بعدها...
لكنها كانت ممزقة.
النصف الأول موجود...
والنصف الثاني مقطوع بعناية.
وفي آخر السطر الظاهر مكتوب
... ولذلك قررنا إخفاء الحقيقة حتى يكبر...
قبل ما نعرف مين المقصود...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
وبعدين خبطات قوية على الباب.
وصوت راجل بيقول
افتحوا... إحنا جايين نستلم الملف قبل ما تتأخروا.
أحمد بصلي، وبص للملف اللي في إيده.
ولأول مرة، حس إن السر اللي بيدوروا عليه... في ناس تانية مستعدة تعمل أي حاجة علشان ميطلعش للنور.
يتبع...أحمد طفى نور الصالة بسرعة، وأشار لنا من غير كلام.
البيت كله بقى ساكت.
الخبط على الباب زاد.
افتحوا... إحنا عارفين إنكم جوه.
أنا حضنت ليان أكتر، وهي كانت نايمة ومش حاسة بأي حاجة.
سعاد همست وهي بتترعش
دول وصلوا...
أحمد لف ناحيتها.
دول مين؟
قبل ما ترد، سمعنا صوت تكسير في الباب الخارجي.
المحامي قال بسرعة
من ورا البيت... فيه باب صغير.
جرينا كلنا ناحية الباب الخلفي.
لكن قبل ما نخرج، أحمد وقف فجأة.
رجع خطوتين، وخطف الصندوق الحديد والملف.
مش هسيبهم.
خرجنا من الباب الخلفي، وعدينا وسط جنينة قديمة.
وبعد
شفنا تلات رجالة دخلوا من الباب الأمامي.
كان واضح إنهم بيدوروا على حاجة معينة.
مش فلوس...
ولا دهب...
الملف.
بعد حوالي عشر دقائق، وصلنا لاستراحة صغيرة على طريق
متابعة القراءة