من كام سنة
المحتويات
حسيت إني يتيمة وإنت موجود.
الكلمات دي كانت أكبر مكافأة خدتها في حياتي.
ولما جه اليوم اللي اتقدملها فيه شاب محترم، أول واحد قعد معاه واتكلم معاه كنت أنا. ولما كتبوا الكتاب، طلبت من المأذون يقول اسمي بصفتي ولي أمرها، لأن مفيش حد كان أقرب لها بعد والدها.
وقبل ما تخرج من البيت وهي رايحة بيت جوزها، حضنتني وقالت
هفضل أناديك يا عمو... لكن في قلبي إنت أبويا.
ابتسمت وقلت لها
وأنا هفضل أشوفك بنتي طول العمر. أوعى تنسي إن باب البيت ده هيفضل مفتوح ليكي في أي وقت.
خرجت وهي مبتسمة، وحسيت إني وفيت بالعهد اللي قطعته لأخويا في آخر لحظة من عمره.
فالرحمة ليست بالكلام، وإنما بالأفعال، ومن يحفظ الأمانة يكرمه الله في الدنيا والآخرة. رحم الله كل أب وأم رحلوا، وحفظ الله كل يتيم وهيأ له من يرحمه ويصونه بعد جوازها بسنة تقريبًا، رن تليفوني في نص الليل.
قلقت جدًا، أول ما رديت سمعت صوتها وهي بتبكي، لكن المرة دي ما كانش بكاء خوف... كان بكاء فرحة.
قالت
يا بابا... أنا حامل.
سكتت ثواني، واستوعبت إنها نادتني يا بابا لأول مرة من غير ما تاخد بالها.
ضحكت وسط دموعي، وقلت لها
ربنا يتمملك على خير يا بنتي.
سكتت هي كمان، وبعدين قالت بخجل
آسفة... طلعت مني من غير قصد.
قلت لها
لا
بعد شهور، ربنا رزقها ببنت جميلة.
ولما روحت أبارك لها، حطت الصغيرة في حضني وقالت
دي هتعرف إن ليها جد اسمه عمو... بس هو أحسن جد في الدنيا.
ضحكنا كلنا، وامتلأ البيت بالفرحة بعد سنين طويلة من الحزن.
وفي عيد ميلاد الصغيرة الرابع، وهي بتلعب بيننا، سألت أمها
هو جدو ده أخو مين؟
ابتسمت بنت أخويا، وبصت لي وقالت
جدو ده... الراجل اللي علمني إن العيلة مش بالدم بس... العيلة بالرحمة والوفاء.
نظرت لصورة أخويا المعلقة على الحائط، وقلت في سري
اطمن يا أخويا... بنتك كبرت، وبقت أم صالحة، وربنا عوضها خير. والأمانة اللي سبتها عندي، هفضل شايلها في قلبي لآخر يوم في عمري.
تمت. بعد سنوات، وأنا بقيت راجل كبير في السن، صحتي بدأت تضعف، وبقيت أقضي معظم وقتي في البيت.
وفي يوم، كنت قاعد لوحدي، والباب خبط.
فتحت... لقيتها واقفة هي وجوزها وبنتها، وفي إيديها شنطة كبيرة.
قلت باستغراب خير يا بنتي؟
ابتسمت وقالت جه دوري أرد جزء بسيط من اللي عملته عشاني.
قلت يعني إيه؟
قالت أنا وجوزي قررنا نعيش معاك. مش هنسيبك لوحدك زي ما إنت عمرك ما سبتني لوحدي.
حاولت أرفض، لكنها قاطعتني وهي تضحك
لما كنت صغيرة، كنت دايمًا تقول لي البيت بيتك. دلوقتي
انتقلوا يعيشوا معايا، ورجع البيت يمتلئ بصوت الضحك من جديد.
كل صباح، حفيدتها الصغيرة كانت تجري على أوضتي وتقول
صباح الخير يا جدو.
وأبتسم، وأشكر ربنا على النعمة اللي رزقني بيها.
وفي آخر عيد ميلاد ليا، فاجأوني باحتفال بسيط في البيت.
وفي نهاية السهرة، بنت أخويا طلعت ظرف قديم وقالت
لقيته بين حاجات بابا.
فتحت الظرف، ولقيت رسالة بخط إيد أخويا، كان كاتبها قبل سفره بأيام.
وكان فيها
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. أنا عارف إنك هتعتبر بنتي بنتك، وعشان كده أنا مطمن. مفيش حد في الدنيا أثق فيه قدك. ربنا يجزيك عني كل خير.
ما قدرتش أمسك دموعي.
رفعت عيني للسما، وقلت
الحمد لله... أتمنى أكون وفيت بالعهد.
وساد البيت صمت مليء بالراحة، لأن بعض الوعود لا تنتهي بمرور السنين... بل تظل تعيش في قلوب أصحابها إلى آخر العمر.
النهاية. بعد مرور شهور على وفاة العم، كانت بنت أخوه بتدخل أوضته كل يوم، ترتب حاجته وتقرأ له الفاتحة.
وفي يوم، وهي بتنضف الدولاب، لقت ملف قديم مكتوب عليه بخط إيده
يفتح بعد وفاتي.
قلبها دق بسرعة.
فتحت الملف، ولقت وصية ورسالة، ومعاهم ظرف فيه أوراق ملكية كانت باسم العم.
لكن اللي صدمها مش الأوراق...
كان جواب صغير من أبوها، أخو
فتحته بإيدين مرتعشتين، وبدأت تقرأ
لو حصل لي أي حاجة، أوعى تسيب أخوك يضحي بكل عمره عشان بنتي. هو هيعمل كده من غير ما يفكر، وأنا عارفه. لو كبرِت بنتي يومًا، خليها تعرف إنه أخد حقيقتها قبل ما ياخد حقه، وضحّى بشبابه وراحته علشانها.
انفجرت في البكاء.
في اللحظة دي، اكتشفت حاجة عمرها ما كانت تعرفها...
عمها كان رافض فرص سفر، وعروض شغل بمرتب كبير، وحتى مشروع كان هيغير حياته، وكل ده علشان ما يبعدش عنها وهي صغيرة وتفضل حاسة بالأمان.
قعدت تبكي وهي تردد
أنا كنت فاكرة إني أنا اللي مدينة له... طلع هو ضحّى بحياته كلها عشاني.
ومن يومها، قررت تعمل مؤسسة خيرية باسم أبوها وعمها، لرعاية الأطفال اللي فقدوا أهلهم، عشان كل طفل يتيم يلاقي حد يحضنه ويقوله
إنت مش لوحدك... وإحنا أهلك.
وبكده بقى أثر العم ما انتهيش بوفاته، لكنه عاش في قلوب ناس كتير اتغيرت حياتهم بسبب وفائه ورحمته. بعد افتتاح المؤسسة بسنة، كان عدد الأطفال اللي بتساعدهم كبر بشكل ملحوظ.
وفي يوم ممطر، دخلت موظفة الاستقبال وقالت لبنت أخويا
في ولد صغير برة، عنده حوالي سبع سنين، رافض يدخل غير لما يشوف طنط اللي اسمها آية.
خرجت بنفسها.
لقت طفل هدومه بسيطة، وماسك شنطة مدرسية قديمة.
ابتسمت وقالت أنا آية... إنت عايزني؟
طلع من جيبه ورقة مطوية وقال ماما
متابعة القراءة