من كام سنة
من كام سنة، أخويا كان مسافر هو ومراته.. وقبل ما يمشي بيوم جالي وقعدنا مع بعض شوية، وهو ماشي قال لي جملة بسيطة بس فضلت ترن في وداني لحد النهارده خلي بالك من البنت لحد ما نرجع.. وقتها ضحكت وقلت له أنت بتوصيني على بنتي ولا إيه؟ ابتسم ومشي، وما كنتش أعرف إن دي آخر مرة هشوفه فيها!
بعدها بساعات، جالي تليفون شقلب الدنيا.. حادثة مروعة، أخويا ومراته اتصابوا واتنقلوا المستشفى. جريت وأنا مش مستوعب أي حاجة، دخلت له وهو على السرير تعبان جدًا، أول ما شافني مسك إيدي بالعافية وقال لي البنت أمانة في رقبتك.. أنت عمها وهتصونها أكتر من أي حد. ما قدرتش أقول غير اطمن. ودي كانت آخر كلمة بينا، وبعدها بساعات هو ومراته الاتنين ماتوا.
بنت أخويا كان عندها أربع سنين، طفلة صغيرة مش فاهمة يعني إيه أم وأب يختفوا من حياتها فجأة. كانت كل ليلة تقوم من النوم وهي بتنادي عليهم، ولما ما تلاقيش غيري قدامها كانت تبصلي بعينين مليانين خوف وتسأل بابا هييجي إمتى؟ وما كنتش بلاقي إجابة أقدر أقولها.
خدتها عندي البيت، واعتبرتها بنتي قبل ما تكون بنت أخويا. كنت فاكر إن أصعب حاجة هي إني أوفر لها أكل ولبس ومدرسة، لكن الحقيقة إن الأصعب كان إني أداوي قلب صغير اتكسر وهو
في البداية، مراتي كانت بتحاول تتعامل معاها كويس، لكن الأيام بدأت تكشف حاجات ما كنتش شايفها. كلمة تضايق البنت هنا، ونظرة قاسية هناك، وبعدها بقت أي حركة من الطفلة سبب لمشكلة كبيرة في البيت.
كنت كل مرة أهدّي الأمور وأقول لنفسي إنها فترة وهتعدي، لكن اللي حصل بعد كده خلاني أعرف إن البيت اللي المفروض يكون أمان، بقى مكان البنت بتخاف ترجع له.
وفي ليلة، وأنا راجع من الشغل متأخر، لقيت بنت أخويا قاعدة لوحدها في ركن الصالة، حضنة لعبتها ووشها كله دموع... أول ما شافتني جريت عليّ وقالت بصوت بيرتعش
يا عمو... أنا لازم أقولك حاجة... بس أوعدني إنك مش هتزعل مني.
الكلمات دي كانت بداية السر اللي قلب حياتي كلها... واللي بعد ما عرفته، ما بقيتش قادر أبص لمراتي بنفس الطريقة أبدًا....
تابعوا الباقي في أول تعليق ومتنسوش الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلمحضنتها بسرعة ومسحت دموعها، وقلت لها بهدوء
أوعدك يا حبيبتي... قولي اللي عندك، وأنا مش هزعّل منك أبدًا.
بصّت حواليها كأنها خايفة حد يسمعها، وبعدين همست
مرات عمو... لما إنت بتنزل الشغل، بتقول لي إني ضيفة هنا، وإنك أول ما تتجوز وتجيب بيبي هتوديني دار أيتام... وبتقول لي
الكلام نزل عليّ كالصاعقة.
بصيت لها وأنا مش قادر أستوعب إن طفلة في سنها شايلة الخوف ده كله جواها.
سألتها مين قالك الكلام ده؟ قالت وهي بتمسح دموعها هي... وكل يوم.
في اللحظة دي دخلت مراتي من المطبخ، ولما شافت البنت في حضني اتغير وشها، وقالت بابتسامة مصطنعة مالها؟ كانت بتدلع كالعادة؟
بصيت لها نظرة عمرها ما شافتها مني، وقلت البنت حكتلي كل حاجة.
اتوترت للحظة، لكن حاولت تنكر دي طفلة... أكيد فهمت غلط.
لكن بنت أخويا مسكت في قميصي وقالت لا يا عمو... أنا بقول الحقيقة.
فضلت ساكت، لكن جوايا كان في قرار بيتكوّن... قرار هيغيّر شكل البيت كله، وهيكشف إن اللي حصل كان أكبر بكتير من مجرد كلمات جارحة...بصيت لمراتي وقلت بهدوء، لكن نبرة صوتي كانت حاسمة
لو البنت كدابة، يبقى التسجيلات هتثبت ده.
اتغير لون وشها فجأة وقالت بتوتر
تسجيلات إيه؟
طلعت هاتفي وشغلت جزء من الفيديو. ظهر فيه صوتها وهي بتقول للبنت
إنتِ مالكيش حد... ولو قلتِ لعموك حاجة هتمشي من هنا.
سكت البيت كله.
مراتي قعدت تعيط وتقول إنها كانت بتقول كده علشان تربيها، لكن مفيش تربية تبني نفسها على الخوف وكسر قلب طفل فقد أبوه وأمه.
في الليلة دي، أخدت بنت أخويا وقعدت
أما مراتي، فقعدنا نتكلم كلام طويل. قلت لها إن اللي عملته كسر الثقة بينا، وإن استمرار حياتنا مع بعض مش هيكون ممكن إلا لو اعترفت بغلطها واتغيرت فعلًا، لأن مصلحة الطفلة وأمانها أهم من أي حاجة.
ومن يومها، بقيت أهتم ببنت أخويا أكتر من أي وقت فات. رجعت تضحك، وتلعب، وتنام وهي مطمنة.
وبعد سنين، يوم تخرجت من الجامعة، طلعت على المسرح، وأول كلمة قالتها قدام الناس كلها كانت
يمكن فقدت بابا وماما وأنا صغيرة... لكن ربنا عوضني بعمو كان أب بكل معنى الكلمة، وحفظ الأمانة زي ما وعد.
في اللحظة دي افتكرت آخر كلمات أخويا في المستشفى
البنت أمانة في رقبتك.
وعرفت إني، بفضل الله، وفيت بالوعد بعد الحفل، نزلت من على المسرح وجريت عليّا وهي لابسة روب التخرج، وحضنتني وقالت
الحمد لله يا عمو... النهارده حسيت إن بابا وماما فخورين بيا.
ما قدرتش أمنع دموعي.
عدّت الأيام، واشتغلت في وظيفة محترمة، وبقت مستقلة وقوية، لكن عمرها ما نسيت إن البيت ده هو بيتها.
وفي يوم، قالت لي
عمو... أنا عايزة أزور قبر بابا وماما.
رحنا سوا، وقعدت قدام القبر تقرأ الفاتحة وتدعي لهم، وبعدها بصت لي وقالت
بابا