الملياردير اتجمد فى مكانه

لمحة نيوز

بابتسامة حنينة لأول مرة من سنين
روحي يا حبيبتي العبي شوية في الجنينة مع عم حسن... وأنا هاجي لك بعد شوية.
نور هزت رأسها، وباست خده قبل ما تجري.
أول ما خرجت، اتغيرت ملامح عزت.
اتكلمي.
سعاد نزلت دموعها.
نور مش بنتك... والله مش بنتك.
عزت سكت.
أمال ليه بتناديني بابا؟
تنهدت سعاد وقالت
أبوها الحقيقي مات قبل ما تتولد. وعاشت عمرها من غير أب. وكل يوم كانت تشوف صورتك في الجرائد والتليفزيون... لأن حضرتك كنت بتسيب الجرنال على الترابيزة، وكانت تسألني مين الراجل ده؟
ابتسمت سعاد بحزن.
مرة قلت لها من غير تفكير ده راجل طيب... زي أي بابا بيشتغل بره البيت. ومن يومها هي اقتنعت إنك باباها... وكل يوم كانت تستناك ترجع من الشغل.
عزت حس بغصة في قلبه.
افتكر الرسمة اللي كانت مرسومة فيها راجل ماسك إيد بنت صغيرة.
وقتها فهم معناها.
قال بهدوء
وليه ما صححتيلهاش؟
مسحت سعاد دموعها.
حاولت... كل مرة كانت تعيط وتقول أنا عايزة بابا ده. ومع الأيام... بقيت خايفة أكسر قلبها.
ساد صمت طويل.
ثم سألها عزت
وهي بتحبني للدرجة دي؟
ابتسمت سعاد لأول مرة.
حضرتك يمكن ماخدتش بالك... بس كل مرة كنت تدخل البيت كانت تجري تبص من الشباك، وكل مرة كنت تجيب لعبة لأي حد من ولاد العاملين كانت تفضل حاضناها أيام وتقول بابا جابهالي.
عزت نزل بعينيه للأرض.
لأول مرة حس إن البيت الكبير ده فيه روح.
روح كانت مستنياه كل يوم.
لكن في نفس اللحظة، وقع نظره على ظرف أبيض فوق الترابيزة، كان السواق حاطه ضمن البريد اللي وصل أثناء سفره.
فتح الظرف بهدوء...
ولما قرأ أول سطر، اتغير لون وشه تمامًا.
كان الخطاب من مركز الحقن المجهري.
وفيه جملة واحدة هزت حياته من جديد
نرجو من سيادتكم الحضور في أقرب وقت، فقد اكتشفنا
خطأً إداريًا قديمًا يتعلق بالجنين المجمد الخاص بكم وبزوجتكم الراحلة بعد افتتاح الدار بسنة، بقت دار فريدة من أشهر دور رعاية الأطفال في مصر.
كان عزت يزور كل أوضة بنفسه، يحفظ أسماء الأطفال، ويلعب معاهم، والكل كان مستغرب.
الملياردير اللي كانت الصحف بتكتبه إنه رجل الأعمال الحديدي، بقى يقعد على الأرض يركب مكعبات مع طفل صغير، ويصفق لطفلة وهي بتغني.
أما نور...
فكانت تعتبر الدار كلها بيتها.
لكن في صباح هادئ، بينما عزت بيرتب أوراق مكتبه، دخل عليه محاميه وهو ماسك ملفًا قديمًا.
قال الملف ده وصل من البنك السويسري اللي كانت مدام فريدة فاتحة فيه حساب.
فتح عزت الملف، فلقى ظرفًا مكتوبًا عليه بخط فريدة
لا يُفتح إلا إذا رجعت للحياة من جديد.
ارتعشت إيده وهو فتح الظرف.
كان جواه رسالة.
قرأ أول سطر، فامتلأت عيناه بالدموع
يا عزت... لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى ربنا ادالك سبب تاني تعيش عشانه. أوعى تفضل لوحدك. افتح قلبك، لأن الحب عمره ما بيخلص... هو بس بيغير طريقه.
كان مع الرسالة مستند تبرع بكل مدخرات فريدة الشخصية لإنشاء مؤسسة خيرية باسمها، إذا لم تتمكن من تحقيق حلمها بنفسها.
ابتسم عزت وسط دموعه.
خرج من المكتب، ونادى على نور.
جريت عليه كعادتها.
رفعها بين إيديه وقال
تعرفي يا نور... مامتك فريدة كانت نفسها يبقى في الدنيا أطفال كتير بيضحكوا.
سألته ببراءة
وهي دلوقتي شايفانا؟
ابتسم وهو ينظر إلى السماء.
أتمنى... وأظن إنها فرحانة.
في تلك الليلة، جلس الثلاثة على شرفة الفيلا عزت، وسعاد، ونور.
لم يكن بينهم أي رابط دم.
لكن كان بينهم شيء أقوى بكثير...
بيت عاد إليه الدفء، وقلب تعلم أن أغنى إنسان ليس من يملك المليارات، بل من يجد من يناديه بصدق
بابا.
تمت ابتسمت
نور وهي حاضنة رقبة عزت، وكأنها سمعت الكلام اللي كان نفسها تسمعه من زمان.
ومن اليوم ده، بقى كل يوم يرجع فيه من الشغل، يلاقيها واقفة عند الباب، تجري عليه وتصرخ
بابا جه!
وبدل ما كان البيت ساكت، بقى مليان لعب صغيرة على الأرض، ورسومات ملونة على الحيطان، وضحكات كانت بترد الروح للمكان.
لكن عزت ما نسيش كلام مدير المركز.
بدأ بنفسه يتابع التحقيق.
بعد أسابيع، وصلت النتيجة النهائية.
اكتشفوا إن نور اتولدت في مستشفى حكومي، وإن شهادة الميلاد اتعملت باسم والدها الحقيقي، لكن الأب توفي قبل ولادتها بشهرين، وبعدها بسنين ظهرت شكوك بسبب خطأ في أرشفة عينات التحاليل، وهو اللي عمل اللخبطة.
أما تحليل ال الأخير، فأكد بشكل قاطع إن نور ابنة سعاد وزوجها الراحل.
المركز اعتذر رسميًا لعزت ولسعاد عن الخطأ الإداري اللي سبب كل الفوضى.
سعاد قالت وهي خايفة
يعني... إحنا هنمشي من البيت؟
عزت استغرب.
تمشي؟ ليه؟
عشان حضرتك عرفت الحقيقة... ونور مش بنتك.
ابتسم عزت، ونزل على ركبته قدام نور.
قال لها
يا نور... هو مين بابا؟
ضحكت الطفلة من غير تردد، وحضنته.
إنت.
لف ناحية سعاد وقال
الأب مش دايمًا اللي جاب الطفل للدنيا... الأب هو اللي بيحضنه لما يخاف، ويفرح لفرحه، ويكون سند ليه.
ثم مد لها عقدًا جديدًا.
ده عقد شغل جديد... لكن المرة دي مش شغالة.
فتحت العقد باندهاش.
كان مكتوب فيه
مديرة دار المنشاوي لرعاية الأطفال الأيتام.
قال عزت
فريدة كانت نفسها يبقى عندنا بيت يضم الأطفال اللي مالهمش حد. وأنا قررت أحقق حلمها... وإنتِ أكتر واحدة أثق فيها تدير المكان.
بكت سعاد من الفرحة.
وبعد شهور، افتُتحت الدار.
كان أول صوت اتسمع في الافتتاح صوت نور وهي ماسكة المقص مع عزت وتقول بفخر
بابا... يلا
افتح.
قص الشريط الأحمر، وبص للسما وهو يبتسم.
همس في سره
شايفة يا فريدة؟ حلمك ما ماتش... كبر، وبقى بيت كامل مليان أطفال وضحك.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها فضل في قلوب كل من عرف أن العائلة الحقيقية لا يصنعها الدم وحده، بل الرحمة، والوفاء، والحب بعد عشرين سنة...
وقف عزت المنشاوي مستندًا على عصاه الخشبية، وشعره الأبيض بقى شاهدًا على رحلة عمر كاملة.
قدامه كانت نور، بفستان تخرجها من كلية الطب، والكل بيصفق لها.
المذيع قال بصوت واضح
الدكتورة نور عزت المنشاوي... الأولى على دفعتها.
ابتسم عزت.
مش لأنه سمع اسمه.
لكن لأنه افتكر أول مرة سمع فيها صوتها وهي بتناديه
بابا.
خلص الحفل، وجريت عليه زي عادتها، رغم إنها بقت شابة.
حضنته وقالت
لسه هتشيلني يا بابا؟
ضحك وقال
لو بقيتي مية سنة.
في اللحظة دي، طلعت ظرف من شنطتها.
دي أول مرتب هقبضه من شغلي في مستشفى الأطفال... وعايزاك إنت اللي تتصرف فيه.
استغرب.
وليه؟
قالت وهي بتبتسم
لأنك علمتني إن الفلوس قيمتها الحقيقية لما تخلي حد ينام مطمن.
فتح الظرف، لكنه قفله تاني، ورجعه لها.
لا... إنتِ اللي هتبدأي حلمك.
بعد شهور، أعلنت نور إنها هتخصص يومين كل أسبوع لعلاج الأطفال غير القادرين مجانًا داخل دار فريدة.
الصحافة كتبت عنها.
لكنها كانت ترفض كل مقابلة وتسألهم سؤالًا واحدًا
بدل ما تكتبوا عني... اكتبوا عن كل طفل محتاج حد يؤمن بيه.
وفي مساء هادئ، كان عزت قاعد في جنينة الفيلا، نفس الجنينة اللي جريت فيها نور وهي عندها سنتين.
قعدت جنبه.
وقالت
بابا... لو رجع بيك الزمن، كنت هتختارني؟
ابتسم وهو بص للسماء.
لا.
سكتت وهي مستغربة.
ابتسم أكتر، ومسح دمعة من عينيها.
كنت هدور عليكي بدري... عشان ما تضيعيش مني ولا يوم واحد.
ارتمت
في حضنه وهي بتعيط.
وفي تلك اللحظة، مر نسيم خفيف بين الأشجار، فتحركت صورة فريدة المعلقة في الشرفة.
رفع عزت عينيه إليها وهمس
الوعد اللي بينا
تم نسخ الرابط