انتى طالق يافاتن
المحتويات
سكن الجامعة.
كان بيحاول يقنع نفسه إنه ارتاح.
لكن أول ما دخل أوضته، حط الشنطة على الأرض، وبص من الشباك.
صورة فاتن وهي واقفة لوحدها في المطار رفضت تخرج من دماغه.
فتح موبايله.
كان هيكلمها...
وقف.
قفل الشاشة.
قال لنفسه دي أحسن لها... وأحسن ليا.
لكن قلبه مكانش مقتنع بالكلام اللي بيقوله.
وفي اللحظة دي، رن موبايله.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلا وشه يشحب
جدي.
ابتلع ريقه ورد.
جاله الصوت الغليظ من الناحية التانية
وصلت يا دياب؟
أيوه يا جدي.
سأله بصوت ثابت
وفاتن فين دلوقتي؟
سكت دياب.
ثانية...
واتنين...
وتلاتة...
فقال الجد بنبرة مخيفة
إوعى تكون عملت اللي في دماغك... لأن لو لمست البنت بظلم، يبقى أنت بنفسك فتحت باب مش هتعرف تقفله.
دياب حس لأول مرة إن اللي عمله النهارده... ممكن يكون بداية كارثة عمره كله، مش نهايتها.
يتبع...دياب حاول يرد، لكن الكلمات وقفت في زوره.
قال بصوت متردد يا جدي... أنا عملت اللي شوفته صح.
جاءه صوت الجد حاسمًا الصح؟ سيبت بنت مالهاش حد في بلد غريبة؟ ده اسمه ظلم يا دياب.
دياب قفل عينه بقهر أنا عمري ما وافقت على الجوازة دي.
رد الجد بهدوء غريب وأنا عمري ما أجبرتك علشان أكسر قلب بنت بريئة. كنت فاكر إن الأيام هتجمعكم، لكن واضح إني غلطت فيك.
وسكت لحظة قبل أن يكمل اسمعني كويس... لو فاتن جرالها أي مكروه، عمرك كله هتندم.
ثم أغلق الخط.
في الجهة الأخرى...
سليم أخذ فاتن وساندي إلى السيارة.
طوال الطريق، كانت فاتن تنظر من نافذة السيارة إلى شوارع نيويورك المضيئة، لكنها لم ترَ شيئًا.
كل ما كانت تراه هو صورة دياب وهو يبتعد عنها دون أن يلتفت.
وصلوا إلى قصر عائلة الصياد.
نزلت فاتن بتردد.
قالت بخجل أنا مش عايزة أتعبكم... ممكن أقعد في أي فندق.
ابتسمت ساندي وربتت على كتفها إنتِ ضيفة عندنا، ولحد ما تقفي على رجلك، اعتبري البيت بيتك.
دخلت فاتن بخطوات
لكن سليم كان يفكر في شيء آخر.
دخل إلى مكتبه، واتصل بالمستشار عصام الشاذلي.
قال مباشرة أنا استلمت الأمانة.
رد المحامي كويس... لأن الوقت قرب تعرف فيه الحقيقة.
سليم عقد حاجبيه أي حقيقة؟
قال المحامي بصوت منخفض الحقيقة اللي جد فاتن أخفاها عن الجميع... واللي بسببها دياب هيعرف إنه خسر أكتر مما كان يتخيل.
سليم سكت في دهشة.
وقبل أن يسأل أي سؤال آخر...
أغلق المحامي الخط.
وقف سليم ينظر إلى الهاتف، وهو يدرك أن قصة فاتن لم تبدأ بالطلاق...
بل بدأت بسر كبير، سيقلب حياة الجميع رأسًا على عقب.
يتبع...في صباح اليوم التالي...
صحيت فاتن على ضوء الشمس اللي داخل من شباك الأوضة. للحظة افتكرت إنها لسه في بيت جدها في مصر، لكن أول ما فتحت عينيها وشافت الأوضة الواسعة، افتكرت كل اللي حصل... والمشهد رجع قدامها كأنه بيتكرر.
دموعها نزلت في صمت.
في نفس الوقت، خبطت ساندي على الباب.
ممكن أدخل؟
فاتن مسحت دموعها بسرعة.
اتفضلي.
دخلت ساندي وهي شايلة صينية عليها فطار.
قولت نفطر سوا.
بصتلها فاتن باستغراب.
إنتِ ليه بتعملي معايا كل ده؟
ابتسمت ساندي وقالت لأن زمان... أنا كمان كنت لوحدي، ولقيت اللي وقف جنبي. ودلوقتي جه دوري أقف جنب غيري.
ابتسمت فاتن لأول مرة، ابتسامة صغيرة لكنها طالعة من القلب.
في مكتب سليم...
كان المستشار عصام الشاذلي وصل بنفسه.
فتح حقيبة جلدية قديمة، وأخرج منها ظرفًا بنيًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وضعه على المكتب وقال
الظرف ده أمانة من جد فاتن.
سليم سأل إيه اللي فيه؟
رد المحامي وصية... وتتفتح بس بعد ما دياب يطلق فاتن بإرادته.
فتح سليم الظرف بحذر.
بدأ يقرأ...
ومع كل سطر، ملامحه كانت بتتغير.
في النهاية رفع رأسه بصدمة.
مستحيل...
ابتسم المحامي ابتسامة هادئة وقال
دي كانت آخر خطوة في خطة الجد.
خطة؟
أيوه... كان عارف إن دياب ممكن يرفض الجواز، وكان عارف إنه ممكن يسيبها. علشان كده جهز لكل حاجة.
سليم قال بفضول
وفاتن تعرف؟
هز المحامي رأسه.
لأ... هي نفسها متعرفش الحقيقة.
وفي اللحظة نفسها...
رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان...
دياب الهلالي.
تنهد سليم، وضغط على زر الرد.
قال دياب بصوت متوتر
فاتن عندك؟
رد سليم بهدوء
أيوه.
سكت دياب لحظة، ثم قال
اطمن عليها... بس متقولهاش إني سألت.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، وقال
بعد اللي عملته... فات الأوان على كلمة اطمن.
وأغلق الخط.
أما دياب، فجلس وحده في غرفته، وأدرك لأول مرة أن القرار الذي ظنه بداية حريته... قد يكون أكبر خطأ ارتكبه في حياته.
يتبع...دياب فضل ماسك الموبايل بعد ما سليم قفل في وشه.
حس بغصة في قلبه، لكنه رجع يقنع نفسه
أنا عملت الصح... كل واحد يعيش حياته.
لكن الضمير مكانش سايبه.
في قصر عائلة الصياد...
المحامي قال لسليم
لسه في حاجة أهم من الوصية.
وأخرج ملفًا أزرق سميك.
فتحه قدام سليم.
أول صفحة كانت شهادة ميلاد قديمة.
وسليم اتجمد.
قال بدهشة
يعني... فاتن...
المحامي هز رأسه.
أيوه... لكنها متعرفش.
وجدها طلب مني محدش يقولها الحقيقة إلا في الوقت المناسب.
سليم قفل الملف من غير ما يكمل.
مدام دي أمانة... هتفضل أمانة.
بعد أسبوع...
ساندي بدأت تعلم فاتن الإنجليزي.
كانت فاتن تحفظ الكلمات بسرعة أدهشت الجميع.
كل يوم كانت تتعلم عشرات الكلمات الجديدة، وتحاول تقرأ اللافتات والكتب البسيطة.
سليم كان يراقبها من بعيد.
وقال لساندي
دياب كان فاكر إنها جاهلة...
ابتسمت ساندي.
واضح إنه عمره ما حاول يعرفها.
أما دياب...
ففي أول يوم له في الجامعة، الدكتور المشرف سأله
زوجتك وصلت معك؟
دياب ارتبك.
ثم قال بسرعة
لا... أنا جئت بمفردي.
لكن قبل أن ينهي كلامه...
دخلت إحدى الموظفات وقالت
دكتور دياب... فيه مكالمة عاجلة من
اتغير لون وشه.
رفع السماعة.
وجاءه صوت الموظف
حضرتك السيد دياب الهلالي؟
أيوه.
فيه بعض الاستفسارات بخصوص وضع زوجتك القانونية بعد دخولها البلاد...
دياب شعر أن الأرض تميد تحت قدميه.
لأول مرة أدرك أن ترك فاتن وحدها في بلد غريب لم يكن مجرد قرار شخصي...
بل قرار قد يجر عليه عواقب قانونية، وأخلاقية، لن يستطيع الهروب منها.
وفي نفس اللحظة...
كانت فاتن تجلس أمام كتاب اللغة الإنجليزية، وكتبت أول جملة بنفسها
I will never be weak again.
لن أكون ضعيفة مرة أخرى.
رفعت رأسها، ومسحت آخر دمعة في عينيها، دون أن تدري أن الأيام القادمة ستحمل لها مفاجآت ستغير حياتها بالكامل مرَّ شهران...
فاتن مبقتش هي نفس البنت اللي نزلت من الطيارة وهي منهارة.
بقت كل يوم تروح مع ساندي معهد اللغة، وترجع تذاكر لساعات. كانت بتغلط، وتعيد، وتتعلم، لحد ما المدرسين بقوا يمدحوها قدام الطلبة.
وفي يوم، وهي خارجة من المعهد، وقفها الدكتور المسؤول.
قال لها بابتسامة مبروك يا فاتن... حصلتِ على أعلى تقييم في المستوى الأول.
وقفت مصدومة.
أول مرة في حياتها حد يقول لها مبروك... إنتِ شاطرة.
رجعت البيت وهي فرحانة، وما إن دخلت حتى وجدت سليم وساندي في انتظارها.
ساندي حضنتها وقالت إحنا فخورين بيكي.
أما سليم، فناولها ظرفًا أبيض.
دي أول خطوة في طريقك الجديد.
فتحت الظرف، فوجدت خطاب قبول في برنامج تأهيلي يؤهلها لدخول الجامعة بعد إتقان اللغة.
دموعها نزلت، لكن المرة دي كانت دموع فرح.
قالت بصوت مرتعش عمري ما تخيلت إن ممكن أتعلم.
رد سليم بهدوء المشكلة عمرها ما كانت في قدراتك... المشكلة إن اللي حواليكي أقنعوكي إنك متقدريش.
...
وفي الناحية التانية...
دياب كان عايش أسوأ أيامه.
كل ما يمشي في الجامعة، يفتكر آخر نظرة شافها في عين فاتن.
وبقى كل ما يفتح موبايله، يدخل على رقمها... ويقف قبل ما يضغط
وفي ليلة، مقدرش يستحمل.
اتصل.
رن الموبايل...
لكن اللي رد مكانش فاتن.
كان سليم.
قال بهدوء فاتن مشغولة.
دياب سكت ثواني، ثم قال هي... عاملة إيه؟
رد سليم أحسن بكتير من اليوم
متابعة القراءة