ابن اخويا
المحتويات
ويقول
المصيف ده للعيلة كلها ومحدش فينا مالوش مكان بعد سنين، وأنا بقلب في ألبوم الصور، وقعت صورة قديمة.
أنا، وأخويا، ويوسف وهو عنده 7 سنين، واقفين على شاطئ البحر.
ابتسمت رغم الدموع.
يوسف لمح الصورة، وقعد جنبي.
قال
عارف يا عمو؟ أنا ماكنتش بكره البحر.
بصيتله باستغراب.
قال وهو بيبتسم بحزن
أنا كنت بكره إحساس إني مش مرغوب فيا.
الكلمة دي كسرتني من جوا.
بعدها بأيام، جمعنا العيلة كلها على الغدا.
يوسف وقف وقال
أنا مش عايز حد يعتذرلي تاني أنا عايز نبدأ من جديد.
ومن اليوم ده، بقى أي قرار يخص العيلة بيتاخد وإحنا كلنا موجودين.
ولما اتجوز يوسف بعد كام سنة، طلب مني أمشي جنبه في الفرح بدل والده.
قبل ما ندخل القاعة، مسك إيدي وقال
النهارده أنت بتكمل مكان بابا وأنا متأكد إنه كان هيبقى راضي.
ماقدرتش أتكلم.
حضنته، ودخلنا القاعة سوا.
وفي نهاية الليلة، بصيت للسما وقلت في سري
سامحني يا أخويا أمانتك اتأخرت، لكنها رجعت في مكانها.
وهكذا انتهت الحكاية، بعد سنوات من الندم، والعدل، ولمّ الشمل، لتثبت أن الحقيقة قد تتأخر لكنها في النهاية تجد طريقها دائمًا بعد الفرح بشهور، كنت فاكر إن الحياة أخيرًا هديت.
لكن في صباح يوم جمعة، رن جرس البيت.
فتحت الباب.
لقيت راجل كبير، شعره أبيض، وماسك ظرف قديم.
قال بهدوء
حضرتك أخو المرحوم محمود؟
هزيت راسي.
ناولني الظرف وقال
أنا كنت شريك أخوك وده
فتحت الظرف.
كان فيه عقد استثمار، وأوراق تثبت إن أخويا كان شاري قطعة أرض صغيرة قبل وفاته بسنين.
وقتها كانت الأرض ما تسواش حاجة.
أما دلوقتي
بقت في قلب منطقة عمرانية جديدة، وثمنها بقى بالملايين.
بصيت ليوسف.
قلت
دي فلوسك يا ابني.
ابتسم وقال
لأ دي تعب بابا.
بعد كام شهر، باع الأرض.
لكن بدل ما يشتري عربية فارهة أو فيلا، عمل حاجة محدش كان متوقعها.
أسس جمعية خيرية باسم والده.
كانت بتتكفل بالأيتام في التعليم والعلاج.
وفي أول افتتاح للجمعية، وقف يوسف قدام الأطفال وقال
أنا كنت يتيم، وربنا سخرلي ناس وقفت جنبي، حتى لو اتأخروا. ودلوقتي دوري أقف جنب غيري.
بصيتله، وحسيت بالفخر.
وفي آخر اليوم، وهو بيقفل باب الجمعية، بصلي وقال
فاكر أول مرة سألتني ليه مكنتش بحب البحر؟
ابتسمت.
قال
دلوقتي بقيت بحبه لأن أول ذكرى حلوة معاك بدأت هناك.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وعرفت إن الجروح الكبيرة ممكن تسيب أثر لكنها ما تمنعش إن الحياة تفتح صفحة جديدة، إذا كان فيها اعتراف بالخطأ، وعدل، ومحبة حقيقية.
النهاية بعد افتتاح الجمعية بحوالي سنة، كنت فاكر إن مفيش مفاجآت تاني.
لكن يوسف دخل عليّ المكتب وقال
عمو فاكر البيت القديم بتاع بابا؟
قلت
أكيد.
قال
تعالى معايا.
روحنا البيت.
كان مقفول من يوم وفاة أخويا.
فتح الباب، ودخلنا وسط تراب السنين.
لفّ في الأوض،
سحب كتاب.
فجأة، جزء من المكتبة اتحرك.
كان وراه خزنة صغيرة.
بصيتله بدهشة.
قال
المحامي كان قايلي إن بابا كان مخبي فيها أوراق مهمة.
فتحنا الخزنة.
لقينا مذكرات أخويا.
وأول صفحة كانت مكتوب فيها
لو يوسف كبر وبقى راجل، افتحوا المذكرات دي سوا.
قعدنا نقرأ.
كان كاتب تفاصيل حياته، وأحلامه، وكل موقف جميل جمعه بابنه.
وفي آخر صفحة كتب
الثروة ممكن تضيع وترجع لكن لو يوسف فضل طيب ومحافظ على قلبه، يبقى أنا كسبت الدنيا كلها.
يوسف قفل الدفتر، وبكى.
وقال
بابا كان يعرف إن الفلوس مش أهم حاجة.
ابتسمت وقلت
وده اللي أنت أثبته.
بعدها قرر يوسف يحول البيت القديم إلى مكتبة مجانية ومركز لتعليم الأطفال الأيتام.
وعلّق على المدخل لافتة صغيرة مكتوب عليها
بيت محمود أبوابه مفتوحة لكل طفل محتاج فرصة.
وكل سنة، في نفس اليوم اللي كنا زمان بنسافر فيه للمصيف، بقينا نجتمع في البيت ده.
نفتكر أخويا، ونشوف الأطفال وهم بيضحكوا.
وساعتها كنت بحس إن الأمانة اتردت فعلًا مش بالفلوس، لكن بالأثر الطيب اللي فضل بعده.
وهنا تنتهي الحكاية فعلًا بعد خمس سنين، وفي حفل تكريم الجمعية، طلع يوسف على المسرح وقال
قبل ما أقول أي كلمة عندي مفاجأة لعمو.
استغربت.
الناس كلها بصت ناحيتي.
يوسف نادى
اتفضل يا عمو.
طلعت وأنا مش فاهم.
جاب صندوق خشب صغير، وسلمني المفتاح.
فتحته.
لقيت ساعة إيد
عرفتها من أول نظرة.
كانت ساعة أخويا اللي اختفت يوم وفاته، وافتكرنا إنها اتسرقت.
بصيت ليوسف باندهاش.
قال
لقيتها بين حاجات بابا في البيت القديم. كنت مستني اليوم المناسب عشان أديهالك.
مسكت الساعة، ودموعي نزلت.
لكن كان فيه ورقة صغيرة تحتها.
فتحتها.
مكتوب فيها بخط أخويا
لو الساعة دي رجعت لإيدك، يبقى يوسف بقى راجل تقدر تسنده زي ما كنت بتسندني.
حضنت يوسف قدام الناس كلها.
والقاعة كلها وقفت تصقف.
وفي نهاية الحفل، قرب مني طفل صغير من أطفال الجمعية.
قال
عمو هو صحيح يوسف كان يتيم؟
ابتسم يوسف ونزل لمستواه وقال
أيوه.
الطفل سأله
وزعل؟
يوسف رد بابتسامة
زعل بس لقى ناس حبوه، فعرف يقوم على رجليه.
الطفل حضنه وقال
وأنا كمان هبقى زيك.
وقتها فهمت إن الخير الحقيقي مش الفلوس اللي رجعت ولا القضية اللي انتهت.
الخير الحقيقي إن وجع يوسف اتحول إلى أمل لناس كتير بعده.
وكان ده أعظم انتصار في الحكاية كلها مرت عشر سنوات أخرى.
كبرت في السن، وبقيت أقضي أغلب وقتي في البيت.
أما يوسف، فبقى من أنجح رجال الأعمال، لكنه عمره ما اتغير.
كان يزورني كل يوم تقريبًا.
وفي يوم عيد ميلادي السبعين، قالي
البس يا عمو عندنا مشوار.
ركبنا العربية.
فضل سايق من غير ما يقولي رايحين فين.
لحد ما وقف قدام بيت كبير مطل على البحر.
ابتسم وقال
انزل.
نزلت وأنا مستغرب.
طلع مفتاح، وحطه في إيدي.
قلت
إيه ده؟
قال
ده
اتصدمت.
بيتي؟
ضحك وقال
فاكر أول مصيف روحناه سوا بعد القضية؟ يومها قلتلي إنك عمرك ما هتقدر تعوضني.
سكت شوية، وكمل
الحقيقة إنك عوضتني من أول
متابعة القراءة