بنت اخويا

لمحة نيوز

كان بيتكفل بيهم في السر.
آخر صفحة كانت مكتوب فيها
لو أنا مت... أتمنى سلمى تكمل اللي بدأتُه.
سلمى قعدت تبكي وهي بتقلب الصفحات.
وقالت
أنا كنت فاكرة بابا سابلي فلوس... طلع سايبلي رسالة أكبر.
بعد شهرين، استخدمت جزءًا من ميراثها في إنشاء جمعية صغيرة لمساعدة الأطفال الأيتام على العلاج والتعليم.
وأول طفل دخل الجمعية، كان ولد عنده 13 سنة فقد والديه في حادث.
أول ما شافته سلمى، افتكرت نفسها وهي عند نفس العمر.
نزلت على ركبتها، وابتسمت له.
وقالت
من النهارده... إنت مش لوحدك.
وقفت بعيد أراقبها، وافتكرت اليوم اللي لقيتها فيه بتمسح الأرض وهي مريضة.
وقلت في نفسي
سبحان مغير الأحوال.
الطفلة اللي كانت تُجبر على خدمة البيت مقابل لقمة عيش... أصبحت طبيبة، وصاحبة خير، وسببًا في إن أطفال كتير يلاقوا الأمان اللي اتحرمت منه يومًا ما.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما تحول الألم إلى قوة، والظلم إلى بداية جديدة مليئة بالرحمة والخير بعد افتتاح الجمعية بسنة...
كانت سلمى ماشية بين الأطفال، توزع عليهم الهدايا بنفسها.
وفجأة، دخلت سيدة كبيرة في السن، شعرها كله أبيض، وسألت الموظفة
الدكتورة سلمى موجودة؟
لما سلمى خرجت، أول ما الست شافتها، انفجرت في البكاء.
قالت
إنتِ متعرفنيش... لكن أنا جارتكم القديمة.
قعدوا يتكلموا.
والست طلعت من شنطتها علبة صاج قديمة.
وقالت
أمك قبل الحادث بأسبوع ادتهالي، وقالتلي لو حصل لنا حاجة، سلميها لبنتي لما تكبر.
فتحت سلمى العلبة بإيد مرتعشة.
كان فيها إسورة فضة، ورسائل كتبتها أمها بخط إيدها في مناسبات مختلفة.
وفي آخر رسالة كانت كاتبة
يا سلمى... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش جنبك. متكرهيش الحياة بسبب اللي حصل، ومتخليش حد يقنعك إنك أقل من غيرك. اللي يحبك هيصونك، واللي يظلمك سيبيه لربنا.
سلمى بكت بحرقة.
أما أنا،
فخرجت للجنينة عشان أخفي دموعي.
في المساء، سلمى جمعت أطفال الجمعية وقالت لهم
كل واحد فيكم فقد حاجة غالية... وأنا كمان فقدت. لكن ربنا بيعوض بطرق عمرنا ما نتخيلها. أهم حاجة ما نفقدش الرحمة.
صفق الأطفال لها.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن أخي وأم سلمى لو كانا يريانها الآن، لابتسما بفخر.
وانتهت رحلة الطفلة التي بدأت بممسحة في يدها قبل الفجر... لتصبح امرأة تمسك بيد كل طفل يحتاج إلى الأمل، وتمنحه بداية جديدة كما منحها الله بداية جديدة يوم وجد من يحميها. بعد سنوات طويلة...
شعري كان كله شاب، وسلّمى بقت مديرة أكبر مستشفى خيري أسسته الجمعية.
وفي عيد ميلادي السبعين، قالتلي
عمو... عندي مفاجأة.
ركبنا العربية، وفضلت سايقة من غير ما تقول رايحين فين.
لحد ما وقفنا قدام بيت قديم.
أول ما شفته، عرفته.
كان نفس البيت اللي عاشت فيه معايا وهي صغيرة.
البيت اللي بدأت فيه كل الحكاية.
استغربت وقلت
إحنا جينا هنا ليه؟
ابتسمت، وطلعت مفتاح من شنطتها.
وقالت
اشتريته.
دخلنا.
لكن البيت ماكانش زي زمان.
كانت حولته إلى دار مجانية لاستضافة الأطفال الأيتام اللي بيحتاجوا مكان آمن لحد ما يلاقوا أسرة أو يكملوا علاجهم.
لفت بيا في الأوض، وقالت
الأوضة دي كانت أوضتي.
ثم أشارت إلى المطبخ وقالت بابتسامة حزينة
وهنا... كنت بصحى قبل الفجر أنضف وأنا خايفة.
سكتت لحظة، ثم أضافت
قررت أخلي المكان اللي شهد أصعب أيام حياتي... بداية لأجمل أيام أطفال تانيين.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وقبل ما أتكلم، دخل عشرات الأطفال يجروا علينا.
كل واحد فيهم كان شايل وردة.
وفي صوت واحد قالوا
كل سنة وإنت بخير يا جدو أحمد.
بصيت لسلمى، وضحكت وسط دموعي.
قلت لها
أنا كنت فاكر إني أنقذتك.
هزت رأسها وقالت
لا يا عمو... إحنا أنقذنا بعض.
وفي آخر النهار، وأنا قاعد في جنينة الدار، رفعت عيني
للسماء وابتسمت.
وقلت بصوت واطي
اطمن يا أخويا... بنتك كبرت، وبقت أعظم بكتير مما كنا نحلم.
تمت. بعد أشهر من افتتاح الدار...
كان في طفل صغير اسمه يوسف، عنده عشر سنين، قليل الكلام ومبيثقش في حد.
كل يوم يقعد لوحده في الجنينة، ماسك كشكول قديم، ويكتب فيه من غير ما يوريه لحد.
سلمى حاولت تكلمه أكتر من مرة، لكنه كان يبتسم في هدوء ويقول
لما أخلص... هخليكي تقريه.
بعد سنة كاملة، يوسف تعب فجأة، واتنقل المستشفى.
ولما حس إن حالته صعبة، طلب يشوف سلمى.
ناولها الكشكول وقال
افتحيه بعد ما أمشي... لو ربنا كتبلي أمشي.
سلمى وهي بتقول
هتقوم بالسلامة إن شاء الله.
لكن إرادة ربنا كانت غير كده.
بعد أيام، فتحنا الكشكول.
لقينا أول صفحة مكتوب فيها
إلى الدكتورة سلمى...
أنا عمري ما حسيت إن عندي أم... غير لما حضرتك مسكتي إيدي أول يوم ودخلتيني الدار. يمكن الناس فاكرين إنكم بنيتوا بيت للأيتام... لكن الحقيقة إنكم بنيتوا قلوب رجعت تنبض من جديد.
سلمى فضلت تبكي وهي بتقرأ.
وفي آخر صفحة، كان يوسف كاتب
لو في يوم حد سأل مين بطلي... قولوله اسمها سلمى.
بعدها، قررت سلمى تعمل مكتبة صغيرة في الدار.
وسمتها مكتبة يوسف.
وحطت الكشكول في صندوق زجاجي، ومعاه لوحة مكتوب عليها
الكلمة الطيبة... ممكن تنقذ إنسان، زي ما الرحمة أنقذت طفلًا.
ومن يومها، كل طفل يدخل الدار كان يقرأ قصة يوسف، ويعرف أن الحياة قد تبدأ بالألم... لكنها قد تنتهي بالأمل، إذا وجد قلبًا رحيمًا يحتويه. مرت عشر سنوات أخرى...
وأصبحت دار الأيتام التي أسستها سلمى من أكبر المؤسسات الخيرية في البلد.
في يوم من الأيام، كانت سلمى تتفقد الملفات القديمة، فوجدت ظرفًا صغيرًا سقط من بين الأوراق.
كان عليه اسمها بخط يد لم تره منذ سنوات.
خط أمها.
شهقت وهي تفتحه بحذر.
في الداخل كانت هناك ورقة واحدة فقط.

مكتوب فيها
يا سلمى... لو وصلت لكِ الرسالة دي، يبقى ربنا كتب لكِ عمرًا طويلًا. أنا مش عارفة هتبقي عاملة إزاي دلوقتي، لكني متأكدة من حاجة واحدة... إن قلبك هيبقى أكبر من أي وجع مريتي بيه.
توقفت سلمى عن القراءة للحظة ومسحت دموعها.
ثم أكملت
لو ظلمك حد، سامحيه لما تقدري. ولو قدرتي تساعدي حد، متتأخريش. الإنسان مش بيتقاس بفلوسه ولا بمنصبه... بيتقاس بعدد القلوب اللي ساب فيها أثر طيب.
في تلك الليلة، جلست سلمى وحدها في حديقة الدار.
تنظر إلى الأطفال وهم يلعبون.
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهمست
أنا حاولت يا ماما... والله حاولت.
وفي صباح اليوم التالي، أعلنت عن مشروع جديد
بناء مدينة صغيرة متكاملة للأيتام تضم مدرسة وعيادة ومكتبة وملاعب، حتى يجد كل طفل فرصة حقيقية للحياة.
وعندما تم افتتاح المشروع بعد سنوات، وقف أحد الصحفيين يسألها
ما السر وراء كل هذا النجاح؟
ابتسمت سلمى.
ثم أشارت إلى صورة قديمة معلقة على الحائط.
كانت صورة لطفلة نحيلة تمسك ممسحة وتقف في مطبخ قديم.
وقالت
السر إن الطفلة دي كانت محتاجة حد يصدقها... ولما لقت حد يصدقها، حياتها كلها اتغيرت.
ساد الصمت للحظات.
ثم دوى التصفيق في المكان كله.
أما أنا، فكنت أجلس في الصف الأول، أراقبها بفخر.
وعرفت وقتها أن الخير الذي يزرعه الإنسان في لحظة واحدة من الرحمة... قد يثمر لأجيال كاملة بعده. 
وهكذا استمرت الحكاية، لا كنهاية لقصة سلمى، بل كبداية لأمل جديد في حياة كل طفل دخل من أبوابها. بعد افتتاح المدينة الخيرية بعامين...
في صباح هادئ، دخلت بنت صغيرة عمرها حوالي 12 سنة، كانت ماسكة شنطة مدرسية ممزقة، وعينيها مليانة خوف.
أول ما شافتها سلمى، حسّت إنها شايفة نفسها من عشرين سنة.
نزلت لمستواها وسألتها برقة
اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت بصوت مكسور
مريم.
مالك يا مريم؟
ردت
وهي بتحاول تمنع دموعها
خالتي بتقول إني باكل كتير... ولازم أشتغل في البيت عشان أستحق اللقمة.
سكتت سلمى.
الجملة رجعتها لسنين طويلة فاتت...
نفس
تم نسخ الرابط