ابويا كان متجوز بقلم زهرة الربيع
دي أول مرة يسمعوا الكلام ده بالصراحة دي.
هالة سألت أمها
هو... يعني كل اللي الناس كانت بتلمح له كان حقيقي؟
مدام إسعاد نزلت دموعها، لكنها ما ردتش.
أما أبويا فكان باصص للأرض.
أمي أخدت نفسًا عميقًا وقالت
أنا مش مستنية اعتذار من حد.
كلهم بصوا لها.
كملت
السنين اللي راحت مش هترجع.
ثم قامت، وراحت المطبخ، ورجعت بصينية عليها خمس أكواب شاي.
حطت قدام كل واحد كوب.
وقالت
اشربوا... يمكن دي آخر مرة نقعد القعدة دي.
أبويا رفع عينه وقال لأول مرة بندم واضح
أنا خسرت كل حاجة.
أمي ردت بهدوء
الإنسان بيخسر لما يفتكر إن السر هيفضل سر للأبد.
سكت الجميع.
وفي اللحظة دي، هبة طلعت من شنطتها ظرفًا أبيض، ومدته لأمي وهي بتقول
ماما قالت إن ده لازم يبقى عند حضرتك... وإنها احتفظت بيه سنين، لكن مكانه الحقيقي هنا.
أمي أخدت الظرف، وبمجرد ما شافت المكتوب على ظهره، اتسعت عينيها...
لكنها ما فتحتهوش.
رفعته بهدوء، وقالت
واضح إن لسه في أسرار... حتى أنا ما عرفتهاش.
ثم حطت الظرف على الترابيزة، بينما كل الموجودين كانوا منتظرين تعرف محتواه، في صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة أمي
بعدها فتحته بهدوء.
طلع منه مفتاح صغير... ومعاه ورقة مطوية.
فتحت الورقة، وقرتها في صمت.
ملامحها متغيرتش.
لكنها قفلتها تاني، وحطتها قدام أبويا.
قالت
اقرأها.
أبويا أول ما شاف خط الإيد، عرفه.
إيده بدأت ترتعش.
قرأ أول سطر... وفجأة نزلت دمعة من عينه.
دي كانت أول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعيط.
هالة قامت بسرعة.
بابا... في إيه؟
مردش.
أمي قالت بهدوء
الجواب ده مكتوب من أكتر من عشرين سنة.
كلنا اتصدمنا.
هبة سألت أمها
إيه الجواب ده؟
مدام إسعاد أخفت وشها بإيديها، وقالت بصوت مكسور
كنت فاكرة إنه ضاع.
أمي ردت
ما ضاعش... الحقيقة عمرها ما بتضيع.
أبويا قفل الجواب، وحطه على الترابيزة.
وقال بصوت مليان ندم
أنا السبب في خراب البيتين.
أمي هزت رأسها وقالت
أخيرًا قلت الحقيقة.
سكت شوية، ثم كمل
أنا كنت فاكر إني لما أرضي دي شوية، ودي شوية، أبقى حافظت على الكل... لكن في الحقيقة ظلمت الكل.
هالة وهبة كانوا بيعيطوا.
وأنا كمان دموعي نزلت.
أمي قامت من مكانها، ولمّت الملفات كلها، وحطتها في الدولاب.
وقفلت عليه بالمفتاح.
وقالت
الملفات دي خلص دورها.
بص لها أبويا باستغراب.
قالت
أنا ما جمعتش الورق عشان أنتقم... جمعته عشان لما أقرر أمشي، أمشي وأنا رافعة راسي، وماحدش يقدر يشككني في نفسي.
ثم أخدت شنطتها، ونادت عليّ.
يلا يا أمنية.
سألتها
رايحين فين؟
ابتسمت لأول مرة من قلبها وقالت
رايحين نبدأ حياتنا... من غير خوف، ومن غير أسرار.
وسابت البيت، من غير صريخ، ولا فضايح، ولا انتقام.
وسابت وراها رجلًا أدرك متأخرًا أن أطول أنواع العقاب... هو الندم الذي يأتي بعد فوات الأوان بعد شهرين...
صدر الحكم في كل الإجراءات القانونية، واتقسمت الحقوق بالقانون، من غير ظلم ولا تشهير، وكل واحد أخذ حقه.
أبويا خرج من البيت وسكن في شقة صغيرة لوحده.
مدام إسعاد رفضت تكمل حياتها بالشكل ده، وقالت له
اللي قدر يعيش بوشين خمسة وعشرين سنة... أنا مش هقدر أعيش معاه يوم واحد بعد الحقيقة.
وسابت هي كمان.
بقى وحيدًا.
كل بنت من بناته كانت تزوره، لكن العلاقة عمرها ما رجعت زي الأول.
أما أمي...
قدمت طلب نقل لمدرسة قريبة من بيت جديد اشترته من نصيبها الشرعي.
أول حاجة عملتها في البيت الجديد إنها حطت مكتبة كبيرة مليانة كتب، وركنت جنب الشباك
رجعت تضحك من قلبها.
وتشرب قهوتها الصبح وهي بتسمع فيروز.
وأنا بقيت أزورها كل يوم تقريبًا.
في يوم قلت لها
يا ماما... لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتسكتي برضه؟
سكتت شوية، ثم قالت
لا.
استغربت.
ابتسمت وقالت
كنت هواجه من أول مرة. الصبر فضيلة، لكن السكوت عن الغلط عمره ما كان فضيلة.
بعد سنة...
اتجوزت أنا من زميل محترم في مكتب المحاماة، وكانت أمي هي أول واحدة رقصت في فرحي.
ضحكتها يومها كانت مختلفة.
ضحكة واحدة حرة... بعد سنين طويلة من الكتمان.
أما أبويا...
ففي يوم جه يزور أمي، يطلب منها السماح.
استقبلته بكل احترام، وقدمت له فنجان قهوة.
ولما خلص، وقف وهو بيقول
أنا عارف إنك مش هترجعيلي... لكن كنت محتاج أسمع منك كلمة تسامح.
ابتسمت أمي وقالت
أنا سامحتك من زمان... عشان أريح قلبي. لكن التسامح حاجة، والرجوع لنفس الوجع حاجة تانية.
هز رأسه، وخرج في هدوء.
وكانت دي آخر مرة شوفناه فيها.
وقفت أمي في البلكونة تبص للسما، وقالت بهدوء
أصعب انتصار... إنك تخرج من المعركة من غير ما تخسر نفسك.
وقتها فهمت الدرس اللي أمي علمتهولنا من غير خطب
إن الكرامة ممكن تصبر... لكنها لا تموت، والحقيقة قد تتأخر، لكنها في النهاية تجد طريقها للنور.
تمت.