مراتى كانت بتشتغل فى مصنع 12 ساعة
المحتويات
الناس إن الكرامة لا تمنع التسامح، لكن التسامح لا يعني الرجوع إلى من ظلمك.
وهكذا عاشت كل شخصية نتيجة اختياراتها، وبقيت القصة حكاية عن الوفاء والكرامة قبل أن تكون حكاية عن المال بعد عدة أشهر...
كانت المؤسسة بتجهز لافتتاح أكبر مركز تدريب للشباب في المحافظة.
وأثناء تجهيز القاعة، دخل موظف الاستقبال وقال
يا مدام منى... في راجل كبير واقف بره، بيقول إنه كان صاحب والد حضرتك، ومعاه أمانة لازم يسلمهالك.
استغربت منى، وطلبت يدخله.
دخل رجل تجاوز السبعين، شايل صندوق خشب قديم.
قال وهو بيبتسم
أبوك سلمني الصندوق ده من أكتر من عشرين سنة، وقالي ما تدهوش لبنتي إلا لما تلاقيها بقت قوية وقادرة تعتمد على نفسها.
فتحت منى الصندوق.
كان فيه صور قديمة، ورسائل بخط إيد والدها، وساعة كان بيلبسها، ومفتاح صغير.
أما الرسالة الأخيرة، فكانت بتقول
يا منى... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مطمن إنك بقيتي أقوى من أي ظرف. لو الناس حبتك عشان فلوسك، ابعدي عنهم. ولو حد حبك عشان قلبك، حافظي عليه. واعرفي إن النجاح الحقيقي مش في اللي هتملكيه... النجاح الحقيقي في عدد القلوب اللي هتسيبي فيها أثر طيب.
بكت منى وهي بتقرأ الرسالة.
وأمرت إن الرسالة تتعلق في مقر المؤسسة داخل إطار زجاجي، عشان كل موظف جديد يقرأها.
أما أحمد، فوقف قدامها وقال
والدك ربّى بنت عظيمة.
ابتسمت منى وقالت
وأنا كل يوم بحاول أكون قد كلامه.
ومن يومها، بقت المؤسسة مشهورة بشعار مكتوب على مدخلها
الكرامة أولًا... والخير يبقى أثرًا بعد الرحيل.
وانتهت الحكاية، لكن فضل أثرها في كل شخص عرف أن الاحترام والوفاء لا يقدران بثمن بعد افتتاح المركز بعام...
في صباح هادئ، دخل أحمد إلى مكتبه في المؤسسة، فوجد ظرفًا أبيض على مكتبه.
فتحه، فوجد بداخله دعوة لحضور
وفي أسفل الدعوة جملة بخط يد منى
كل واحد اتعلم من غلطه، ليه مكان في يوم النجاح... حتى لو كان دوره مجرد شاهد.
حضر أحمد الاحتفال.
كانت القاعة مليانة شباب وبنات حصلوا على منح تعليمية، وأصحاب مشروعات صغيرة بدأت من داخل المؤسسة.
وقف شاب على المسرح وقال
أنا كنت هسيب المدرسة وأشتغل، لكن المؤسسة علمتني وساعدتني، والنهارده أنا مهندس.
ثم وقفت سيدة مسنة وقالت
أنا أول ماكينة خياطة أخدتها من المؤسسة غيرت حياتي وحياة بناتي.
ابتسم أحمد وهو يسمع الكلمات، وتذكر منى وهي ترجع من المصنع كل يوم مرهقة، لكنها كانت تبتسم وتقول التعب بيعدي... لكن الخير بيفضل.
وفي نهاية الحفل، طلبت منى الكلمة الأخيرة.
قالت
النجاح مش إنك تبقى أغنى واحد... النجاح إنك تقدر تمد إيدك لغيرك وهو محتاج، من غير ما تجرحه أو تمنّ عليه.
ثم نظرت إلى أحمد بين الحضور، وقالت أمام الجميع
في حياتنا كلنا أخطاء... لكن المهم إننا نتعلم منها، وما نكررش ظلم حد وقف جنبنا.
صفق الجميع طويلًا.
خرج أحمد من القاعة وهو يشعر براحة لأول مرة منذ سنوات.
لم يعد يتمنى أن تعود منى إليه، بل تمنى فقط أن يصبح إنسانًا أفضل مما كان.
وهكذا بقيت منى رمزًا للكرامة والعطاء، وبقي أحمد يحمل قصته درسًا يرويه لكل من يظن أن التضحية يمكن أن تُقابل بالجحود دون ثمن. تمت بعد خمس سنوات...
كان أحمد ما زال يعمل في المؤسسة بكل إخلاص، حتى أصبح المدير المالي لها.
وفي أحد الأيام، جاءه شاب جديد يتقدم لوظيفة محاسب.
نظر أحمد إلى أوراقه، ثم سأله
إيه اللي خلاك تختار المؤسسة دي؟
ابتسم الشاب وقال
أمي كانت عاملة في مصنع زمان، ومدام منى ساعدتها لما الكل رفض يشغلها. بسببها دخلت الجامعة، واتخرجت محاسب.
ابتسم أحمد لأول مرة من قلبه.
شعر أن الخير الذي زرعته منى صار يجني ثماره أناس لم تقابلهم يومًا.
وفي مساء اليوم نفسه، أعلن مجلس الأمناء عن إنشاء مستشفى خيري يحمل اسم والد منى، لعلاج العمال وأسرهم مجانًا.
وخلال الافتتاح، وقف الصحفيون يسألون منى
إيه سر نجاحك؟
ابتسمت وقالت
أنا كنت عاملة بسيطة، وعرفت معنى التعب. عشان كده عمري ما هنسى الناس البسيطة.
ثم أضافت
وأكبر درس اتعلمته في حياتي إن اللي يكسر قلب إنسان مخلص، ممكن يندم العمر كله... لكن اللي يسامح ويعمل خير، هو اللي بيكسب في النهاية.
وقف الجميع يصفق لها.
أما أحمد، فنظر إلى السماء وقال في نفسه
يمكن ربنا ما كتبش إننا نكمل سوا... لكنه كتب إن أتعلم منها معنى الوفاء، وأقضي باقي عمري أحاول أصلح اللي أقدر أصلحه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح أحمد يخصص جزءًا من راتبه كل شهر لمساعدة طالب أو أسرة محتاجة، وكان كلما سأله أحد عن السبب، يجيب
لأن الخير اللي اتعلمته من إنسانة عظيمة، لازم يفضل مكمل حتى بعد ما انتهت قصتنا.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن أثرها ظل يعيش في قلوب كل من سمعها. بعد عشر سنوات...
في الاحتفال السنوي للمؤسسة، كانت منى تقف على المسرح تستعد لإلقاء كلمتها، وفجأة انقطعت الكهرباء لثوانٍ.
ولما رجعت، ظهر على الشاشة فيلم قصير عن بداية المؤسسة.
بدأ الفيلم بصورة قديمة... لمنى وهي خارجة من المصنع بملابس العمل، وإيديها المليانة آثار التعب.
ثم ظهرت صورة تانية لعلبة الهدية اللي كانت واقفة بيها على باب فرح أخت أحمد.
القاعة كلها سكتت.
وبعد انتهاء الفيلم، طلع أحمد على المسرح لأول مرة.
أخذ الميكروفون وقال
الناس كلها شايفة نجاح منى النهارده... لكن قليل اللي يعرف إنها بنت النجاح ده وهي بتتوجع، وبتشتغل، وبتتسامح. وأنا أكتر واحد ظلمها، وأكتر واحد اتعلم منها.
ثم أخرج
كان نفس مفتاح الشقة اللي كانت منى أهدته لأخته يوم الفرح.
قال
المفتاح ده فضل معايا عشر سنين، لأنه كان بيفكرني كل يوم إن الإنسان ممكن يخسر كنزه بإيده.
ثم نزل من على المسرح وسط تصفيق الحضور.
بعد الحفل، خرج أحمد بهدوء.
نادته منى من بعيد
يا أحمد.
التفت إليها.
قالت وهي تبتسم
أنا فخورة بيك... لأنك اتغيرت فعلًا.
رد بابتسامة هادئة
وأنا فخور إني عرفت إن الإنسان ممكن يبدأ من جديد... حتى لو خسر كل حاجة.
تصافحا في احترام.
ثم سلك كل واحد طريقه.
لم يجمعهما بيت واحد، لكن جمعهما شيء أكبر...
درس لن ينسياه أبدًا
أن الحب قد ينتهي، لكن الاحترام والوفاء يظلان أعظم ما يتركه الإنسان خلفه.
النهاية الحقيقية. بعد مرور سنوات أخرى...
كان أحمد قد شاب شعره، وأصبح من أشهر المحاسبين في العمل الخيري، بينما تحولت مؤسسة منى إلى واحدة من أكبر المؤسسات في الشرق الأوسط.
وفي صباح يوم، دخلت السكرتيرة إلى مكتب أحمد وقالت
في بنت صغيرة بره، بتقول إنها عايزة تشوفك.
استغرب، وطلب تدخل.
دخلت بنت عندها حوالي عشر سنين، شايلة حصالة صغيرة.
قالت بخجل
حضرتك الأستاذ أحمد؟
ابتسم وقال
أيوه يا حبيبتي، اتفضلي.
حطت الحصالة على المكتب وقالت
أنا كنت بجمع مصروفي عشان أشتري عجلة... بس ماما قالت إن المؤسسة محتاجة تبرعات للأطفال، وأنا حبيت أتبرع بيها.
تأثر أحمد وسألها
ومين مامتك؟
ابتسمت البنت وقالت
هي مدام منى.
بعد لحظات دخلت منى.
ابتسمت وقالت
دي بنت من الأطفال اللي المؤسسة كفلتهم وهي رضيعة بعد ما فقدت أهلها. لما كبرت أصرت تناديني ماما، وأنا مقدرتش أمنعها.
انحنى أحمد أمام الطفلة وقال
ربنا يخليكي لمامتك.
خرجت منى وهي ماسكة إيد البنت، وأحمد كان بيبتسم لأول مرة من غير أي ألم.
أدرك أن الحياة أنصفت
ومن يومها، كان كل طفل يدخل المؤسسة يجد على
متابعة القراءة