فى عزومه لكل عيله

لمحة نيوز

بأخلاقه، لا بما يملك.
ثم أضافت وهي تنظر إلى مصطفى
سامحني يا ابني.
اقترب منها مصطفى، وقبّل رأسها وقال
أنا سامحتك من يوم ما اعترفتي بغلطك... وإحنا عيلة واحدة.
امتلأ البيت بالسكينة، وشعر الجميع أن أجمل ما ورثوه لم يكن مالًا ولا عقارًا، بل قيمة عظيمة اسمها الاحترام.
وهكذا بقيت الحكاية تُحكى في كل مناسبة، لتؤكد أن الكلمة قد تجرح، لكن الاعتذار الصادق يداوي، وأن الأخلاق تظل دائمًا أغلى من أي ثروة.
النهاية الحقيقية... أن الخير الذي يزرعه الإنسان في قلوب الناس يعيش بعده لسنوات طويلة وبعد سنوات طويلة، شاب شعر مصطفى، وأصبح يمشي بخطوات أهدأ، لكن ابتسامته بقيت كما هي.
وفي يوم تكريمه بعد إحالته إلى التقاعد، اجتمع زملاؤه وأفراد أسرته في قاعة صغيرة احتفالًا بمشواره.
وقف مديره وقال
كلنا اتعلمنا من مصطفى إن النجاح مش بس أرقام وإنجازات، النجاح الحقيقي إنك تسيب سيرة طيبة وقلوب بتحبك.
ثم طلبوا من مصطفى أن يقول كلمة.
وقف وسط تصفيق الجميع، ونظر إلى زوجته، ثم إلى أمه التي جلست في الصف الأول، وإلى أولاده وأحفاده، وقال
زمان افتكرت إن أصعب حاجة في الدنيا هي الفقر... لكن اكتشفت إن الأصعب هو إن الإنسان يخسر احترامه أو يظلم غيره. ربنا كرمني بناس وقفت جنبي، وعلمني إن التسامح أقوى من الانتقام، وإن الكلمة الطيبة ممكن تغيّر حياة كاملة.
ساد الصمت، ثم دوّى التصفيق في القاعة.
بعد انتهاء الحفل، اقترب حفيده الصغير وأمسك بيده وسأله
يا جدو... إيه أغلى حاجة سبتها لولادك؟
ابتسم مصطفى، ونظر إلى أسرته التي كانت تضحك وتلتقط الصور، ثم قال
ولا جنيه... أغلى ميراث هو السمعة الطيبة.
لو الناس دعتلك بعد ما تمشي، تبقى أغنى واحد في الدنيا.
احتضنه الحفيد بقوة، بينما وقفت الجدة تنظر إليهما وعيناها تلمعان بالرضا.
وفي تلك اللحظة، شعرت العائلة كلها أن الحكاية التي بدأت بجملة جارحة، انتهت بإرث من المحبة والاحترام لن يندثر أبدًا.
وهكذا بقي اسم مصطفى يتردد في العائلة كلما أراد أحدهم أن يعلّم أبناءه معنى الرجولة الحقيقية، فيقول
خليك زي مصطفى... ارفع الناس بأخلاقك، ولا تقلل من حد أبدًا.
وما زالت الحكاية تُروى... لأن الأخلاق الجميلة لا تنتهي بنهاية قصة، بل تبدأ منها حكايات جديدة وبعد رحيل مصطفى بسنوات، لم يكن أحد يذكر حجم راتبه، ولا عدد الترقيات التي حصل عليها، ولا حتى البيت الذي عاش فيه.
لكن الجميع كان يذكر موقفًا واحدًا...
ذلك اليوم الذي وقف فيه رجل بسيط، اختار أن يحافظ على كرامته وكرامة غيره، دون أن يرفع صوته أو يهين أحدًا.
وفي إحدى الجلسات العائلية، كان أحفاده يجلسون حول جدتهم، فسألها أصغرهم
هو صحيح جدو كان مشهور في الشغل؟
ابتسمت وقالت
كان مشهور في القلوب قبل أي مكان.
ثم فتحت درجًا قديمًا، وأخرجت صورة باهتة التقطت في سبوع ابنها قبل عشرات السنين.
أشارت إلى مصطفى في الصورة وقالت
شايفين الابتسامة دي؟ دي كانت أغلى من أي ثروة.
أخذ الحفيد الصورة، وقلبها من الخلف، فوجد بخط يد جده جملة قصيرة كتبها منذ سنوات
إذا خُيِّرت يومًا بين أن تكسب المال أو تكسب احترام الناس... فاختر الاحترام، لأنه الرصيد الوحيد الذي يبقى معك حتى بعد أن ترحل.
ساد الصمت، ثم قبّل الحفيد الصورة ووضعها في إطار جديد، وعلّقها في صدر البيت.
ومن يومها، صار كل ضيف
يدخل المنزل يقرأ تلك الكلمات، ويسأل عن صاحبها.
فتبتسم الأسرة كلها، وتقول بفخر
ده مصطفى... الرجل اللي علّمنا إن الأخلاق أغلى من المال، وإن الكرامة لا تُشترى، وإن الإنسان يُخلَّد بسيرته الطيبة، لا بما يملكه.
وهكذا لم تعد قصة مصطفى مجرد ذكرى داخل العائلة، بل أصبحت ميراثًا من القيم، ينتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن الأبناء إلى الأحفاد، ليبقى الدرس خالدًا
قد ينسى الناس ما قلته، وقد ينسون ما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلتهم يشعرون باحترامهم وكرامتهم.
تمت... لكن أثرها لا ينتهي وفي كل عام، في نفس اليوم الذي جمعتهم فيه تلك العزومة القديمة، كانت العائلة تحرص على اللقاء.
لكن هذه المرة، لم يكن اللقاء من أجل الطعام، بل من أجل شيء أهم... أن يتذكروا الدرس الذي غيّر حياتهم.
وقف أكبر أحفاد مصطفى وقال
إحنا قررنا من السنة دي نعمل حاجة كان جدو أكيد هيفرح بيها.
سأله الجميع في فضول
إيه هي؟
ابتسم وقال
هنعمل صندوق باسم جدو مصطفى، أي حد من العيلة يمر بضيق أو أزمة، الصندوق يقف جنبه من غير ما يحس بإحراج، ومن غير ما حد يعايره أو يمنّ عليه.
ساد الصمت للحظات، ثم امتلأت العيون بالدموع.
قالت الجدة وهي تمسح دموعها
هو ده بالضبط اللي كان نفسه فيه... إن الناس تسند بعض بمحبة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يخرج أحد من العائلة محتاجًا إلا ووجد من يمد له يده في هدوء، دون تصوير، ودون حديث، ودون انتظار شكر.
وبمرور السنوات، كبرت العائلة، وتفرعت بيوت كثيرة، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا...
كل طفل يولد في هذه العائلة، كان يسمع الحكاية نفسها وهو صغير.
حكاية رجل لم يكن أغنى الناس، لكنه
كان أغنى الناس خُلقًا.
ورجل أثبت أن كلمة طيبة، وموقفًا كريمًا، قد يغيران قلوبًا أكثر مما تغيره الأموال.
ولهذا، كلما سأل أحد عن سر ترابط هذه العائلة رغم اختلاف ظروفها، كانت الإجابة دائمًا
لأننا ورثنا من مصطفى احترام الإنسان قبل أي شيء.
وهكذا بقيت سيرته صدقةً جارية في القلوب، لا تنقطع، ما دام هناك من يروي حكايته، ويعمل بالقيم التي عاش من أجلها.
رحل مصطفى يومًا، لكن أخلاقه بقيت حيّة في كل بيت، وفي كل قلب عرفه وفي مساء هادئ، اجتمعت العائلة كلها في البيت الذي شهد بداية الحكاية ونهايتها.
نظرت الأم إلى أبنائها وأحفادها وقالت
زمان، بكلمة واحدة، كنت هخسر إنسانًا من أنبل الناس... لكن ربنا رحمنا، واداني فرصة أصلح غلطي. أوعوا يومًا تكسروا خاطر حد، لأن الكلمة ممكن تعيش في قلب صاحبها عمر كامل.
أمسك مصطفى بيد زوجته، ونظر إلى أولاده وأحفاده بابتسامة رضا، وقال
لو سألتوني إيه أكبر إنجاز حققته في حياتي، مش هقول شغل ولا فلوس ولا بيت. أكبر إنجاز إن ولادي اتربوا على احترام الناس، وإن عيلتنا بقت تعرف إن الكرامة لا تُشترى، وإن الاعتذار لا يقلل من صاحبه، بل يرفعه.
ساد الصمت، ثم تعانق الجميع، وقد اختفت من بينهم كل مشاعر الكبر والتفرقة التي كانت يومًا سببًا في الألم.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد جملة فقير القوم خادمهم تُقال للسخرية من أحد، بل أصبحت تُذكر فقط لتروي كيف استطاع رجل بأخلاقه وصبره أن يحوّل موقفًا مؤلمًا إلى درسٍ غيّر عائلة بأكملها.
وهكذا انتهت الحكاية، لكنها تركت وراءها حقيقة لا يغيّرها الزمن
قد يمنحك المال مكانة، لكن الأخلاق وحدها تمنحك محبة الناس. وقد
ينسى الناس ما تملكه، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف عاملتهم.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط