طول عمر بقلم أمانى سيد
المحتويات
وبين هدى بدأت تتغير، لكن مش بسهولة.
كل يوم كنت بحاول أصلح غلطة من الغلطات اللي عملتها.
بقيت أول واحد يشكرها على تعبها قدام الأولاد، وأول واحد يعتذر لو غلط.
لكن هي... كانت محترمة، هادئة، إنما الحاجز اللي بينا لسه موجود.
وفي يوم، ابني الصغير دخل الأوضة وقال
بابا... هو ماما فعلاً كانت أقل منك زي ما كنت بتقول؟
الكلمة نزلت على قلبي كالصاعقة.
بصيت لهدى، لقيتها ساكتة، وعينيها مليانة وجع.
قعدت على ركبتي قدام ابني وقلت
لا يا حبيبي... أنا اللي كنت غلطان. مامتك أحسن واحدة قابلتها في حياتي، وهي اللي علمتني يعني إيه احترام وصبر.
الولد جري حضن أمه وقال أنا فخور بيكي يا ماما.
أول مرة أشوف دموع هدى تنزل... لكنها كانت دموع ارتياح.
بعدها بأيام، كان عندنا عزومة عائلية.
صفاء كانت موجودة، وأول ما شافت هدى قالت بابتسامة ساخرة
ها... بقيتي موظفة يعني؟ خلاص بقيتي من مستوانا؟
قبل ما هدى ترد، وقفت أنا.
قلت بصوت سمعه كل اللي قاعدين
مستوى هدى أعلى من أي حد بيقلل من الناس. هي عمرها ما احتاجت شهادة علشان تثبت قيمتها، لكن إحنا اللي احتجنا درس منها في الأخلاق.
المكان كله سكت.
صفاء احمر وشها وقالت إنت بتكلمني أنا؟
قلت أيوه. ومن النهارده أي كلمة تقلل من مراتي، هتكون آخر مرة نجتمع فيها. صلة الرحم عمرها ما كانت معناها نقبل الظلم.
العيلة كلها بصت لصفاء، ولأول مرة محدش ضحك على كلامها، ومحدش ساندها.
أما هدى... فاكتفت إنها تبصلي نظرة مختلفة.
نظرة فيها تقدير... لكن لسه فيها حذر.
وفي طريق الرجوع، قالتلي
أنا مش هرجع أثق بسهولة.
ابتسمت وقلت
وأنا مش مستعجل. الثقة اللي اتكسرت في سنين، طبيعي ترجع في سنين.
ابتسمت لأول مرة من قلبها، ومسكت إيدي بهدوء.
وساعتها فهمت إن الحب الحقيقي مش إنك تحس إنك أفضل من اللي معاك...
الحب الحقيقي
كانت هدى واقفة على المسرح في حفل تكريم بالشركة اللي اشتغلت فيها، بعد ما بقت من أنجح المشرفين على فريقها.
أنا كنت قاعد في الصف الأول، والولاد جنبي بيصفقوا بكل فخر.
المذيع قال وراء كل إنجاز رحلة طويلة من الصبر والإصرار.
طلعت هدى تمسك الميكروفون.
بصت للحضور، وبعدين بصت ناحيتي.
وقالت
في ناس بتنجح لأن الطريق كان سهل... وناس بتنجح لأنها اضطرت تثبت لنفسها إن كلام الناس مش حقيقة.
سكتت لحظة، ثم كملت
أنا بشكر كل حد دعمني... وبشكر كمان كل حد حاول يقلل مني، لأنه خلاني أعرف قيمتي.
القاعة كلها صفقت.
أما أنا... فكنت أول واحد واقف بيصفقلها، ودموعي نازلة من غير ما أحس.
بعد الحفل، وإحنا خارجين، جريت بنتي عليها وقالت
ماما... أنا لما أكبر عايزة أبقى زيك.
حضنتها هدى وقالت
لا يا حبيبتي... ابقي أحسن مني. ومتسمحيش لحد في يوم يقنعك إنك أقل من أي إنسان.
الكلمة دي دخلت قلبي قبل ما تدخل قلب بنتي.
بعد كام أسبوع، صفاء اتصلت.
صوتها كان مكسور.
قالت ممكن أقابلكم؟
وافقت هدى قبل حتى ما ترد عليا.
لما جت، كانت مختلفة تمامًا.
وشها باين عليه التعب، وقالت وهي بتبكي
أنا خسرت شغلي... وخطيبي سابني بعد ما الشركة قفلت. ولما احتجت الناس، محدش وقف جنبي.
بصت لهدى بخجل وقالت
أنا ظلمتك... وآذيتك سنين. سامحيني لو تقدري.
سكتت هدى لحظات.
ثم قامت، وحضنتها.
وقالت
المسامحة مش معناها إني نسيت اللي حصل... لكنها معناها إني مش هخلي الوجع يخليني نسخة من اللي وجعني.
صفاء انفجرت في البكاء.
وأنا واقف أتفرج، أدركت إن القوة الحقيقية ما كانتش في منصبي ولا مرتبي...
كانت في قلب
ومن يومها، بقى في قانون في بيتنا كلنا حافظينه
محدش فينا يقلل من حد... لأن الكرامة رزق، والاحترام عبادة، والكلمة الطيبة ممكن تبني إنسان، والكلمة الجارحة ممكن تهده.
تمت بعد خمس سنين...
في يوم عيد جوازنا، كنت أنا اللي مجهز المفاجأة.
جمعت ولادنا، وأهلي، وحتى صفاء بعد ما اتغيرت فعلاً، وعزمناهم كلهم على العشا.
بعد الأكل، طلبت الميكروفون.
كل الناس استغربت.
بصيت لهدى وقلت
زمان كنت فاكر إني لما أقول إني أنا السبب في كل اللي هي فيه، أبقى برفع من نفسي. لكن الحقيقة إني كنت بصغر نفسي.
القاعة سكتت.
كملت
أنا أهنت الإنسانة الوحيدة اللي وقفت جنبي في أصعب أيام حياتي، وافتكرت إن الفلوس والشهادة يدوني الحق أقلل منها. النهارده، قدام كل الناس اللي سمعت مني كلمة جرحتها، أنا بعتذر لها قدامهم.
قمت من مكاني، وسلمتها علبة صغيرة.
فتحتها، لقت فيها خاتم جديد، ومن جوّه ورقة مطوية.
قرأتها، ودموعها نزلت.
كان مكتوب فيها
شكرًا لأنك ما استسلمتيش للكلام اللي حاول يقنعك إنك أقل. أنتِ شريكة عمري، وأم أولادي، وأكبر نعمة ربنا رزقني بيها.
هدى بصتلي وقالت بابتسامة
النهارده بس حسيت إن الاعتذار وصل.
صفق كل اللي موجودين.
حتى صفاء قامت وقالت
أنا كمان مدينة لهدى باعتذار.
وقفت قدامها وقالت
سامحيني... كنت بغار منك، لأن أخويا كان بيحبك وواقف في ضهرك، وأنا كنت فاكرة إن التقليل منك هيخليني أكبر. لكن اكتشفت إن اللي بيصغر غيره... هو أول واحد بيصغر في نظر الناس.
هدى ابتسمت ومدت إيدها.
وقالت
كلنا بنغلط... المهم نتعلم.
في طريق رجوعنا، وإحنا راكبين العربية، مسكت إيد هدى.
قلت
لو الزمن رجع بيا، هختارك ألف مرة... لكن المرة دي هختارك باحترام من أول يوم.
ابتسمت وقالت
وأنا هقبلك... بس
ضحكت وقلت
إيه هو؟
قالت وهي تبتسم
متخليش أي حد يدخل بينا تاني... ولا حتى أقرب الناس.
هزيت راسي وقلت
وعد.
وأنا سايق، بصيت في المراية على ولادي وهم نايمين في الكنبة الخلفية، وحسيت إن البيت اللي كان هيضيع بسبب الكبر والمقارنات، ربنا كتبلنا له عمر جديد... لأن الحب الحقيقي لا يعيش إلا بالاحترام، ولا يدوم إلا عندما يحمي الزوجان كرامة بعضهما أمام الجميع.
النهاية بعد عشر سنين...
بقينا أنا وهدى قاعدين في جنينة بيتنا نشرب الشاي بعد ما الولاد كبروا.
ابني الكبير، آدم، دخل علينا وقال
بابا... أنا عايز أخطب.
فرحت جدًا، وقلت مين البنت؟
ابتسم وقال اسمها مريم... بسيطة، وبتشتغل معلمة، وأهلها على قد حالهم.
بصيت لهدى، وابتسمنا.
لكن قبل ما أتكلم، آدم قال
بس يا بابا... في واحد صاحبي قالي إنت مهندس وابنك من عيلة كبيرة، ليه تاخد بنت أقل منكم؟
حسيت إن الزمن رجع بيا سنين.
قمت من مكاني، وحطيت إيدي على كتفه.
وقلت
اسمع مني يا ابني... أكبر غلطة عملتها في حياتي إني صدقت إن قيمة الإنسان في شهادته أو فلوسه أو اسم عيلته. دفعت تمن الغلطة دي سنين من عمري.
وبصيت لهدى وقلت
أمك هي اللي علمتني الدرس ده.
هدى ابتسمت في هدوء.
بعد أسبوع، رحنا نتقدم لمريم.
دخلنا بيتهم.
بيت بسيط جدًا... لكنه مليان احترام ودفا.
أبوها قال وهو محرج
إحنا إمكانياتنا بسيطة.
ابتسمت وأنا رديت
إحنا جايين نطلب بنتكم... مش جايين نقيم ممتلكاتكم.
شوفت الفرحة في عينيه.
ولما خرجنا، هدى همستلي
أنا فخورة بيك.
ابتسمت وقلت
أنا كل يوم بحاول أبقى الشخص اللي كنتِ تستحقيه من أول يوم.
وفي فرح آدم، وقبل كتب الكتاب، طلب مني المأذون أقول كلمة.
وقفت قدام الناس كلهم وقلت
النهارده عندي نصيحة واحدة لأي زوج أو زوجة... أوعوا تسمحوا لأي حد يقنعكم إن شريك حياتكم أقل
الناس كلها صفقت.
ولما بصيت لهدى،
متابعة القراءة