جوزي طيار

لمحة نيوز

اللحظة دي، بدأت الألعاب النارية تنور السما من برا، وانعكس نورها على شباك البيت.
وقفنا جنب بعض نتفرج عليها في صمت.
كان صمت مليان امتنان... بعد رحلة بدأت بمفاجأة على متن طائرة، وانتهت عند باب بيت اتبنى على وعد اتكتب من 12 سنة، واتحقق خطوة بخطوة، من غير ما واحد فيهم يفقد ثقته في التاني بعد ما خلصت الألعاب النارية، فضلنا واقفين في البلكونة، وكل واحد فينا ساكت.
الصمت المرة دي كان مريح.
بصيت لشريف وقلت بابتسامة
عارف؟ أنا كنت داخلة الطيارة وأنا متأكدة إني أنا اللي هفاجئك.
ضحك وقال
وأنا من أول ما شفت اسمك في كشف الركاب، عرفت إن لازم أغيّر الخطة كلها.
هززت راسي.
يبقى كنت بتمثل طول الرحلة؟
قال وهو يضحك
بصراحة... أصعب حاجة بالنسبة لطيار إنه يفضل مركز في الرحلة، وفي نفس الوقت نفسه يبص كل شوية على زوجته اللي قاعدة في الصف 14C.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
دخلنا البيت تاني، ولاحظت إن في أوضة مقفولة في آخر الممر.
بابها كان مختلف عن باقي الأبواب.
قلت
دي إيه؟
ابتسم وقال
دي أوضة لسه مفتحناهاش.
بصيتله باستغراب.
هو إنت مخبيلي مفاجآت بعدد أوض البيت؟
قال وهو يناولني آخر مفتاح كان معاه
دي آخر واحدة فعلًا.
قربت من الباب، وفتحته.
كانت مكتبة صغيرة، فيها رفوف مليانة كتب، وركنة قراءة، ومكتب خشب بسيط.
لكن اللي شد انتباهي أكتر...
صورة كبيرة متعلقة على الحائط.
صورتنا يوم كتب الكتاب.
وتحتها لوحة مكتوب عليها بخط جميل
البيت مش بيتبني بالطوب... البيت بيتبني بالمودة.
لفيت أبص لشريف.
قال
كل ما كنت أسافر، كنت برجع أحط حاجة في البيت ده. كتاب، صورة، قطعة أثاث... كنت ببنيه وإحنا لسه ساكنين في شقتنا القديمة، عشان لما يجي اليوم ده، تحسي إن كل ركن فيه جزء من عمرنا.
قعدنا على الأريكة الصغيرة.
وبدأنا نفتح صندوقًا آخر كان في المكتبة.
الصندوق كان مليان صور مطبوعة.
كل صورة وراها تاريخ، وتعليق بخط شريف.
صورة لأول أكلة عملتها وحَرَقْتها، وكتب وراها
طعمها كان أجمل من أي أكلة في مطعم، لأنها كانت معمولة بحب.
وصورة لأول عربية اشتريناها، وكتب
مكنتش فخمة... لكنها كانت شاهدة على بداية الطريق.
وصورة لأول رحلة بعد الجواز.
ولما وصلنا لآخر صورة...
كانت صورة من كاميرات المطار.
أنا واقفة ورا العمود، مستخبّية،
وببص عليه وهو واقف مع مساعده قبل الرحلة.
ضحكت بصوت عالي.
إنت كنت شايفني!
ضحك وقال
شايفك من أول ما دخلتي الصالة... لكن قلت أسيبك تكملي المفاجأة اللي تعبتي فيها.
ضربته بخفة في كتفه وأنا بضحك.
يعني كنت بستخبى على الفاضي!
رد بابتسامة
أبدًا... كنتِ أحلى مفاجأة شفتها في عيد جوازنا.
ثم مد إيده، مسك إيدي، وقال
وعد جديد؟
ابتسمت وسألته
إيه هو؟
قال
مهما زادت المسؤوليات، ومهما أخدنا الشغل، نفضل كل سنة نعمل ذكرى جديدة... مش لازم تكون كبيرة، المهم نعيشها مع بعض.
شددت على إيده، وقلت
وعد.
وفي اللحظة دي، حسيت إن أجمل هدية في الليلة دي ما كانتش البيت، ولا المفاجآت، ولا الرسائل...
كانت إن بعد 12 سنة، لسه كل واحد فينا قادر يفاجئ التاني، ويخليه يحس إنه أول حب... وأغلى رفيق عمر في صباح اليوم التالي، صحيت على ريحة القهوة.
فتحت عيني ببطء، وللحظة افتكرت إن كل اللي حصل امبارح كان حلم.
لكن أول ما بصيت من الشباك، لقيت الجنينة الصغيرة، والأرجوحة الخشب، والورد الأبيض اللي كان مزروع على الجانبين.
ابتسمت.
يبقى ده بقى بيتنا فعلًا.
خرجت من الأوضة، لقيت شريف واقف في المطبخ، لابس مريلة المطبخ فوق هدومه، وبيحاول يقلب بان كيك.
أول ما شافني قال بثقة
الفطار جاهز.
بصيت على الطاسة... ولقيت أول قطعة متفحمة تمامًا.
انفجرت من الضحك.
قلت
واضح إنك لسه محتاج تدريب.
رد وهو بيضحك
أهو عشان تفتكري أول أكلة عملتيها.
قعدنا نفطر سوا، وكل شوية نبص في البيت حوالينا وكأننا بنكتشفه لأول مرة.
بعد الفطار، رن جرس الباب.
استغربنا.
إحنا لسه محدش يعرف إننا هنا.
فتح شريف الباب.
كان عامل توصيل واقف، ومعاه صندوق خشبي صغير.
قال
الكابتن شريف؟
أيوه.
دي أمانة اتطلب مني أوصلها النهارده الساعة تسعة الصبح بالظبط.
استلم الصندوق، وقفل الباب.
بصينا لبعض باستغراب.
قال
أنا ما طلبتش حاجة.
حط الصندوق على السفرة.
كان مقفول بقفل صغير، لكن المفتاح كان متثبت بشريط في الغطا.
فتحناه.
لقينا جواه ظرف واحد.
مكتوب عليه
يفتح بعد أول ليلة في بيت الوعد.
بصيت لشريف.
إنت متأكد إن دي مش واحدة من مفاجآتك؟
هز راسه.
أقسم بالله أول مرة أشوفه.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ورقة، وصورة قديمة بالأبيض والأسود.
الصورة كانت لراجل كبير وست كبيرة
واقفين قدام بيت ريفي بسيط.
وفي ضهر الصورة مكتوب
إلى أول اتنين هيسكنوا البيت بعد ما يرجع للحياة... حافظوا عليه، لأنه اتبنى على حلم، زي أي بيت سعيد.
سألت شريف
مين دول؟
ابتسم وقال
لما اشتريت الأرض، عرفت إن كان عليها بيت قديم جدًا، اتهد من سنين. واضح إن المالك السابق كان سايب الصندوق عند المحامي، وطلب إنه يتسلم لأي أسرة تبدأ حياة جديدة هنا.
قلبنا الورقة.
كان فيها رسالة قصيرة
لو أنتم بتقرأوا الرسالة دي، فأنتم محظوظين... لأن البيت الحقيقي مش اللي سقفه يحميكم من المطر، لكن اللي قلوبكم تحمي بعضها فيه وقت الشدة.
سكتنا لحظات.
وبعدين شريف طوى الرسالة بعناية، وحطها في إطار صغير على الرف.
وقال
دي أول حاجة هتتعلق في بيتنا.
وافقت وأنا مبتسمة.
وفي اللحظة دي، أدركت إن بعض البيوت بتبدأ بالطوب والإسمنت...
لكن البيت اللي يعيش طويلًا، بيبدأ بكلمة صادقة، ووعد بيتجدد كل يوم، وقلوب بتختار بعضها من جديد، مهما عدت السنين مرت أسابيع، والحياة في بيت الوعد بدأت تاخد شكلها الطبيعي.
شريف يرجع من رحلاته، وأنا أكون مستنياه في الجنينة بكوباية شاي، نحكي لبعض عن يومنا، ونضحك على المواقف الصغيرة اللي زمان كانت بتعدي من غير ما ناخد بالنا منها.
وفي كل مرة كان يسافر، كان يسيبلي ورقة صغيرة في مكان مختلف.
مرة جوه كتاب بقرأه.
ومرة تحت فنجان القهوة.
ومرة لزقتها على باب التلاجة، ومكتوب فيها
لو رجعتي من شغلك قبلي... افتحي الشباك. نفسي أول نسمة هوا تدخل البيت تكون وإنتِ فيه.
البيت بقى مليان تفاصيل شبهنا.
لكن في يوم، وأنا بنضف المكتبة، لقيت درجًا صغيرًا كنت فاكرة إنه فاضي.
فتحته.
كان فيه دفتر جلده بني، وعلى الغلاف مكتوب
أحلامنا القادمة.
فتحته.
أول صفحة كانت بخط شريف
أي حلم يتحقق... نكتب جنبه علامة صح. وأي حلم لسه مستني... نسيبه هنا لحد ما ييجي وقته.
قلبت الصفحات.
لقيت أحلام بسيطة جدًا.
رحلة بالقطار في الصعيد. 
نتعلم نزرع شجرة فاكهة. 
نقضي يوم كامل من غير موبايلات. 
نرجع نزور أول شقة عشنا فيها. 
ضحكت وأنا بقلب الصفحات.
لكن آخر صفحة خلتني أسكت.
كان مكتوب فيها
في عيد جوازنا الخامس عشر... نفتح الدفتر ده تاني، ونشوف كام حلم عشنا فعلاً.
قفلت الدفتر وأنا مبتسمة.
في نفس
اللحظة، دخل شريف من الباب وهو شايل شتلة ياسمين.
قال وهو يرفعها قدامي
فاكرة إنك كنتِ نفسك في ياسمينة عند باب البيت؟
ضحكت.
إنت فاكر كل كلمة قلتها؟
رد بابتسامة
يمكن أنسى مواعيد مباريات الكورة... لكن أنسى أمنية ليكي؟ مستحيل.
خرجنا سوا للجنينة.
حفر حفرة صغيرة، وناولني الشتلة.
وقال
إنتِ ازرعيها.
غرستها بإيدي، وهو بدأ يردم التراب حواليها.
ولما خلصنا، وقفنا نبص لها.
قال بهدوء
الشجرة دي هتكبر سنة بعد سنة... وكل عيد جواز هنقيس طولها.
ابتسمت وأنا ماسكة إيده.
وقلت
ولما تبقى كبيرة، هنقعد تحتها ونحكي لأولادنا وأحفادنا حكاية الطيارة... والبيت... والرسائل.
ابتسم شريف، وضغط على إيدي برفق.
وساعتها هنعرف إن أجمل رحلة في حياتي... ما كانتش في السماء.
بصيتله باستغراب.
ابتسم وأكمل
كانت من أول يوم مسكت فيه إيدك... ولسه الرحلة مكملة مرّت الشهور بسرعة، وبقى بيت الوعد مليان حياة.
الياسمينة اللي زرعناها كبرت، وبدأت أول زهورها البيضاء تطلع مع أول نسمة ربيع.
وفي كل مرة كان شريف يسافر، كان قبل ما يخرج يلمس الياسمينة ويقول ضاحكًا
خلي بالكِ منها... دي شاهدة على كل وعودنا.
وأول ما يرجع، أول حاجة يعملها إنه يروح يبص عليها.
في يوم إجازة، كنا قاعدين في الجنينة نشرب الشاي، وفجأة قال
إيه رأيك نعمل عادة جديدة؟
سألته
زي إيه؟
قال
كل عيد جواز، نكتب رسالة لبعض، ونحطها في الصندوق اللي في المكتبة، وممنوع حد يقرأها إلا بعد خمس سنين.
ضحكت.
يعني هنبعت رسايل لنفسنا في المستقبل؟
قال
بالظبط... عشان نفتكر إحنا كنا بنحلم بإيه، ونشوف حققنا منه كام حاجة.
أعجبتني الفكرة.
دخلنا المكتبة، وكل واحد قعد في ركن وبدأ يكتب.
كنت كل شوية أبصله، وهو يخبّي الورقة بإيده ويضحك.
بعد حوالي نص ساعة، خلصنا.
حطينا الرسالتين في ظرف واحد، وكتبنا عليه
يُفتح في عيد جوازنا السابع عشر.
وقفلناه، وحطيناه في آخر الصندوق.
وأول ما قفلنا الغطا، رن جرس الباب.
فتح شريف.
كان ساعي البريد.
ناولنا ظرفًا أنيقًا، وقال
دعوة لحضور احتفال.
فتحنا الظرف.
كان من شركة الطيران.
دعوة لتكريم شريف بعد سنوات طويلة من الطيران، تقديرًا لالتزامه وسجله المهني المميز.
بصيتله بفخر.
قلت
أنا أول واحدة هتكون موجودة.
ابتسم وقال
بس المرة دي... متحجزيش
تذكرة في السر.
ضحكت من قلبي.
أوعدك.
لكن جوايا كنت بفكر...
إن المفاجآت الجميلة عمرها ما كانت في التذاكر، ولا في الهدايا، ولا حتى في البيوت.
كانت في إن كل يوم جديد، كنا بنختار نكمل الرحلة مع بعض بنفس
تم نسخ الرابط