مديرة المطعم

لمحة نيوز

على الترابيزة.
ولعت ليلى الشمعة وهي بتهمس كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما...
والمطعم كله، عاملين وزباين، شاركوها اللحظة في صمت واحترام.
ومن يومها...
اتغيرت سياسة المكان بالكامل.
بقى أي زبون يدخل يُعامل باحترام، مهما كان شكله أو لبسه.
واتعلقت عند باب المطعم لافتة صغيرة مكتوب عليها
الكرامة لا تُقاس بالملابس... والاحترام يُقدَّم للجميع.
النهاية تكملة ما بعد النهاية
بعد مرور ستة أشهر...
المطعم بقى مختلف تمامًا.
الابتسامة بقت أول حاجة تستقبل أي زبون.
والعاملين بقوا يشتغلوا وهم مرتاحين، بعد ما اتعمل نظام واضح للبقشيش والمرتبات، وكل واحد بقى عارف حقه.
منى كانت لسه بتلبس المريلة أوقات الزحمة، رغم إنها بقت مديرة.
وكانت تقول دايمًا
المدير اللي ينسى شغله الأول... عمره ما هيحس باللي بيشتغلوا معاه.
وفي يوم...
دخل راجل كبير في السن، هدومه بسيطة جدًا، وكان باين عليه التعب.
أول ما شافته منى، قامت بنفسها تستقبله.
وقالت بابتسامة
اتفضل يا حاج... نورت المكان.
الراجل استغرب وقال
إنتِ مش هتبصيلي باستغراب؟
ضحكت منى وقالت
إحنا بقينا نبص للوشوش... مش للهدوم.
كان سليم واقف بعيد، بيتابع الموقف.
ابتسم في هدوء.
ولما الراجل خلص أكله، عرف الجميع إنه مدرس معاش، وكان جاي يحتفل بأول معاش قبضه بعد ما خلص ديونه.
سليم قال للعاملين
شايفين؟
لو كنا حكمنا عليه من شكله، كنا خسرنا إنسان محترم.
وفي آخر اليوم...
ليلى جريت على أبوها وهي شايلة الأرنب القديم.
وقالت
بابا.
.. ماما هتكون فرحانة بينا؟
ركع سليم قدامها، ومسح دمعة نزلت من عينه.
وقال
أكيد يا حبيبتي.
لأنها كانت دايمًا تقول إن قيمة الإنسان في قلبه... مش في هدومه.
حضنته ليلى بقوة.
ومن بعيد...
كانت منى بتبص للمشهد وهي مبتسمة.
وعرفت إن اليوم اللي قررت فيه تساعد أبًا وابنته تحت المطر، رغم خوفها على شغلها...
كان اليوم اللي غيّر حياتها وحياة ناس كتير.
تمت بعد سنة كاملة...
المطعم كان بيحتفل بمرور عام على تغيير الإدارة.
صور العاملين كانت معلقة على الحائط، بدل صور المشاهير.
وفي منتصف القاعة، اتعلقت لوحة كبيرة مكتوب عليها
الاحترام أول خدمة بنقدمها.
في الحفل، وقف سليم وقال
أنا كنت فاكر إن أكبر مشكلة عندي هي الخسائر.
لكن اكتشفت إن أكبر خسارة كانت الناس اللي كانت بتسيب الشغل وهي مكسورة.
العاملين سقفوا بحرارة.
وفجأة...
أحد المحامين دخل القاعة بسرعة.
وقال
أستاذ سليم... في حد برا مُصر يقابلك.
خرج سليم.
لقى ست كبيرة في السن، لابسة جلابية بسيطة، وسندة على عصاية.
أول ما شافته قالت
إنت سليم؟
أنا أم هالة.
سليم سكت، واستناها تكمل.
قالت وهي عينيها مليانة دموع
بنتي غلطت... وغلطها كبير.
لكن بعد اللي حصل، محدش رضي يشغلها.
باعت دهبها، وباعت عربيتها، ولسه عليها ديون.
أنا مش جاية أطلب منك ترجعها.
أنا جاية أطلب منك... تسامحها.
سليم فضل ساكت كام ثانية.
ثم قال
فين هالة؟
ردت الأم
برا... ومستحية تدخل.
خرج سليم.
لقى هالة واقفة بعيد، هدومها بسيطة جدًا، وملامحها
اتغيرت.
أول ما شافته، نزلت عينيها في الأرض.
وقالت بصوت مكسور
أنا استحق كل اللي حصلي.
بس كل يوم بفتكر البنت الصغيرة وهي بردانة... وبفتكر إني كنت السبب.
وأتمنى لو الزمن يرجع.
سليم قال بهدوء
الزمن مش بيرجع.
لكن الإنسان يقدر يتغير.
مد لها ظرفًا صغيرًا.
فتحت الظرف، لقت فيه عنوان جمعية خيرية تابعة للمطعم.
قال
هناك محتاجين حد ينظم شغل المتطوعين.
المرتب بسيط.
ولو أثبتي إنك اتغيرتي، هتقدري تبني حياتك من جديد.
هالة انفجرت في البكاء.
وقالت
شكرًا... على الفرصة.
رد سليم
أنا مسامحك لنفسي... مش علشان أنسى اللي حصل.
بعد شهور...
بدأت هالة تشتغل في الجمعية.
وكان أول قرار أخدته...
إن أي شخص يدخل يطلب وجبة، مهما كان شكله، يتعامل بكل احترام.
وفي أحد الأيام...
دخل رجل فقير مع ابنه الصغير.
ابتسمت هالة، وقدمت لهم الطعام بنفسها.
ولما الطفل شكرها...
افتكرت ليلى تحت المطر.
وفهمت الدرس متأخر...
لكن قبل فوات الأوان.
أما سليم، فكان واقف من بعيد يراقب المشهد، وابتسم وهو يتمتم
العدل بيعاقب... لكن الرحمة هي اللي بتغيّر البشر.
النهاية الحقيقية بعد خمس سنوات...
كبرت ليلى، وبقى عندها عشر سنين.
وفي كل سنة، في نفس اليوم، كانت هي وأبوها يجيبوا تورتة فانيليا صغيرة، ويولعوا شمعة واحدة، ويقعدوا على نفس الترابيزة.
مش علشان يحتفلوا...
لكن علشان يفتكروا.
وفي السنة دي، وقبل ما يولعوا الشمعة، ليلى قالت
بابا... ينفع النهارده نعزم حد يشاركنا؟
ابتسم سليم وقال
مين؟

أشارت ناحية الباب.
كانت منى داخلة ومعاها بنت صغيرة يتيمة من دار رعاية الأطفال، لابسة فستان بسيط، وباين عليها التوتر.
جريت ليلى مسكت إيدها وقالت
تعالي... النهارده مش هنبقى لوحدنا.
البنت ابتسمت لأول مرة من ساعات.
قعدوا كلهم حوالين الترابيزة.
ولما ولعوا الشمعة، قالت ليلى
ماما كانت بتحب الخير، صح يا بابا؟
رد سليم وهو بيبص للسقف
كانت تقول إن أجمل هدية لروح أي إنسان... إنك تفرّح قلب حد تاني.
في اللحظة دي...
دخل راجل أنيق، لابس بدلة غالية، ومعاه أسرته.
ولما عرف إن كل الطاولات مشغولة، لمح الترابيزة اللي عليها سليم.
قرب وقال بأدب
لو تسمحوا، ممكن أقعد معاكم؟
ابتسم سليم وقال
أكيد... المكان يسع الجميع.
قعد الراجل، وبعد الأكل قال وهو مبتسم
أنا زرت مطاعم كتير في حياتي.
لكن أول مرة أحس إن المكان بيقدم احترام قبل الأكل.
ابتسمت منى وقالت
ده وعد أخدناه على نفسنا من خمس سنين.
خرجت الأسرة وهي سعيدة.
ولما قفل المطعم آخر اليوم، وقف سليم قدام اللافتة المعلقة عند الباب
الكرامة لا تُقاس بالملابس... والاحترام يُقدَّم للجميع.
ابتسم، وأمسك إيد ليلى.
ومشوا تحت مطر خفيف...
يشبه المطر اللي بدأ منه كل شيء.
لكن المرة دي...
ماكانش فيه خوف، ولا إهانة.
كان فيه سلام.
تمت القصة بعد عشرين عامًا...
كان اسم سلسلة المطاعم بقى معروف في كل أنحاء مصر، لكن الحاجة اللي خلت الناس تتكلم عنها أكتر من الأكل... هي الإنسانية.
وفي المدخل الرئيسي لكل فرع، كانت الجملة
نفسها مكتوبة
إذا دخلت محتاجًا للاحترام... فأنت في المكان الصحيح.
سليم بقى شعره أبيض.
وبقى يزور الفروع بهدوء، من غير ما يعرف الموظفين
تم نسخ الرابط