بعتو الجرسونه
المحتويات
قبل ما تتحرك...
الرجل لمح الحركة اللي بينهم.
وضيق عينيه.
وقال وهو بيبص لندى
إنتِ... بتفهمي لغة الإشارة؟
ندى ردت باحترام
أيوه.
ابتسم ابتسامة صغيرة...
لكنها ما طمنتش حد.
وقال
دي مهارة نادرة.
ثم رجع يبص لعاصم.
واضح إنك أخيرًا لقيت حد يعرف يتكلم معاك.
عاصم ما ردش.
بس أشار لندى تاني إنها تخرج.
خرجت بهدوء...
لكن الباب ما اتقفلش بالكامل.
ومن مكانها في الممر...
كانت شايفة جزء بسيط من الأوضة.
الرجل قعد.
وأخرج من شنطة جلد صغيرة ملفًا رماديًا سميكًا.
حطه على الترابيزة.
ودفعه ناحية عاصم.
عاصم فتح أول صفحة...
وبمجرد ما شافها...
تغيرت ملامحه.
قلب كام ورقة بسرعة.
ثم رفع رأسه.
وبص للرجل بحدة.
الرجل قال بهدوء
أنا مش جاي أهددك.
أنا جاي أحذرك.
في اللحظة دي...
موبايل عاصم اهتز.
بص في الشاشة...
وفجأة وقف مرة واحدة.
ندى من بره لاحظت إنه لأول مرة يفقد هدوءه.
رفع الموبايل قدام الرجل.
الرجل قرأ الرسالة...
واختفت الابتسامة من وشه.
قال بسرعة
إمتى حصل ده؟
عاصم كتب له ردًا على الموبايل.
الرجل قرأه...
ثم لف ناحية الباب بسرعة.
ولأول مرة...
فتح الباب بنفسه.
كانت ندى واقفة بعيد.
لكن عاصم أشار لها بإيده.
لما قربت...
كتب على هاتفه بسرعة، ووراهولها
لو حد سأل... إحنا ما اتقابلناش النهارده.
ندى استغربت.
لكنها هزت رأسها بالموافقة.
وفي نفس الثانية...
دخل أحد العاملين وهو بيجري، ووشه شاحب.
وقال بصوت متقطع
يا أستاذ شريف... في ناس بره بيسألوا عن الأستاذ عاصم... وبيقولوا إنهم من جهة رسمية.
نظر عاصم والرجل إلى بعضهما في صمت...
وكأن كل واحد منهما فهم شيئًا لم يفهمه أي شخص آخر في المطعم.
أما ندى...
فبدأت تشعر أن وجودها في هذا المكان لم يعد مجرد صدفة.
يتبع...شريف اتجمد مكانه.
جهة رسمية؟
العامل هز رأسه بسرعة.
أيوه... عربية عليها شعار رسمي، وأربع رجالة واقفين عند الباب.
منى همست بخوف
هو إحنا داخلين على حملة؟
لكن عاصم...
ما ظهرش عليه أي ارتباك.
بص لندى.
ورفع إيده بإشارة هادئة.
متقلقيش.
الغريب...
إنها صدقته.
بعد لحظات...
دخل رجل في منتصف الخمسينات.
بدلة كحلي.
ملامحه جامدة.
أخرج بطاقة تعريف من جيبه، ووراها
وقال
إحنا جايين نقابل الأستاذ عاصم الدمنهوري.
شريف بلع ريقه.
وأشار ناحية الأوضة.
الرجل دخل.
وباقي الموجودين فضلوا بره.
الباب اتقفل.
وعدت عشر دقايق...
ولا صوت.
ولا حركة.
كل اللي في المطعم كانوا واقفين مستنيين.
لحد ما الباب اتفتح.
الغريب...
إن الرجل اللي دخل بملامح صارمة...
خرج وهو بيصافح عاصم باحترام.
وقال بصوت مسموع
شكرًا على تعاونك.
ورد عاصم بابتسامة خفيفة، ثم اكتفى بهزة رأس.
المشهد ده قلب كل الإشاعات.
الناس اللي كانت بتقول إنه خارج على القانون...
بدأت تشك في كل اللي سمعته قبل كده.
بعد ما العربيات مشيت...
ندى كانت بترتب ترابيزة سبعة.
فلاحظت حاجة صغيرة تحت الكرسي.
بطاقة جلد سوداء.
واضح إنها وقعت من الملف الرمادي.
انحنت وأخدتها.
كانت مقفولة.
وقبل ما تفتحها...
سمعت صوت عاصم وراها.
كان واقف عند الباب.
بص للبطاقة...
ثم رفع إيده بالإشارة
دي بتاعتي.
ناولتهاله فورًا.
ابتسم بإمتنان.
ثم كتب على موبايله
ناس كتير كانت هتفتحها بدافع الفضول.
ندى ابتسمت وقالت بالإشارة
مش كل حاجة لقيناها تبقى من حقنا.
وقف لحظة يبصلها.
وكأنه بيفكر في الجملة.
ثم كتب
واضح إن والدك ووالدتك عرفوا يربوك كويس.
ابتسامتها اختفت للحظة.
ونزلت عينيها للأرض.
وردت بالإشارة ببطء
بابا اتوفى من سبع سنين... وماما بعدها بسنة.
عاصم سكت.
ولأول مرة...
ظهر على وشه حزن حقيقي.
كتب بسرعة
أنا آسف... ماكنتش أعرف.
هزت رأسها مبتسمة ابتسامة هادئة.
ولا يهمك.
وفي اللحظة دي...
رن تليفون المطعم.
شريف رد.
وملامحه اتغيرت فجأة.
بص ناحية ندى.
ثم قال
ندى... في واحد بيسأل عليكِ بالاسم.
ندى استغربت.
مين؟
شريف رد وهو لسه ماسك السماعة
مش راضي يقول اسمه...
بيقول بس... بلغوا ندى إن أخوها آدم خرج من الورشة من ساعة... ولسه ما رجعش البيت.
في ثانية واحدة...
اختفى الهدوء من على وش ندى.
وشحب لونها.
لأن آدم...
مهما اتأخر...
كان مستحيل يقفل موبايله...
أو يسيبها من غير رسالة.
أما عاصم...
فما إن لمح الخوف في عينيها...
حتى فهم أن الأمر ليس تأخيرًا عاديًا.
فرفع هاتفه...
وكتب رسالة سريعة إلى شخص ما...
ثم نظر إلى ندى بإشارة واحدة
هنلاقيه.
يتبع...ندى حاولت تتمالك نفسها.
لكن إيديها بدأت ترتعش.
أول حاجة عملتها...
طلعت موبايلها.
اتصلت بآدم.
مرة...
اتنين...
تلاتة...
في كل مرة...
الهاتف مغلق.
غمضت عينيها للحظة.
وهمست
مستحيل...
شريف قرب منها وقال
روحي يا ندى... وأنا هكمل شغلك.
أول مرة...
صوته كان خالي من السخرية.
يمكن لأنه شاف الخوف الحقيقي في عينيها.
ندى كانت لسه هتجري ناحية الباب...
لكن عاصم أشار لها تستنى ثانية.
فتح تطبيق الملاحظات على موبايله...
وكتب
آخر مرة كلمتيه كانت إمتى؟
كتبت بسرعة
الساعة تلاتة ونص... كان في الورشة.
كتب سؤال تاني
بيروح من أنهي طريق؟
شرحتله الطريق المعتاد.
قرأ الكلام بهدوء...
ثم ضغط زر اتصال.
بعد أقل من دقيقة...
وصله رد.
قرأ الرسالة...
وأخذ نفسًا عميقًا.
كتب لندى
فيه ناس هتدور في الطريق كله.
ندى رفعت عينيها باستغراب.
ناس؟
اكتفى بهزة رأس.
من غير أي استعراض.
ولا ذكر أسماء.
بعد عشر دقائق...
خرجت ندى من المطعم.
وعاصم خرج بعدها بخطوات هادئة.
ولأول مرة...
ركب عربية عادية جدًا.
مش عربية فارهة.
ولا فيها حراسة ظاهرة.
كأنه كان متعمد يلفت الأنظار أقل ما يمكن.
...
في نفس الوقت...
كان آدم قاعد على مقعد خشبي قدام محل صغير مقفول.
ملابسه عليها تراب خفيف.
وفي إيده كيس فيه علبة دواء.
قدامه راجل كبير في السن، شكله تعدى السبعين.
الرجل كان ماسك صدره، وبيتنفس بصعوبة.
آدم كان بيطمنه بلغة الإشارة البسيطة اللي بيعرفها.
لأن الراجل...
كان هو كمان ضعيف السمع.
آدم كان خارج من الورشة في معاده.
لكن وهو ماشي...
شاف الراجل وقع على الأرض.
والناس عدت من جنبه...
كل واحد مستعجل.
فجري عليه.
جابله الدوا من أقرب صيدلية.
وطلب إسعاف.
ولأن موبايله وقع واتكسر وقت ما كان بيسنده...
ما قدرش يتصل بأخته.
بعد دقائق...
وصلت سيارة الإسعاف.
والراجل قبل ما يركب...
مسك إيد آدم.
وابتسم له بابتنان.
...
في الجهة التانية...
كانت ندى تلف الشوارع وهي بتسأل عنه.
وفجأة...
رن موبايلها.
رقم غريب.
ردت بسرعة.
ألو؟
جالها صوت هادئ
حضرتك أخت الأستاذ آدم؟
قلبها دق بعنف.
أيوه... هو كويس؟
اطمني... هو بخير. موجود معانا، وحصل ظرف
دموعها نزلت من غير ما تحس.
وأول ما قفلت...
لفت لقت عاصم واقف على بعد خطوات.
كان منتظر بس يشوف رد فعلها.
بصتله وهي مبتسمة وسط دموعها...
ورفعت إيديها بالإشارة
الحمد لله.
ابتسم هو الآخر ابتسامة خفيفة...
ثم أشار
قلتلك... هنلاقيه.
وفي اللحظة نفسها...
توقفت سيارة أمام المطعم.
ونزل منها رجل أنيق يحمل ظرفًا مختومًا.
دخل وسأل بصوت واضح
مين فيكم الآنسة ندى؟
التفت الجميع نحوه...
بينما ظل الظرف في يده...
دون أن يخبر أحدًا من أرسله...
ولا ماذا يوجد بداخله.
يتبع...ندى مسحت دموعها بسرعة.
ورجعت للمطعم وهي لسه بتحاول تستوعب إن آدم بخير.
أول ما دخلت...
الرجل الأنيق كان واقف مكانه، وما زال ماسك الظرف.
لما شافها سأل
حضرتك الآنسة ندى؟
هزت رأسها.
مد لها الظرف.
اتفضلي... مطلوب أوصله بإيدك.
ندى أخدته بحذر.
مين بعتّه؟
ابتسم الرجل باقتضاب.
أنا مجرد مندوب.
واستأذن ومشي.
كل اللي في المطعم كانت عيونهم عليها.
حتى شريف نسي الشغل.
منى همست
افتحيه.
ندى فتحت الظرف بهدوء.
طلع منه خطاب صغير...
وكارت أبيض أنيق.
قرأت أول سطر...
واتسعت عيناها.
شريف حاول يبص.
لكنها قفلت الورقة فورًا.
قالت بهدوء
دي حاجة شخصية.
ودخلت غرفة الاستراحة.
قفلت الباب.
ورجعت فتحت الخطاب.
كان مكتوب فيه
الآنسة ندى...
اليوم أثبتِّ أن الاحترام والفهم يسبق أي كلام. أشكرك على معاملتك الراقية.
ويسعدني أن أدعم مركز تعليم لغة الإشارة الذي تترددين عليه، ليتمكن عدد أكبر من الأسر من تعلمها مجانًا.
هذا الدعم باسم والدتي الراحلة، التي كانت تؤمن أن التواصل حق للجميع.
وتحت الخطاب...
كان فيه تعهد رسمي بالتبرع للمركز.
ندى فضلت باصة للورقة.
الدموع رجعت لعينيها.
مش بسبب المبلغ...
لكن لأن حد أخيرًا فهم قيمة الحاجة اللي كانت بتتعب عشانها كل يوم.
خرجت من الغرفة.
ولقت عاصم واقف يستعد للمغادرة.
رفعت إيديها بالإشارة
شكرًا.
ابتسم.
ورد بالإشارة
متشكرنيش... أنا اللي اتعلمت النهارده.
وقبل ما يخرج...
وقف فجأة.
بص ناحية باب المطعم.
ملامحه اتبدلت في لحظة.
دخل شاب يلهث...
واضح إنه جاي يجري.
وفي إيده ملف قديم مغبر.
أول ما شاف عاصم.
قال بصوت مرتفع
أخيرًا لقيتك!
ثم رفع الملف وقال
الوصية دي كان لازم توصلك من خمس سنين... لكن ماحدش عرف مكانك.
الصمت ملأ المكان.
وعاصم أخذ الملف ببطء...
وكأن اسمًا مكتوبًا على الغلاف أعاده سنوات إلى الوراء.
فتح أول صفحة...
فتغير لون وجهه.
ثم أغلق الملف فورًا...
ونظر إلى الشاب وقال بإشارة سريعة لم يفهمها إلا
ندى.
كانت الإشارة تعني
لا
متابعة القراءة