فى الليلة إلى اختى نسيت تقفل التابلت بتاعها

لمحة نيوز

تقولي الدموع بتفك كيسها ده هزار؟ ولما مصطفى يسميني ماكينة ATM ده هزار؟ ولما شيماء تكذب عليا في علاج عيالها عشان تاخد فلوس زيادة... ده هزار برضه؟
مصطفى خبط بإيده على السفرة.
وإنتِ بتفتشي في خصوصيات الناس ليه؟
منة ردت من غير ما يتهز لها جفن
أنا مفتشتش... أختي هي اللي سابت التابلت مفتوح. والغلط الوحيد اللي عملته إني كملت قراية... لأن الحقيقة كانت أغلى من أي خصوصية.
شيماء بدأت تعيط.
والله يا منة كنا بنهزر... عمرنا ما كرهناكي.
منة طلعت ورقة صغيرة من جيبها.
تعرفي دي إيه؟
بصوا لها باستغراب.
كشف حساب آخر خمس سنين.
حطته قدامهم.
دفعت لكم مليون ومية وستة وتمانين ألف جنيه... بين فواتير، أقساط، مدارس، علاج، وديون.
السكوت نزل على المكان.
حتى صوت التكييف بقى مسموع.
منة كملت
تعرفوا أنا صرفت على نفسي كام في نفس الفترة؟ أقل من ربع اللي صرفته عليكم.
الأم قربت منها تمسك إيدها.
يا بنتي إحنا أهلك...
منة سحبت إيدها بهدوء.
لا... الأهل عمرهم ما يعملوا جروب مخصوص عشان يتريقوا على بنتهم.
مصطفى حاول يقلب الطاولة.
يعني هتقطعي رحمك عشان شوية رسايل؟
منة فتحت اللاب توب اللي كان محطوط على الترابيزة الجانبية.
ضغطت زر واحد.
فجأة اشتغل البروجيكتور اللي كان معلق في السقف.
وامتلأ الحائط بصور الجروب.
كل رسالة.
كل سخرية.
كل تحويل فلوس.
وكل كذبة.
شيماء شهقت وهي شايفة رسايلها قدامها بالحجم الكبير.
الأم غطت وشها.
مصطفى قام بسرعة يحاول يقفل الجهاز.
منة قالت بحزم
اقعد مكانك... لسه مخلصتش.
وبعدين طلعت ظرف رابع.
كان أكبر من الباقيين.
حطته في نص السفرة.
ده آخر ظرف.
الأم سألت بخوف
فيه إيه؟
منة ردت
فيه كل الفواتير اللي اتلغت... وكل الحسابات اللي اتقفلت... وكل التوكيلات اللي سحبتها... وكمان عقد بيع شقتي.
كلهم بصوا لها بصدمة.
بعتي شقتك؟
أيوه... واستقلت من الشغل هنا،
وعندي عقد جديد في شركة برة مصر. بعد أسبوعين هسافر، ومحدش فيكم يعرف العنوان ولا رقم التليفون الجديد.
شيماء انهارت في العياط.
هتسيبينا؟
منة ابتسمت لأول مرة... لكن الابتسامة كانت مليانة وجع.
الحقيقة إنكم إنتوا اللي سيبتوني من زمان... أنا بس النهارده بطلت أمثل إني مش واخدة بالي.
ثم فتحت باب الشقة وقالت بهدوء
العشا خلص... والتمثيلية كمان.
خرجوا واحدًا وراء الآخر.
ولا واحد منهم قدر يبصلها في عينها.
ولأول مرة منذ سنوات...
فضلت السفرة مليانة أكل...
لكن ماكانش فيها شخص واحد يستحق تقعد منة معاه بعد ما الباب اتقفل وراهم...
الشقة غرقت في هدوء غريب.
منة بصت للسفرة، ولمست طرف الكرسي اللي كانت أمها قاعدة عليه من شوية.
وأخيرًا...
نزلت أول دمعة.
مش عليهم...
على السنين اللي ضاعت وهي فاكرة إن الحب بيتشترى بالتضحية.
بعد حوالي نص ساعة، موبايلها بدأ يرن.
ماما.
رفضت المكالمة.
بعدها شيماء.
رفضت.
ثم مصطفى.
رفض.
خلال ساعة واحدة وصلها أكتر من خمسين رسالة.
إحنا آسفين.
افتحي الباب.
إحنا غلطنا.
مينفعش تعملي فينا كده.
لكن منة ما ردتش.
في اليوم التالي، صحيت بدري، شربت قهوتها، وراحت الشغل كأن مفيش حاجة حصلت.
الساعة 11، سكرتيرة المدير دخلت تبلغها
في ناس مستنيين حضرتك تحت.
نزلت.
لقيت أمها وشيماء ومصطفى واقفين.
الأم أول ما شافتها حضنتها وهي بتعيط.
لكن منة ما بادلتهاش الحضن.
مصطفى قال بسرعة
خلاص يا منة... احنا هنقفل الجروب وننسى كل اللي حصل.
منة بصت له باستغراب.
هو إنت فاكر إن المشكلة في الجروب؟
سكت.
كملت
المشكلة إن الجروب كشف حقيقتكم... مش خلقها.
شيماء طلعت ظرف من شنطتها.
إحنا جمعنا جزء من الفلوس اللي خدناها منك.
منة فتحت الظرف.
كان فيه مبلغ صغير جدًا مقارنة باللي دفعته لهم طوال السنين.
ابتسمت ابتسامة ساخرة.
ده حتى أقل من تمن آخر قسط عربية دفعتهولك.

الأم قالت برجاء
اعتبريها بداية.
منة هزت رأسها.
البداية كانت من سنين... يوم ما اخترتوا تستغلوا بنتكم بدل ما تحبوها.
لفت تمشي.
لكن أمها نادت عليها
لو مش علشاننا... علشان صلة الرحم.
منة وقفت ثواني.
ومن غير ما تبصلهم قالت
صلة الرحم مسؤولية متبادلة... مش حبل يتعلق في رقبة طرف واحد.
وسابتهم واقفين.
رجعت مكتبها، وفتحت إيميلها.
كانت رسالة تأكيد السفر وصلت.
موعد الرحلة بعد 12 يومًا.
ابتسمت لأول مرة من قلبها.
لأنها أدركت أن أصعب خطوة لم تكن السفر...
بل كانت أن تقول لأول مرة في حياتها لا بعد أيام، انتشرت القصة بين أفراد العيلة.
الخالات والعمات بقوا يتصلوا بمنة.
واحدة تقول سامحيهم... مهما كانوا دول أهلك.
والتانية أمك كبيرة في السن، متزعليهاش.
ومحدش فيهم سأل سؤال واحد
إنتِ عاملة إيه؟
منة كانت بترد بنفس الجملة
اللي عنده نصيحة، يقرأ الشات الأول.
وبتقفل المكالمة.
بعد أسبوع، وهي بترتب أوراقها قبل السفر، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت ولد أختها الكبير، عمر، واقف لوحده.
كان ماسك حصالة حديد صغيرة.
قال بصوت مكسور
يا خالتو... ماما قالتلي ماجيش... بس أنا جيت.
منة نزلت لمستوى طوله.
خير يا حبيبي؟
اداها الحصالة.
دي فلوس العيديات بتاعتي... خدّيها. بابا وماما قالوا إنهم زعلوكي بسبب الفلوس.
منة دموعها لمعتها.
حضنته وقالت
لأ يا عمر... إنت مالكش ذنب في حاجة.
الولد سألها ببراءة
هو إحنا مش هنشوفك تاني؟
منة سكتت لحظة.
ثم قالت
هتشوفني... بس لما تكبر، افتكر حاجة واحدة... أوعى تستغل حد بيحبك.
هز رأسه، ومشي.
بعد سفر منة بشهرين...
الحياة عند العيلة بدأت تتغير.
وصل الكهرباء اتأخر.
قسط العربية اتراكم.
بطاقات الائتمان اتقفلت.
مصطفى اضطر يبيع عربيته عشان يسدد ديونه.
وشيماء بدأت تشتغل لأول مرة من سنين.
أما الحاجة هدى...
فكانت كل يوم تبص على صورة منة، وتفتكر الرسالة
اللي كانت سايباها قبل السفر
أنا مسامحاكم على اللي فات... لكن المسامحة مش معناها إني هرجع أعيش بنفس الطريقة. من النهارده، كل واحد مسؤول عن حياته، وأنا أخيرًا هبدأ أعيش حياتي.
وقتها فقط...
فهموا إن أكبر خسارة في حياتهم ما كانتش الفلوس...
كانت الإنسانة اللي كانت بتحبهم بصدق، وهم ضيعوها بإيديهم مرت سنة كاملة.
منة بنت حياة جديدة.
اشتغلت، ونجحت، وكوّنت دايرة صغيرة من الناس اللي بيقدّروها من غير ما يطلبوا منها مقابل.
وفي يوم، وهي راجعة من شغلها، وصلها إشعار على موبايلها.
رسالة من رقم غريب.
أنا مصطفى... لو سمحتي اقري الرسالة للآخر.
كانت أول مرة تقرر متعملش بلوك.
فتحت الرسالة.
مش بطلب فلوس... ولا مساعدة. أنا بكتب عشان أقولك إنك كنتي صح. بعد ما وقفتي كل حاجة، اكتشفت إننا كنا عايشين معتمدين عليكي في كل تفصيلة. لما الفلوس خلصت، كل واحد بدأ يلوم التاني، والجروب نفسه اتقفل بعد خناقات كبيرة. أنا آسف... ويمكن متسامحينيش، لكن كان لازم تعرفي إننا خسرنا أخت عمرها ما اتعوضت.
منة قفلت الرسالة.
ما ردتش.
لكن لأول مرة، ما حسّتش بالغضب.
حسّت إن الجرح بدأ يقفل.
بعد أسبوع، وهي في إجازة، وصلها ظرف بريدي من مصر.
فتحته.
كان فيه صورة قديمة وهي صغيرة، قاعدة بين أمها وإخواتها، وكلهم بيضحكوا.
وخلف الصورة مكتوب بخط أمها
نفسي أرجع اليوم ده... قبل ما الطمع يغيرنا.
فضلت منة ماسكة الصورة وقت طويل.
وبعدين كتبت رسالة قصيرة، وبعتها لأمها
أتمنى تكوني بخير. أنا بخير الحمد لله. سامحتكم من قلبي، لكن قراري إني أكمل حياتي بعيد لسه زي ما هو. لو في يوم اتقابلنا، أتمنى يكون بينا احترام، مش احتياج.
بعد دقائق، وصلها رد واحد فقط
ربنا يسعدك يا بنتي... ويغفرلنا.
منة ابتسمت، وحطت الصورة في ألبوم ذكرياتها.
لأن بعض العلاقات...
لا ترجع كما كانت أبدًا.
لكنها قد تنتهي بطريقة
هادئة، بعدما يتعلم كل طرف ثمن ما فعله، ويبدأ كل واحد صفحة جديدة في حياته مرت ثلاث سنوات.
منة مبقتش نفس البنت اللي كانت بتخاف تزعل حد.
بقت أقوى... وأهدى.
وفي صباح يوم إجازة، وهي
تم نسخ الرابط