اختى رمت لاب توب بنتى
ابتسمت وافتكرت.
قبل أسبوع، كانت نقلت معظم ملفاتها للجهاز الجديد، لكن لسه فيه مجلدات قديمة على الهارد.
المحامي طلب نفحص بقايا الجهاز عند خبير.
وبالفعل…
الخبير قدر يستخرج جزء كبير من البيانات رغم الحريق.
وأثناء مراجعة الملفات…
ظهر شيء غريب.
فيديو متسجل بالصدفة من كاميرا اللابتوب قبل الحادث.
كان الجهاز مفتوحًا على المكتب، والكاميرا سجلت دقائق قبل ما داليا تاخده.
شغلنا الفيديو…
وظهر صوت داليا وهي بتقول لبنتها:
"سيبيها تفرح بالمشروع يومين… النهارده هنخلص عليه، وساعتها هتعرف إنها مش أحسن منك."
ساد الصمت في الغرفة.
الكلمات دي أثبتت إن اللي حصل ماكانش لحظة غضب…
كان تصرفًا مقصودًا ومخططًا له.
المحامي قال بهدوء:
"الفيديو ده هيغيّر شكل القضية بالكامل."
في اللحظة دي…
عرفت إن الحقيقة بدأت تظهر، وإن كل واحد هيواجه نتيجة أفعاله، مهما حاول يهرب منها.بعد أسبوع…
بدأت أول جلسة.
داليا دخلت المحكمة وهي واثقة.
ومعها محامي مشهور.
كانت كل شوية تبص ناحيتنا بابتسامة مستفزة.
أما ليان…
فكانت ماسكة إيدي، لكن المرة دي إيدها ما كانتش بتترعش.
القاضي طلب عرض الأدلة.
اتعرض تسجيل كاميرا المراقبة.
ثم فيديو كاميرا اللابتوب.
القاعة كلها سكتت.
حتى محامي داليا فقد ابتسامته.
ولما خلص الفيديو…
القاضي سأل داليا:
"هل تنكرين ما ورد في التسجيل؟"
اتلعثمت.
وقالت:
"كنت… كنت منفعلِة."
لكن القاضي رد:
"التسجيل يُظهر تخطيطًا مسبقًا، وليس انفعالًا لحظيًا."
في اللحظة دي…
أمي قامت
وقالت بصوت مرتعش:
"أنا السبب."
كل الموجودين بصوا لها.
كملت وهي بتبكي:
"أنا اللي كنت دايمًا بفضل بنت داليا… وسكتّ على غلطها سنين… لحد ما بقت فاكرة إنها فوق الحساب."
داليا بصتلها بصدمة.
وقالت:
"ماما! بتعملي إيه؟"
لكن أمها نزلت رأسها.
وقالت:
"لأول مرة… هقول الحقيقة."
حتى أبويا…
اللي طول عمره كان بيدافع عنها…
ما نطقش.
كان باصص في الأرض.
ولما خرجنا من الجلسة…
جريت ليان حضنتني.
وقالت:
"أنا مش زعلانة على اللابتوب."
ابتسمت وسألتها:
"أمال على إيه؟"
قالت:
"زعلانة إن أقرب الناس لينا كانوا أول ناس كسرونا."
حضنتها بقوة وقلت:
"وأهو النهارده عرفنا إن اللي يكسر غيره… في النهاية بيتكسر بالحقيقة."بعد الجلسة بأيام…
رن هاتفي.
كان رقم المدرسة.
رديت وأنا متوقعة إنهم بيتابعوا أخبار القضية.
لكن المديرة قالت بابتسامة واضحة في صوتها:
"الأستاذة مها… عندنا خبر حلو."
قلبي دق بسرعة.
قالت:
"لجنة التحكيم راجعت مشروع ليان، وانبهرت بالشغل. وحتى بعد اللي حصل، النسخة الاحتياطية وصلت كاملة، واتقبلت رسميًا."
بصيت لليان.
كانت واقفة قدامي، وعينيها مليانة خوف.
حطيت الهاتف على مكبر الصوت.
وسمعت المديرة بتقول:
"وبنبلغكم إن ليان اتأهلت للمرحلة النهائية."
ليان حطت إيديها على وشها، ودموعها نزلت.
لكن المرة دي…
كانت دموع فرحة.
بعد شهر…
أعلنت النتيجة.
وفازت ليان بالمنحة.
وقفت على المسرح تستلم جائزتها.
وقالت في كلمتها:
"في ناس حاولت تحرق حلمي… لكن اللي بيتبني
القاعة كلها صفقت.
أما أنا…
فاكتفيت إني أبتسم.
وفي آخر الصفوف…
شفت أمي وأبويا.
كانت ملامحهم مليانة ندم.
لكن بعض الجروح لا يمحوها الاعتذار بسهولة.
خرجت أنا وليان من القاعة.
الشمس كانت ساطعة.
بصتلي وقالت:
"ماما… لو اللابتوب القديم ما اتحرقش، يمكن ما كنتش عرفت أنا قوية قد إيه."
ابتسمت وقلت:
"القوة مش إننا ما نقعش… القوة إننا نقوم ونكمل مهما كانت الخسارة."
ومشينا سوا…
وسبنا وراءنا بيتًا اختار الحقد، بينما اخترنا نحن أن نبني مستقبلًا لا يستطيع أحد أن يحرقه.بعد ستة شهور…
كنت قاعدة في المكتب، وليان بتذاكر للمحاضرات الأولى في الكلية.
فجأة الباب خبط.
فتحت…
اتفاجئت بداليا.
كانت مختلفة تمامًا.
وشها شاحب.
وعيونها مرهقة.
ومعاها شنطة صغيرة.
قالت بصوت مكسور:
"ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟"
بصيت لها ثواني.
وبعدين قلت:
"اتفضلي."
دخلت وهي باصة في الأرض.
وقالت:
"أنا خسرت شغلي."
"وأصحابي بعدوا عني."
"وحتى بنتي بقت بتسألني كل يوم ليه عملت كده في ليان."
سكتت شوية…
وبعدين طلعت ظرف من شنطتها.
وقالت:
"ده شيك بقيمة اللابتوب الجديد… وكل المصاريف اللي دفعتوها."
ما مدتش إيدي آخده.
قلت:
"الفلوس عمرها ما كانت المشكلة."
نزلت دموعها.
وقالت:
"عارفة… المشكلة كانت في قلبي."
في اللحظة دي…
ليان خرجت من أوضتها.
وقفت قدام داليا.
السكوت كان تقيل.
ثم قالت بهدوء:
"أنا سامحتك."
داليا رفعت رأسها بسرعة.
لكن ليان كملت:
"سامحتك عشان أنا عايزة
"في فرق كبير بين التسامح… والرجوع زي الأول."
داليا بدأت تبكي.
ولأول مرة…
ما لقتش حد يدافع عنها.
ولا يبرر لها.
خرجت من البيت بهدوء.
وقبل ما تركب العربية…
بصت على البيت مرة أخيرة.
يمكن كانت فاهمة أخيرًا…
إن أصعب عقوبة مش المحكمة…
ولا الغرامة…
أصعب عقوبة إن الإنسان يخسر احترام الناس اللي كانوا بيحبوه.
قفلت الباب.
ورجعت أبص لليان.
كانت بتبتسم وهي راجعة تكمل مذاكرتها.
وقتها عرفت…
إن أعظم انتصار ماكانش القضية…
ولا المنحة…
أعظم انتصار إن بنتي خرجت من كل اللي حصل بقلب نضيف… ومستقبل أقوى من أي نار.بعد سنة كاملة…
وقفت ليان على منصة التخرج في احتفال خاص بالطلاب المتفوقين.
كانت ماسكة شهادتها، وابتسامتها مالية المكان.
لما خلص الحفل، مسكت إيدي وقالت:
"فاكرة يا ماما يوم ما اللابتوب اتحرق؟"
ابتسمت وقلت:
"أنساه إزاي؟"
ضحكت وقالت:
"وقتها افتكرت إن حياتي انتهت… لكن دلوقتي عرفت إن اللي بينجح بجد، مش بيكون معتمد على جهاز… بيكون معتمد على نفسه."
في نفس اللحظة، وصلني إشعار على هاتفي.
كان بريدًا إلكترونيًا من الجامعة.
فتحته، وابتسمت.
ليان حصلت على منحة كاملة، ومعاها عرض للمشاركة في برنامج دولي للمبرمجين الشباب.
حضنتها بكل قوتي.
وقلت:
"تعبك هو اللي وصلك لهنا… مش حظ، ولا واسطة."
وفي طريق رجوعنا، عدينا من البيت القديم.
كان هاديًا بشكل غريب.
بصيت له لحظة… ثم كملت طريقي من غير ما ألتفت.
لأن بعض الأبواب، لما
ومن يومها، اتعلمت أنا وليان درسًا عمرنا ما هننساه:
النار قد تحرق جهازًا…
لكنها لا تستطيع أن تحرق علمًا، ولا اجتهادًا، ولا إرادة إنسان مؤمن بحلمه.
تمت.