فضلت سبع سنين مقتنع ان مراتى سيبانى

لمحة نيوز

كريم نفسًا عميقًا، ثم قال
أنا كنت غلط... وماما عمرها ما سابتك.
سارة وقفت مكانها، والدموع مغرقة وشها.
آدم بص لها ثواني طويلة... ثم قرب منها بخطوات بطيئة.
وسأل بصوت بريء
إنتِ... ماما بجد؟
سارة ركعت على ركبتيها وهي بتبكي، وقالت
أيوه يا حبيبي... أنا ماما.
وساعتها... بكى الثلاثة معًا.
لكن كريم كان عارف أن واحدًا لن يمحو سبع سنوات من الفقد، وأن الطريق لإصلاح ما انكسر سيحتاج وقتًا طويلًا، وصدقًا، وصبرًا من الجميع. النهاية الحقيقية لم تكن استعادة الماضي، بل بدء حياة جديدة مبنية على الحقيقة... ماكانش فيه سحر رجّع السنين اللي ضاعت.
آدم كان كل شوية يبص لسارة ويقول
إنتِ هتمشي تاني؟
وكان السؤال ده يوجعها كل مرة.
فترد وهي تمسك إيده
لأ يا حبيبي... لو إنت موافق، هفضل أحاول أبقى جنبك.
بدأت سارة تزور آدم كل يوم، وبعد فترة، بقى يقضي معاها ساعات، ثم أيام الإجازات.
أما كريم، فقرر يواجه أمه بالحقيقة كاملة.
قال لها بهدوء
أنا هفضل ابنك... لكن اللي عملتيه لا يتغفر بسهولة.
أمه انهارت واعترفت بكل شيء أمام محامٍ، وقدمت الجوابات كلها، وحتى اعترفت بأنها هي التي زورت رسالة الوداع، وأخفت كل المراسلات بين كريم وسارة.
بعد شهور، أصدرت المحكمة حكمها في القضية، وأثبتت حق سارة في رؤية ابنها، مع تحميل الجدة المسؤولية القانونية عن إخفاء المراسلات والتلاعب بها.
مرت سنة...
وفي عيد ميلاد آدم الثامن، كان أول عيد يجتمع فيه مع أمه وأبيه على مائدة واحدة.
أخرج كريم صندوق الجوابات، وقال لآدم
الجوابات دي كلها كانت ليك... من مامتك. احتفظنا بيها علشان تقراها لما تكبر.
ابتسم آدم وهو الصندوق، ثم قال
أنا مش زعلان على السبع سنين... أهم حاجة إننا بقينا مع بعض دلوقتي.
نظر كريم إلى سارة، وقال بصوت هادئ
الحقيقة اتأخرت... لكنها وصلت.
ابتسمت سارة
والدموع في عينيها، وأمسكت يد ابنها، بينما أمسك كريم بيده الأخرى.
وفي تلك اللحظة، أدركوا أن بعض الجراح تترك ندوبًا لا تزول، لكنها لا تمنع القلب من أن يبدأ من جديد. النهاية بعد عدة سنوات...
كبر آدم، ودخل الجامعة، لكنه كان محتفظًا بصندوق الجوابات في أوضته.
في يوم، طلب من أمه وأبوه يقعدوا معاه.
طلع أول جواب وآخر جواب، وقال
أنا قريتهم كلهم.
سكت شوية، وبعدين بص لكريم وقال
بابا... أنا عمري ما زعلت منك.
نزلت دمعة من عين كريم.
قال آدم
لأن اللي خدعك... خدعني أنا كمان. وإحنا الاتنين كنا ضحايا.
ثم التفت لسارة.
وأنتِ... عمرك ما بطلتي تكوني أمي، حتى وإنتِ بعيدة. كل جواب كتبتيه كان دليل إنك ما استسلمتيش.
سارة وهي بتبكي.
بعدها بأيام، أخذ آدم صندوق الجوابات وتبرع به لمكتبة جامعية ضمن مشروع عن تأثير الكذب والتلاعب داخل الأسرة، بعد أن أخفى الأسماء حفاظًا على خصوصية الجميع.
وقال في مقدمة القصة
أحيانًا الحقيقة لا تموت... لكنها تنتظر الشخص الذي يجرؤ على البحث عنها.
أما كريم، فصار كلما رأى أبًا أو أمًا يختلفان، يقول لهما
اختلفوا زي ما تحبوا... لكن أوعوا تستخدموا الأطفال في خلافاتكم، لأنهم أكثر من يدفع الثمن.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما بدأتها كذبة واحدة، وأنهتها الحقيقة، وإن جاءت بعد سنوات طويلة بعد نشر آدم للقصة بسنوات، حصل شيء ما كانش حد فيهم متوقعه.
رن جرس البيت.
فتح كريم الباب، فلقى رجل كبير في السن واقف وهو ماسك ظرف قديم.
قال بتردد
أنت كريم؟
هز كريم رأسه.
الرجل مد له الظرف وقال
أنا كنت ساعي البريد اللي بيوزع الجوابات في المنطقة زمان... وقبل ما أطلع معاش، فضلت شايل الجواب ده معايا.
استغرب كريم.
فتح الظرف...
ولقى إنه آخر جواب كتبته سارة، لكنه عمره ما وصل.
كان تاريخه قبل اكتشاف الصندوق بأيام.
قرأ بصوت مرتعش
يا
كريم... دي آخر مرة هكتب. لو الجواب ده وصلك، اعرف إني عمري ما كرهتك. يمكن في يوم تكتشف الحقيقة، وساعتها أوعى تكره نفسك. لأن اللي اتضحك عليه مش مذنب... المذنب هو اللي اختار الكذب.
سكت كريم طويلًا.
بص لسارة، اللي كانت واقفة تبكي في صمت.
قال لها وهو يبتسم لأول مرة من قلبه
يمكن ربنا أخّر الجواب ده... علشان أقرأه في الوقت اللي أكون مستعد أفهمه.
أخذ آدم الظرف، ووضعه داخل الصندوق، ثم أغلق الغطاء وقال
دلوقتي الصندوق اكتمل.
وفي تلك الليلة، دفنوا الصندوق في حديقة البيت، وزرعوا فوقه شجرة زيتون.
قال آدم وهو ينظر للشجرة الصغيرة
كل ما تكبر... هنفتكر إن الحقيقة ممكن تتدفن سنين... لكنها في النهاية تخرج للنور بعد خمس سنوات...
كانت شجرة الزيتون كبرت، وبقت رمز لكل اللي مروا بيه.
وفي صباح هادئ، كريم كان بيشرب قهوته في الجنينة، لما سمع عربية وقفت قدام البيت.
نزلت منها بنت في أوائل العشرينات.
كانت مترددة وهي ماسكة ملف.
قالت حضرتك الأستاذ كريم؟
رد باستغراب أيوه.
قالت أنا اسمي ليلى... وجيت علشان أقول لحضرتك حاجة يمكن متعرفهاش.
دخلت وقعدت، وفتحت الملف.
طلعت صورة قديمة.
الصورة كانت لسارة... وهي في المستشفى بعد الولادة.
وكان واقف جنبها طبيب وممرضة.
قالت ليلى الممرضة دي... كانت أمي.
كريم اتشد للصورة.
سألها وبعدين؟
قالت قبل ما أمي تتوفى، ادتني الملف ده وقالتلي لو عرفت توصل لكريم وسارة، سلّمهولهم.
فتح الملف...
ولقى تقريرًا بخط يد الممرضة.
كانت كاتبة فيه
شهدت بنفسي والدة كريم وهي بتمنع سارة من حمل ابنها، وسمعتها وهي بتقول هخليه يكرهك، وهتختفي من حياته للأبد. خوفت أتكلم وقتها، وفضل الذنب يطاردني طول عمري.
سارة انهارت في البكاء.
أما كريم، فطوى الورقة بهدوء وقال
كفاية... مش عايز دليل تاني.
ثم نظر إلى ليلى وقال
شكراً..
. لأنك خلّصتِ أمك من الذنب.
ابتسمت ليلى وهي تمسح دموعها، وغادرت.
نظر كريم إلى سارة وآدم، وقال
إحنا ضيعنا سنين بسبب الكراهية... مش هنضيع اللي باقي بسببها.
ومسك إيد سارة، بينما وقف آدم بينهما مبتسمًا.
ولأول مرة منذ زمن طويل، شعر الثلاثة أن الماضي لم يعد يطاردهم... بل أصبح مجرد قصة يتذكرونها، لا سجنًا يعيشون فيه بعد مرور سنوات أخرى...
مرض كريم مرضًا شديدًا، واضطر يقضي أيامًا في المستشفى.
وفي ليلة، كان آدم قاعد جنبه، فقال له كريم بصوت ضعيف
فاكر أول مرة سألتني ماما فين؟
ابتسم آدم وقال فاكر.
تنهد كريم وقال
كل ما أفتكر اليوم ده، قلبي بيوجعني... لأني كنت مقتنع إني بحميك بالحقيقة اللي أعرفها، لكن طلعت بكرر كذبة من غير ما أقصد.
رد آدم وهو ماسك إيده
يا بابا... لو فضلت تعاقب نفسك، يبقى اللي ظلمنا انتصر مرتين.
ابتسم كريم لأول مرة من أيام.
بعد أسابيع، خرج من المستشفى، وقرر يعمل حاجة كان نفسه فيها من زمان.
جمع كل الجوابات، وصورها إلكترونيًا، وكتب في أول ملف
إلى كل أب وأم... اسمعوا الطرفين قبل ما تحكموا. لأن قرارًا واحدًا مبنيًا على كذبة، ممكن يسرق عمرًا كاملًا.
انتشر الملف على الإنترنت، وقرأه آلاف الناس.
ووصلتهم رسائل من أشخاص قالوا إن القصة خلتهم يراجعوا خلافاتهم الأسرية قبل ما يخسروا أولادهم.
نظر كريم إلى سارة وقال
يمكن ربنا سمح بكل اللي حصل... علشان ننقذ غيرنا من نفس الغلط.
ابتسمت سارة وأجابت
المهم إننا أخيرًا لقينا بعض.
وأغلق آدم صندوق الجوابات للمرة الأخيرة، ووضعه في مكتبة البيت، وقال
ده مش صندوق أحزان... ده شاهد إن الحقيقة مهما اتأخرت، في يوم هتلاقي طريقها للنور.
وهنا تُسدل الستارة على الحكاية بعد عشرين سنة...
كان آدم واقف على مسرح كبير، بيتسلم جائزة عن كتاب حقق نجاحًا واسعًا.
عنوان الكتاب كان
الجوابات
اللي أنقذت عيلتي.
وسط تصفيق الحضور، قال
الناس فاكرة إن بطلة القصة هي أمي... أو أبويا... لكن الحقيقة إن البطل كان
تم نسخ الرابط