انا كنت بدفع لحماتى 50 الف جنيه

لمحة نيوز

يطلب منك تخسر نفسك، ولا كرامتك، ولا تعب سنينك.
وده كان الدرس الأغلى... والهدية الوحيدة اللي خرجت بيها من كل الحكاية بعد خمس سنين...
كنت قاعدة في مكتبي، أراجع ملفات المرضى، لما السكرتيرة خبطت الباب وقالت
في شخص مصرّ يقابلك يا دكتورة.
قلت
مين؟
قالت
بيقول إنه كريم.
سكت لحظة، وبعدين قلت
خليه يدخل.
دخل بخطوات بطيئة. شعره بدأ يشيب، وملامحه كانت مرهقة، لكنه كان أهدأ بكتير من آخر مرة شوفته فيها.
وقف قدامي وقال
أنا مش جاي أرجعك... ولا جاي أطلب حاجة.
أشرت له يقعد.
طلع ظرف من شنطته، وحطه على المكتب.
فتحته... لقيت كل التحويلات اللي كنت ببعتها لأمه، مرتبة بالتواريخ، ومعاها شيك بالمبلغ اللي قدر يجمعه.
قلت باستغراب
إيه ده؟
قال
مش هقدر أعوض كل حاجة... لكن ده كل اللي قدرت أوفره. أنا عارف إنك مش محتاجة الفلوس، بس محتاج أرجع جزء من حقيقتي قدام نفسي.
بصيتله شوية، وبعدين زقيت الظرف ناحيته.
قلت
أنا سامحت... لكن الفلوس دي مش هتغير اللي حصل.
قال
عارف.
قمت، وفتحت درج المكتب، وطلعت ملف صغير.
كان مشروع إنشاء وحدة مجانية لعلاج أسنان الأطفال في القرى.
قلت
لو فعلًا عايز تصلح حاجة... اتبرع بالمبلغ ده للمشروع ده.
ابتسم لأول مرة من سنين.
قال
أظن دي أول مرة أحس إن الفلوس رايحة لمكان تستحقه.
بعد شهور، افتتحت الوحدة المجانية.
وعلى مدخلها كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها
كل بداية جديدة... بتبدأ بقرار شجاع.
وقفت أبص للوحة، وابتسمت.
لأن النهاية الحقيقية ما كانتش يوم خرجت من بيت كريم...
النهاية الحقيقية كانت اليوم اللي بطلت أخاف أختار نفسي، وأعيش الحياة اللي أستحقها بعد افتتاح الوحدة الخيرية بشهور، كنت ماشية أتفقد العيادات، ولقيت طفلة صغيرة ماسكة إيد أمها، أول ما شافتني جريت عليّا وحضنتني.
قالت بابتسامة بريئة
شكراً يا دكتورة... ماما قالتلي إنك عالجتيني
من غير ما تاخدي فلوس.
ابتسمت وربتّ على رأسها، لكن أمها كانت باصة ليّ بطريقة غريبة... كأنها عايزة تقول حاجة.
بعد ما الطفلة دخلت مع الطبيبة، الست قربت مني وقالت
حضرتك يمكن متعرفينيش... لكن أنا مدينة ليكي بحياتي.
استغربت وسألتها
إزاي؟
قالت
أنا كنت محاسبة في الشركة اللي كان كريم بيشتغل معاها. يوم قضيتك، ناس كتير طلبوا مني أشهد ضدك وأقول إنك كنت بتصرفي الفلوس بإجبارهم علشان أكسبهم تعاطف.
سكتت لحظة، ثم أكملت
لكن ضميري منعني. قلت الحقيقة قدام النيابة، ومن بعدها خسرت شغلي.
اتأثرت بكلامها، وقلت
وأنتِ دلوقتي؟
ابتسمت وقالت
اشتغلت من جديد، وربنا عوضني... وبنتي النهارده بتتعالج هنا.
مديت إيدي وصافحتها بحرارة.
وقلت
الحق عمره ما بيضيع.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن الدنيا فعلًا بتلف.
يمكن الظلم يكسب جولة...
لكن عمره ما بيكسب العمر كله.
وفي نهاية اليوم، وأنا بقفل باب المركز، بصيت للسماء وابتسمت.
لأن السلام اللي كنت بدور عليه سنين...
لقيته أخيرًا جوايا، مش في فلوسي، ولا في انتصار على حد، لكن في إحساسي إني خرجت من التجربة دي إنسانة أقوى، وأوعى، وأرحم مرّت ثلاث سنوات أخرى...
في إحدى الأمسيات، كنت قاعدة في مكتبي بعد انتهاء الدوام، أراجع بعض الملفات، لما وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت بهدوء
ألو؟
جالي صوت ضعيف أعرفه كويس...
ياسمين... أنا مدام نوال.
سكتُّ لحظة.
قالت بصوت متقطع
الدكتور قال إني محتاجة عملية، وأنا معنديش حد يقف جنبي.
كان ممكن أقفل المكالمة.
وكان ممكن أقول زي ما عملتِ فيا.
لكنني قلت
ابعتيلي اسم المستشفى.
في اليوم التالي، ذهبت إليها.
كانت على سرير المستشفى، ولم يبقَ من غرورها شيء.
أول ما شافتني، انفجرت في البكاء.
قالت
أنا ظلمتك... وكنت فاكرة إن الفلوس هتفضل معايا، وإن ابني هيبقى في ضهري طول العمر. لكن في الآخر كل واحد انشغل بحياته،
وأنا بقيت لوحدي.
قلت بهدوء
أنا جيت علشان أعمل اللي يمليه عليّ ضميري، مش علشان أرجع الماضي.
تكفلت بتكاليف العملية، واطمأنيت إنها تمت بنجاح، ثم غادرت.
بعد أسبوع، وصلني منها ظرف صغير.
فتحته، فوجدت رسالة بخط يدها
سامحيني... يمكن متأخرة، لكن دي أول مرة أقولها من قلبي.
طيّت الرسالة، واحتفظت بها داخل أحد الكتب في مكتبي.
ليس لأنني نسيت ما حدث...
بل لأن الإنسان أحيانًا يحتاج أن يغلق الباب بهدوء، لا بصوت الانتقام.
ومن يومها، كلما سألني أحد عن سر نجاحي، كنت أقول
النجاح الحقيقي ليس أن تنتصر على من ظلمك...
النجاح الحقيقي أن تنجو، وتبني حياة لا يستطيع أحد أن يهدمها من جديد.
وهكذا انتهت الحكاية...
لا بانتصار المال...
ولا بهزيمة أحد...
بل بانتصار الكرامة، والعدل، والسلام مع النفس مرّت عشر سنوات كاملة...
في احتفال مرور عشرين عامًا على تأسيس أول مركز أسنان ليا، كانت القاعة مليانة أطباء وشباب لسه بادئين طريقهم.
طلبوا مني أطلع ألقي كلمة عن رحلة النجاح.
وقفت على المسرح، وبصيت في وشوش الناس، وقلت
كل الناس فاكرة إن أصعب حاجة في النجاح هي إنك تبدأ من الصفر... لكن الحقيقة إن أصعب حاجة هي إنك تعرف تقول لأ في الوقت الصح.
سكتت لحظة، ثم كملت
زمان كنت فاكرة إن الحب تضحية بلا حدود، وإن الكرم معناه أدي من غير حساب. لكن اتعلمت إن اللي بيحبك عمره ما هيخليك تدفع تمن وجودك في حياته.
بعد انتهاء الحفل، جت بنت صغيرة، يمكن عندها عشرين سنة، وقالت
أنا طالبة في كلية طب الأسنان... وحلمي أبقى زي حضرتك.
ابتسمت وسألتها
إيه اسمك؟
قالت
نوال.
ابتسمت أكثر.
قلت لها
الاسم عمره ما بيحدد الإنسان... اللي بيحدده أفعاله.
ضحكت، وأخدت صورة معايا، ومشت وهي فرحانة.
بصيت حواليّ، وافتكرت كل اللي عديت بيه.
افتكرت الليالي اللي كنت ببكي فيها وأنا حاسة إني مستغلة.
وافتكرت اليوم اللي
خرجت فيه من البيت وأنا مش عارفة بكرة مخبيلي إيه.
لو كنت فضلت هناك...
كان زماني خسرت نفسي.
لكن قرار واحد... كلمة واحدة... لأ...
غيرت مصير حياتي كلها.
وأنا خارجة من القاعة، رفعت وشي للسماء، وابتسمت.
لأن بعض النهايات المؤلمة...
بتكون في الحقيقة أجمل بداية ممكنة.
تمت بعد مرور عام على الاحتفال، كنت أظن أن الماضي انتهى تمامًا.
لكن في صباح يوم هادئ، وصلتني رسالة من مكتب محاماة.
فتحت الظرف، فوجدت خطابًا يفيد بأن مدام نوال توفيت بعد صراع مع المرض، وأنها تركت وصية تطلب فيها حضوري عند فتحها.
استغربت جدًا.
ذهبت في الموعد المحدد، وكان كريم حاضرًا، لكن بيننا مجرد نظرة صامتة.
فتح المحامي الوصية، وبدأ يقرأ
أنا نوال... أكتب كلماتي الأخيرة وأنا أعلم أنني أخطأت في حق ياسمين أكثر مما أخطأت في حق نفسي. لذلك أوصي بأن يُباع كل ما أملكه من مجوهرات ومقتنيات اشتريتها من الأموال التي كانت تعطيني إياها، ويُخصص ثمنها لإنشاء صندوق يعالج غير القادرين.
ساد الصمت في الغرفة.
ثم أكمل المحامي
وأطلب من ياسمين، إن وافقت، أن تشرف بنفسها على هذا الصندوق، لأنني لم أعرف قيمة المال إلا بعدما فقدته، ولم أعرف قيمة الإنسان إلا بعدما خسرته.
لم أتمالك دموعي.
لم أبكِ عليها وحدها...
بكيت على سنوات كان يمكن أن تكون مليئة بالمحبة بدلًا من الطمع.
خرجت من مكتب المحامي، ولحق بي كريم.
قال
أمي ماتت وهي ندمانة.
قلت بهدوء
الندم لا يغيّر الماضي... لكنه قد يغيّر نهاية الإنسان.
هز رأسه، ثم افترق كل منا في طريقه.
وبعد عدة أشهر، افتُتح صندوق خيري جديد يحمل اسم
صندوق الأمل لعلاج الأسنان.
ولم يُكتب عليه اسم ياسمين، ولا اسم نوال...
بل كُتبت عبارة واحدة فقط
خيرٌ يبقى... أفضل من مالٍ يفنى.
وعندما رأيت أول طفل يخرج من العيادة مبتسمًا بعد علاجه، أيقنت أن كل الألم الذي مررت به لم يذهب
هباءً.
فقد تحوّل، في النهاية، إلى أملٍ يمنح الحياة لغيري مرّت سنوات، وأصبح صندوق الأمل واحدًا من أكبر المشروعات الخيرية في علاج الأسنان.
وفي أحد
تم نسخ الرابط