بعد ماولدت توأم بكام يوم بقلم زيزى محمد

لمحة نيوز

بعد شهور، كنت ماشية أنا وسارة في السوق، وفجأة لقيت راجل كبير وقف قدامي وقال:

"إنتِ أم ياسين... مش كده؟"

اتجمدت في مكاني.

قلت له: "حضرتك تعرف ابني؟"

طلع من جيبه صورة قديمة من المستشفى، وقال: "أنا كنت موظف أرشيف هناك، ومن عشر سنين حصلت مخالفات كبيرة في قسم الأطفال. فضلت ساكت كل السنين دي، لكن ضميري مبقاش مستحمل."

إيدي كانت بتترعش وأنا باخد الصورة.

لكن بعد ما قدم كل المستندات للنيابة، بدأت التحقيقات، واتضح أن هناك بالفعل أخطاء إدارية جسيمة في تسجيل بعض المواليد، لكن حالة ياسين لم تكن واحدة منها. وبمراجعة كل السجلات وتحاليل الحمض النووي، تأكد مرة أخرى أن ياسين توفي بالفعل بعد أيام من ولادته، وأن ما حدث معي كان مجرد سلسلة من المصادفات وسوء الفهم.

أُغلق الملف نهائيًا، وحوسب المسؤولون عن الإهمال الإداري، أما أنا فشعرت لأول مرة أن الحقيقة اكتملت، حتى وإن كانت مؤلمة.

وقفت أمام قبر ياسين، ووضعت وردة بيضاء وقلت:

"سامحني يا حبيبي... فضلت أدور عليك سنين، لكن النهارده هسيبك ترتاح، وهعيش علشان أختك."

ابتسمت سارة وهي ماسكة إيدي، ومشينا سوا، وأنا حاسة إن قلبي أخيرًا بدأ يخف من الحمل اللي شاله عشر سنين.

النهاية.مرّت خمس سنوات.
كبرت سارة، ودخلت كلية الطب، وقالت لي في أول يوم دراسة:
"أنا اخترت طب الأطفال... علشان كل طفل أقدر أنقذه، هحس إني بعمل حاجة علشان ياسين."
حضنتها وأنا فخورة بيها.
وفي يوم تخرجها، وقفت على المسرح تستلم شهادة الامتياز، ثم نزلت أول واحدة تجري عليّ.
قالت وهي بتبتسم: "دي ليكي... ولأخويا اللي عمره ما شوفته."
بعد سنوات، افتتحت مستشفى صغيرة لعلاج الأطفال غير القادرين، وسمّتها "مركز ياسين لرعاية الأطفال" تخليدًا لذكرى أخيها.
وأنا كنت كل يوم أشوف الأطفال وهم بيخرجوا من المستشفى بصحة، وأقول في نفسي:
"يمكن ربنا ما كتبليش أشوف ياسين

وهو بيكبر... لكنه خلّى اسمه يبقى سبب في إن أطفال كتير يعيشوا."
وفي يوم الافتتاح، وقفت قدام اللافتة، ورفعت عيني للسماء وقلت:
"الحزن ممكن يكسر الإنسان... لكنه كمان ممكن يخليه يصنع خيرًا يعيش بعده."
ومن يومها، كل طفل كان يخرج من المستشفى وهو سليم، كنت أشعر أن ذكرى ياسين ما زالت تنشر الأمل في حياة الآخرين.بعد افتتاح مركز ياسين بعامين، وصلت للمستشفى سيدة مسنة تحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قالت وهي تنظر إليّ: "أنا اشتغلت ممرضة في المستشفى اللي اتولد فيه ياسين... وفضلت الصندوق ده معايا أكتر من عشرين سنة."
فتحت الصندوق، فوجدت داخله سوارًا صغيرًا باسم ياسين، وصورة التقطتها إحدى الممرضات للتوأم بعد دقائق من ولادتهما، قبل أن يفترقا.
انهرت في البكاء، بينما ابتسمت سارة وهي تمسك الصورة لأول مرة، وتقول: "أخيرًا شوفت وش أخويا."
علّقنا الصورة في مدخل المستشفى، وتحتها عبارة:
"بعض الأحبة يرحلون مبكرًا، لكن أثرهم يبقى في كل حياة نمنحها فرصة جديدة."
ومنذ ذلك اليوم، صار كل من يدخل المستشفى يعرف قصة الاسم الذي يحمله المكان، وتحولت ذكرى ياسين من حزنٍ يسكن القلوب إلى دافعٍ لإنقاذ أطفال كثيرين.بعد أشهر من افتتاح مركز ياسين، وصلت رسالة بدون اسم.
كان داخل الظرف مفتاح قديم، وورقة مكتوب عليها:
"لو عايزة تعرفي السر اللي اتدفن من عشرين سنة... روحي للمخزن القديم في المستشفى ليلة الخميس."
فضلت أبص للورقة وأنا مش فاهمة.
رغم إن كل الحقائق اتكشفت، كان في إحساس جوايا بيقول إن لسه في حاجة ناقصة.
في الليلة المحددة، رحت أنا وسارة.
فتحنا باب المخزن بالمفتاح.
كان المكان مليان ملفات قديمة عليها تراب السنين.
وأثناء تقليبنا في الملفات، لقينا ملفًا مكتوبًا عليه بخط أحمر:
"ممنوع الفتح... قضية تبديل المواليد."
بصيت لسارة، وهي بصتلي، وحسينا إن اللي هنقرأه هيغيّر حياة ناس كتير... مش حياتنا
إحنا بس.فتحنا الملف بإيدين مرتعشتين.
كانت أول ورقة عبارة عن تقرير تحقيق داخلي قديم، مكتوب فيه أن المستشفى اشتبهت وقتها في وجود أخطاء في أساور تعريف بعض المواليد، ولذلك فُتح تحقيق رسمي. ومع تقليب الأوراق، وجدنا أن كل حالة تمت مراجعتها لاحقًا بتحليل الحمض النووي والسجلات الطبية.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بدور على اسم ياسين.
ولما وصلت للصفحة الخاصة به، وقفت مكاني.
كان مكتوب بوضوح:
"تمت مراجعة الحالة بالكامل، وتأكد عدم وجود أي تبديل للمولود. وفاة الطفل ياسين سُجلت طبيًا بشكل صحيح، وأُغلقت القضية بعد اكتمال التحقيق."
سكتُّ طويلًا.
سارة حطت إيدها في إيدي وقالت: "ماما... يمكن الحقيقة دي مؤلمة، لكنها على الأقل يقين."
قفلت الملف، وحسيت إن رحلة البحث اللي استمرت سنين انتهت أخيرًا.
خرجنا من المخزن، وأنا لأول مرة ماكنتش بدور على معجزة ولا على إجابة جديدة.
كنت بدور على سلام... ولقيته.
وفي اليوم التالي، تبرعت بكل ما جمعته من مستندات إلى أرشيف المستشفى بعد انتهاء التحقيقات، حتى تبقى الحقيقة محفوظة، وحتى ما يمرش أي أب أو أم بنفس الحيرة اللي عشتها.
رجعت البيت أنا وسارة، وعلقت الصورة الوحيدة اللي كانت لياسين في غرفة المعيشة.
كلما بصيت لها، كنت أبتسم بدل ما أبكي.
لأن بعض الأحباب يرحلون مبكرًا، لكن محبتهم تفضل تعيش في قلوبنا إلى الأبد.بعد سنة من كل اللي حصل، كنت قاعدة في المكتب بتاع مركز ياسين، لما السكرتيرة دخلت وقالت:
"في شاب مستني حضرتك برة، وبيقول إنه جاي يحقق وصية أبوه."
استغربت وطلبت منها تدخله.
دخل شاب في أوائل العشرينات، حط ظرف قديم على المكتب وقال:
"أبويا كان سواق إسعاف، وكان موجود يوم ولادة حضرتك. قبل ما يموت سلمني الظرف ده، وقالي ما أفتحوش إلا بعد وفاته."
فتحت الظرف، ولقيت خطاب بخط راجل كبير.
كان مكتوب فيه:
"لو وصل الخطاب ده، يبقى ضميري ارتاح.
يوم ولادة ابنك حصلت فوضى كبيرة في المستشفى، وأنا شهدت كل حاجة. يمكن مقدرتش أغيّر الماضي، لكن لازم الناس تعرف إن الإهمال ممكن يسرق عمرًا كاملًا من أصحابه."
قريت الخطاب للآخر، لكن مفيش أي معلومة غيّرت الحقيقة اللي عرفناها. بالعكس، أكد إن وفاة ياسين كانت حقيقية، وإن الخطأ كان في سوء إدارة المستشفى وتأخر إبلاغ الأسر ببعض التفاصيل، مش في تبديل الأطفال.
قفلت الخطاب، وبصيت لسارة وقلت:
"في فرق بين إن الإنسان يفضل يجري ورا الماضي... وإنه يتعلم منه."
ابتسمت سارة وقالت:
"وعشان كده مركز ياسين هيكمل رسالته."
ومن يومها، بقينا ننظم حملات لتدريب المستشفيات على إجراءات سلامة المواليد، علشان ما تعيشش أي أسرة الحيرة والألم اللي عشناه.
وهكذا بدأت حكاية جديدة... لكن هذه المرة، كان هدفها إنقاذبعد الحملة الأولى، انتشرت قصة مركز ياسين في كل المحافظات، وبقت المستشفيات تطلب من سارة تيجي تدرب الممرضات والأطباء على إجراءات سلامة حديثي الولادة.
وفي أحد الأيام، دخلت أم شابة وهي شايلة طفلها الرضيع، وكانت بتبكي بحرقة.
قالت: "أنا جيت هنا لأن الناس قالتلي إنكم بتسمعوا قبل ما تحكموا."
قعدت جنبها وسمعت قصتها للنهاية.
كانت خايفة يكون حصل خطأ في أوراق ابنها، لكن بعد مراجعة كل المستندات والتواصل مع المستشفى، اتضح إن كل شيء سليم، وإن سبب قلقها كان إشاعة سمعتها من أحد الأقارب.
لما خرجت وهي مطمنة، بصتلي وقالت: "لو ماكنتشوا موجودين، كنت هعيش عمري كله في شك."
ساعتها فهمت إن الرسالة الحقيقية لمركز ياسين مش إنه يفتش عن أسرار قديمة، لكن إنه يمنع الشك والخوف من تدمير حياة أسر جديدة.
في نهاية اليوم، وقفت أنا وسارة قدام لافتة المركز.
قلت لها: "عارفة يا بنتي... زمان كنت فاكرة إن نهاية قصتنا كانت يوم فقدت أخوكي."
ابتسمت وقالت: "لكن يمكن كانت مجرد بداية، يا ماما."
ابتسمت لأول مرة من قلبي،
وحسيت إن وجع السنين اتحول لرحمة، وإن ذكرى ياسين بقت نورًا لكل طفل يدخل من باب المركز.

تم نسخ الرابط