جوزى قاعد مديرته فى الشغل فى الكرسى المحجوز لبنتى

لمحة نيوز

بوعدكم.
ولو كان عندكم ابن أو بنت... افتكروا إنهم هيشيلوا تصرفاتكم في قلبهم طول عمرهم.
سكت الأولاد.
ثم أخذت الحفيدة الكارت.
وحطته في برواز صغير.
وعلقته على الحائط.
وتحته كتبت جملة واحدة
احجز مكانك في قلوب الناس... قبل ما تحجز مكانك على أي كرسي.
وكان كل ضيف يدخل البيت يسأل عن البرواز.
فيحكي له الأحفاد الحكاية...
ليس باعتبارها قصة عن كرسي...
ولكن باعتبارها قصة عن أب تعلّم متأخرًا، وأم صبرت بحكمة، وبنت اختارت أن تسامح دون أن تفقد كرامتها.
وهكذا بقيت الحكاية تُروى من جيل إلى جيل...
لا ليُلام أحد...
بل ليتعلم الجميع أن أجمل مكان يمكن أن يحصل عليه الإنسان...
هو مكانه في قلوب من يحبهم وبعد سنوات طويلة...
كنت قاعدة في شرفة البيت أنا وشريف.
الشيب غطى شعرنا.
لكن راحة البال كانت أغلى من أي حاجة.
بص لي وقال وهو بيبتسم
فاكرة يوم حفلة التخرج؟
ضحكت وقلت
أنساه إزاي؟
قال
كل ما أفتكره... أحمد ربنا إنك ما استسلمتيش للزعل، وإنك واجهتيني.

سألته
ولو رجع بيك الزمن؟
ابتسم وقال
كنت هقوم من على الكرسي قبل ما ريم حتى تطلب.
في اللحظة دي...
دخلت ريم وهي شايلة حفيدتنا الصغيرة.
البنت جريت على جدها وقالت
جدو... تعال اقعد جنبي.
ضحك وشالها، وقال
ده أحلى كرسي في الدنيا.
بصيت له وابتسمت.
فهم قصدي من غير كلام.
وقال لحفيدته
اعملي معروف يا ستي الصغيرة...
لو لقيتِ في يوم حد محتاج مكانه... سيبيهوله.
سألته وهي بتضحك
ليه؟
قال وهو يبصلنا إحنا الاتنين
لأن احترام الناس... هو اللي بيحجزلك مكان في قلوبهم.
سكتنا كلنا.
وكان صوت ضحكة الطفلة هو اللي مالي البيت.
وفي تلك اللحظة...
أدركت أن القصة التي بدأت بكرسي كاد يفرق بين أفراد العائلة...
انتهت بكرسي صغير يجمع ثلاثة أجيال حول المحبة.
وهكذا عاشت الأسرة ما بقي من عمرها، تتذكر الدرس، لا الألم...
وتحكي الحكاية للأحفاد، ليس ليعرفوا كيف بدأ الخلاف...
بل ليتعلموا أن الكلمة الطيبة، والاعتذار، واحترام مشاعر من نحب، هي التي تصنع البيوت
السعيدة.
النهاية الأخيرة وفي يوم من الأيام...
كبر الأحفاد.
وكل واحد منهم بدأ يبني حياته.
وقبل ما حفيدتي الكبيرة تتخرج من الجامعة، دخلت عليّ وقالت
تيتا... أنا حجزتلك أول كرسي في الحفل.
ضحكت وقلت
وأنا هقعد في أي مكان يا حبيبتي.
هزت رأسها بسرعة وقالت
لا.
إنتِ علمتينا إن احترام الإنسان يبدأ من الاهتمام بمشاعره.
وأول كرسي... مكانك.
يوم الحفل...
دخلت القاعة.
ولقيت الكرسي الأول عليه بطاقة صغيرة مكتوب فيها
إلى صاحبة الفضل... تيتا هالة.
وقفت مكاني للحظة.
امتلأت عيناي بالدموع.
مش بسبب الكرسي...
لكن لأن الدرس اللي بدأ من سنين طويلة...
وصل للجيل الجديد.
جلست في مكاني.
وبصيت حواليا.
لقيت أولادي وأحفادي كلهم بيبتسموا.
وفي نهاية الحفل، قالت حفيدتي في كلمتها
علمتني جدتي إن الإنسان ممكن ينسى الهدايا، وينسى الأماكن، لكن عمره ما ينسى الإحساس اللي حد خلاه يحس بيه.
ثم نزلت من على المسرح.
وحضنتني.
وقالت
شكرًا... لأنك علمتينا إن الكرامة
والمحبة يمشوا مع بعض.
ابتسمت، وأغمضت عيني لحظة.
وقلت في سري
الحمد لله...
الحكاية انتهت من زمان...
لكن أثرها الجميل لسه بيكبر كل يوم.
تمت بحمد الله في مساء هادئ...
كانت الشمس بتغيب، والبيت كله مليان أصوات الأحفاد.
بصيت لهم وهم بيلعبوا في الجنينة، وكل واحد فيهم بينادي التاني باسمه، من غير ما يعرف إن زمان كان فيه موقف صغير كاد يفرق عيلة كاملة.
قامت حفيدتي الصغيرة، وجريت عليّ وهي شايلة كرسي خشب صغير.
وقالت وهي بتضحك
تيتا... ده مكانك.
ابتسمت، وقعدت.
ثم سألتني
هو ليه كل ما يبقى في مناسبة، بابا وماما بيتأكدوا إن كل واحد يقعد في مكانه؟
ضحكت وأنا أمسك يدها.
وقلت
لأن المكان مش مجرد كرسي يا حبيبتي...
المكان معناه إنك تقول للي قدامك إنت مهم.
سكتت لحظة، ثم قالت
ولما أكبر... هخلي كل اللي بحبهم يحسوا إنهم مهمين.
حضنتها، وابتسمت.
وفي تلك اللحظة...
نظرت إلى السماء وقلت في سري
يا رب... شكرًا.
لأنك حولت يومًا بدأ بانكسار...
إلى عمرٍ
كامل من المحبة.
وأُسدل الستار على حكاية لم يكن بطلها كرسيًا...
بل الاحترام، والاعتذار، والرحمة.
النهاية.

تم نسخ الرابط