خلوني انا وعيالي ننام على الأرض بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

أحب أقول إني سكت سنين، لأني كنت خايف.
ضغط زر التشغيل.
وانتشر صوت جدي في المكان
يا عادل... لو حصل لي حاجة، أو لو حفيدتي كلارا اتظلمت... سلم الدفاتر دي بنفسك، ومتثقش في أي حد من العيلة... لأن الخيانة هتيجي من أقرب الناس.
ساد صمت ثقيل.
ثم فجأة...
طلع صوت صفارات الشرطة.
أربع عربيات دخلت المقبرة بسرعة.
ونزل منها ضابط برتبة كبيرة.
اتجه مباشرة ناحية المحقق، وسلمه ورقة مختومة.
قرأها...
ثم رفع رأسه وقال بصوت واضح قدام الجميع
صدر إذن بالقبض على ثلاثة أشخاص...
مارتا...
وفانيسا...
وشخص ثالث...
أول ما نطق اسمه...
أبويا وقع على الأرض من الصدمة.
لأن الاسم كان...
اسم أخو أمي الأصغر...
الخال اللي كان مسافر من عشرين سنة...
والكل كان فاكر إنه مات أبويا وقع على ركبته وهو بيصرخ
مستحيل... سامح حي؟!
الصحفيين لفوا الكاميرات ناحيته في نفس اللحظة.
أما أمي...
فأول مرة في حياتي شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
همست وهي بترجع لورا خطوة
لا... هو وعدني إنه مش هيرجع.
المحقق رفع رأسه بسرعة.
يعني إنتِ عارفة إنه عايش؟
أمي عضّت على شفايفها...
وعرفت إنها وقعت.
لكن قبل ما حد يلحق يتكلم...
وصلت عربية سوداء مسرعة، ووقفت عند باب المقبرة.
نزل منها راجل في أواخر الستينات.
شعره كله أبيض، لكنه كان واقف بثبات.
أول ما أبويا شافه...
انهار في العياط.
وقال
سامح...
إنت عايش فعلًا.
الراجل بص حواليه، ولما عينه جت عليا، فضل واقف ثواني من غير كلام.
وبعدين قال
دي كلارا؟
هزيت راسي وأنا مش فاهمة.
اقترب مني، ومد إيده، لكنه رجعها تاني.
وقال بصوت مكسور
آخر مرة شفتك... كنتِ رضيعة.
المحقق قرب منه وسأله
كنت فين كل السنين دي؟
تنهد سامح وقال
ماكنتش مسافر... كنت مستخبي.
مستخبي من مين؟
لف ببطء وبص لأمي.
وقال
منها.
الجميع اتجمد.
سامح فتح حقيبة صغيرة كان شايلها.
طلع منها جواز سفر باسمه، وأوراق قديمة، وصور.
وفي واحدة من الصور...
كانت أمي، وفانيسا، ومعاهم ثلاثة رجال غرباء، واقفين قدام قطعة الأرض الكبيرة بتاعة جدي.
الصورة كان مكتوب وراها تاريخ يرجع لأكثر من عشرين سنة.
قال سامح
من يوم وفاة أبويا، في ناس كانت عايزة تستولي على كل أملاك العيلة. أختي
وافقت تساعدهم مقابل نسبة من الفلوس.
أمي صرخت
كداب!
رد سامح بهدوء
لو أنا كداب... افتحي الظرف الأبيض اللي في جيب الشنطة.
المحقق فتح الظرف.
كان جواه عقد.
عقد شراكة.
بتوقيع أمي...
ومجموعة من رجال أعمال.
وتاريخه...
قبل وفاة جدي بثلاثة أشهر.
المحقق قلب آخر صفحة...
وفجأة قال
في توقيع ناقص.
سامح ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
أيوه...
لأن الراجل اللي كان المفروض يمضي... رفض.
مين؟
سامح بص ناحيتي مباشرة.
وقال
جدك.
وساعتها بدأ كل شيء يترتب في دماغي.
جدي ماكانش بيحاول يخبي الحقيقة...
كان بيحاول يحميني منها.
لكن قبل ما المحقق ينطق بأي قرار...
رن هاتفه.
رد بسرعة...
وسكت وهو بيسمع.
ثم قال
إيه؟!
وقفل المكالمة، وبص لنا جميعًا.
وقال بصوت خطير
فتشنا بيت مارتا...
ولقينا غرفة سرية تانية.
لكن اللي كان جواها...
مش فلوس...
ولا مستندات...
كان فيه عشرات الملفات بأسماء ناس من خارج العيلة.
كلهم ضحايا بنفس الطريقة...
تزوير...
وسرقة...
واختفاء ممتلكات.
وفي آخر الملف...
كان فيه اسم واحد مكتوب بالقلم الأحمر...
كلارا... الدور كان عليها بعد العيد مباشرة.
وفجأة أدركت...
إن طردي من البيت ليلة العيد...
ماكانش إهانة...
كان بداية خطة أخطر بكتير مما كنت أتخيل فضلت أبص للجملة المكتوبة بالقلم الأحمر...
كلارا... الدور كان عليها بعد العيد مباشرة.
قلبي كان بيدق بعنف.
سألت المحقق
يعني إيه الدور كان عليها؟
بصلي ثواني، وكأنه بيفكر يقول الحقيقة ولا لأ.
وبعدين قال
للأسف... واضح إن الخطة ما كانتش مجرد سرقة فلوسك.
كانت أكبر من كده.
طلب من أحد الضباط يجيب الملف كامل.
فتح أول صفحة.
كانت عبارة عن جدول.
أسماء...
تواريخ...
وصور.
كل اسم قدامه كلمة واحدة.
تم.
انتهى.
نُفذ.
لحد ما وصل لآخر اسم...
اسمي أنا.
وقدامه مكتوب
العيد الساعة 1130 مساءً.
اتجمدت.
ده نفس التوقيت...
اللي خرجت فيه من بيت أمي.
المحقق قلب الصفحة اللي بعدها.
ولقى مخطط مرسوم بخط اليد للبيت.
كل أوضة...
كل باب...
حتى مكان نوم الأطفال.
ولما وصل لرسم الصالة...
وقف.
كان في دائرة حمرا حوالين المكان اللي أمي رمت فيه كيسي النوم.
وتحتها مكتوب
يبقوا هنا.
بصيت للمحقق وأنا مش قادرة
أتنفس.
قلت
يعني... كانوا عارفين إننا هننام في الصالة؟
رد بهدوء
واضح إن ده كان مقصود.
في اللحظة دي...
أحد خبراء الأدلة الجنائية دخل الغرفة وهو ماسك تقريرًا.
قال
لقينا آثار لعبث في سخان الغاز القديم اللي في الصالة.
المحقق خطف التقرير.
قرأه بسرعة...
ثم رفع رأسه.
لو كان السخان اشتغل وهو بالحالة دي...
كان هيملأ المكان بأول أكسيد الكربون خلال ساعات.
كل اللي نايمين في الصالة...
كانوا ممكن ما يصحوش أبدًا.
حسيت رجليا خانتني.
لوسيا...
وماتيو...
كانوا هيناموا في المكان ده.
لو كنت سكت...
ولو كنت قبلت الإهانة...
كان يمكن عمري ما صحيت أنا وولادي.
بدأت أمي تصرخ بجنون
لأ! أنا معملتش كده! أنا كنت عايزة أخوفها بس!
لكن المحقق بصلها ببرود.
وقال
المشكلة إن الأدلة بتقول غير كده.
وفجأة...
دخل ضابط آخر مسرعًا.
قال
يا فندم... في شاهد جديد.
مين؟
عامل الصيانة اللي كان بيصلح السخان قبل العيد.
دخل رجل بسيط، وشكله متوتر.
أول ما شاف أمي...
وشه اصفر.
وقال
الست دي... ادتني فلوس.
المحقق سأله
مقابل إيه؟
بلع ريقه وقال
قالتلي أسيب العطل زي ما هو... ومتكتبش عنه في التقرير.
الصمت نزل على المكان كله.
أمي بدأت تنهار لأول مرة.
لكن قبل ما أي حد ينطق...
رن هاتف المحقق.
رد...
واستمع للحظات.
ثم أغلق الخط ببطء.
وبص لي مباشرة وقال
كلارا...
في حاجة لازم تعرفيها.
التحليل الجنائي أثبت إن في شخص دخل بيت والدتك بعد خروجك بعشر دقائق فقط...
وسرق كل أجهزة الكمبيوتر والهواتف...
يعني في حد كان بيراقب الخطة من البداية...
ولما فشلت...
بدأ يمسح كل أثر لنفسه.
وده معناه...
إن العقل المدبر الحقيقي...
لسه حر الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني...
لسه حر.
يعني كل اللي حصل...
وأمي، وفانيسا، والتزوير، والفلوس...
كل ده يمكن يكون مجرد واجهة.
المحقق طلب من الجميع يخرجوا من الغرفة.
فضلت أنا وهو بس.
فتح ملفًا أسود كان مقفول بشريط أحمر.
وقال
الملف ده كان متشمع بأمر من النيابة، ومحدش فتحه قبل النهارده.
قطع الشريط...
وأخرج صورة واحدة.
أول ما شفتها...
شهقت.
الصورة كانت لعيد ميلادي العاشر.
أنا واقفة في النص، ماسكة التورتة.
على يميني أمي.
وعلى شمالي
جدي.
لكن في آخر الصورة...
واقف راجل لابس بدلة سودا ونضارة شمس، رغم إن الصورة متصورة جوه البيت.
عمري ما انتبهت لوجوده.
المحقق قلب الصورة.
كان مكتوب وراها بخط جدي
احذروا هذا الرجل... دخل حياتنا يوم عيد ميلاد كلارا، ومن يومها بدأت المصائب.
سألته بسرعة
مين ده؟
قال
لسه منعرفش.
لكن لقينا صورته متكررة في كل مناسبة عائلية تقريبًا... فرح، عزاء، عيد، حتى جنازة جدتك.
كان موجود...
ودائمًا واقف بعيد.
كأنه بيراقب.
وفجأة دخل خبير الأدلة وهو ماسك ظرفًا صغيرًا.
قال
لقينا ده تحت أرضية الغرفة السرية.
فتح المحقق الظرف.
كان جواه مفتاح سيارة... وكارت ذاكرة صغير.
حط كارت الذاكرة في الكمبيوتر.
ظهر مقطع فيديو مدته دقيقتين.
الكاميرا كانت مخفية داخل مكتب جدي.
الفيديو بيظهر أمي وهي بتتكلم مع الراجل الغريب.
وصوته كان واضح لأول مرة.
قال لها
البنت لما تتم تلاتين سنة... كل الأملاك هتنتقل ليها نهائيًا.
أمي ردت
قبل ما يحصل ده... كل حاجة لازم تكون اتنقلت باسمنا.
الراجل ابتسم وقال
ولو رفضت؟
أمي قالت بمنتهى البرود
ساعتها... مش هتعيش لحد ما تستلم حاجة.
الغرفة كلها سكتت.
لكن الصدمة الحقيقية...
إن الراجل لف وشه ناحية الكاميرا بالصدفة.
والمحقق جمد مكانه.
همس
مستحيل...
قلت بسرعة
تعرفه؟
رد وهو بيبلع ريقه
للأسف...
أعرفه كويس.
ده مش رجل أعمال...
ولا محامي.
ده ضابط شرطة سابق...
كان مسؤولًا عن عشرات قضايا التزوير...
واختفى من الخدمة من خمسة عشر سنة بعد ما اتقفل التحقيق ضده لعدم كفاية الأدلة.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف المحقق.
رد...
ثم وقف فجأة.
وبصلي بصدمة حقيقية وقال
كلارا...
الراجل ده...
اتقبض عليه من نص ساعة.
لكن قبل القبض عليه بثواني...
قال جملة واحدة للمأمورية
قولوا لكلارا تدور على المفتاح الأخير... لأنه مش عندي.
وساعتها فهمت...
إن لسه فيه سر أخير...
ولو انكشف...
هيغير كل الحقيقة اللي عرفناها لحد دلوقتي فضلت أعيد الجملة في دماغي
دوري على المفتاح الأخير.
قلت للمحقق
يعني إيه؟ هو بيتكلم عن مفتاح حقيقي؟
رد وهو بيقلب في أوراق جدي
غالبًا... لأن كل حاجة في القضية دي كانت متقسمة على مفاتيح وأماكن سرية.
في نفس اللحظة، تليفوني
رن.
الرقم كان مجهول.
بصلي المحقق وقال
افتحي السماعة... وإحنا هنسجل المكالمة.
رديت.
جالي صوت راجل كبير في السن.
هادئ بشكل يخوف.
قال
كلارا... متدوريش على المفتاح.
سألته بسرعة
مين إنت؟
ضحك ضحكة قصيرة.
وقال
أنا الشخص الوحيد اللي كان يعرف جدك أكتر من نفسه.
إنت فين؟
لو عايزة تعرفي الحقيقة... روحي البيت اللي اتولد
تم نسخ الرابط