قبل ماتدخل تزور ابن اختها بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

يعلمنا إن العيلة أهم من أي حاجة.
ثم التفتت إلى دنيا.
كانت دنيا واقفة وهي تبكي.
اقتربت منها سارة، واحتضنتها هي الأخرى.
وقالت
أنا محتاجة وقت أنسى اللي حصل... لكن عمري ما هسمح إننا نخسر بعض.
انفجرت دنيا في البكاء، وقالت
وأنا هستنى اليوم اللي تسامحيني فيه من قلبك.
خرجوا جميعًا من مكتب المحامي، وكانت المرة الأولى منذ سنوات التي يسيرون فيها معًا كأسرة واحدة.
لكن بينما كانوا يهمّون بركوب السيارات...
استوقفهم المحامي.
وقال
استنوا... فيه ظرف صغير كان مع الوصية، مكتوب عليه يُسلَّم لسارة وحدها.
أخذت سارة الظرف، ونظرت إلى اسمها المكتوب بخط والدها.
ترددت لحظة...
ثم وضعته في حقيبتها، وقررت ألا تفتحه إلا عندما تكون بمفردها.
ولم يكن أحد يعلم أن ما بداخل ذلك الظرف سيجعلها تعيد التفكير في قرارات كثيرة اتخذتها في حياتها الجزء السادس
أخذ الدكتور شريف نفسًا عميقًا، ثم قال
أول حاجة لازم تعرفيها يا سارة... إن محدش فيكم كان السبب الحقيقي في الطلاق.
بصت له سارة باستغراب.
إزاي؟
فتح الطبيب ملفًا قديمًا كان معاه، وقال
فاكرة آخر مرة جيتوا فيها العيادة؟
هزت رأسها.
قال
يومها طلبت منكم تريحوا نفسكم من ضغط العلاج لمدة سنة على الأقل، لأن التوتر النفسي كان مأثر عليكم جدًا. لكن بعد الزيارة دي، محدش رجعلي تاني.
نظر أحمد إلى الأرض، وقال
بعدها المشاكل بينا زادت، وكل واحد فينا افتكر إن التاني بقى تعبان من الجواز.
ابتسم الطبيب بحزن وقال
وده كان أكبر سوء فهم.
سكت لحظة، ثم أخرج ظرفًا قديمًا.
بعد الطلاق بحوالي ستة أشهر، عملت دراسة جديدة على بعض التحاليل القديمة، واكتشفت إن فيه خطأ معملي حصل وقتها، والنتيجة اللي اتبنت عليها رحلة العلاج كانت غير دقيقة.
شهقت سارة.
يعني...؟
قال الطبيب
يعني لو كنتوا كملتوا المتابعة من الأول، كان ممكن الأمور تختلف تمامًا.
ساد الصمت.
لم يكن أحد يلوم الآخر في تلك اللحظة.
كل واحد كان بيلوم الظروف وسوء التفاهم.
قطع الصمت صوت الطفل يوسف وهو بيضحك من حضن دنيا.
لفتت سارة إليه، فابتسم لها ومد إيده الصغيرة.
حملته للحظات، وربتت على رأسه وهي تبتسم لأول مرة من قلبها.
قالت بهدوء
أنا زعلت لأن الحقيقة اتخبت عني... مش لأنكم بنيتوا حياتكم.
اقتربت منها دنيا، وقالت والدموع في عينيها
سامحيني... كان نفسي أقولك من أول يوم، لكن كل مرة كنا بنخاف نرجع نفتح جرحك.
أمسكت سارة بيد أختها وقالت
الجرح كان هيخف أسرع لو كنتوا صارحتوني.
انخفضت رؤوس الجميع في صمت.
وفي تلك اللحظة، قالت الحاجة نعمات
من النهارده... مفيش أسرار بينا تاني.
لكن قبل أن يرد أحد...
رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه.

قال باستغراب
ده رقم مكتب المحامي.
رد على المكالمة، واستمع لثوانٍ، ثم قال
إزاي؟!... إمتى؟
أغلق الهاتف ببطء.
سألته سارة
فيه إيه؟
رفع عينيه وقال
فيه جواب قديم كان أبوكي سايبه عند المحامي... وطلب إنه مايتفتحش إلا لما العيلة كلها تكون موجودة.
تبادل الجميع النظرات في دهشة.
فلم يكن أحد يعلم أن والد سارة ودنيا ترك لهم رسالة أخيرة... قد تحمل إجابات عن أشياء لم يفكروا فيها من قبل الجزء الثامن
رجعت سارة بيتها قبل المغرب.
كانت أول مرة من سنين تدخل بيتها وهي حاسة إن حملًا كبيرًا بدأ يخف من على قلبها، لكن في نفس الوقت فضولها كان بيزيد مع كل دقيقة.
طلعت الظرف من شنطتها.
كان مقفول بشريط لاصق قديم، وعليه بخط أبوها
لسارة... افتحيه وقت ما تكوني مستعدة.
فتحت الظرف بهدوء.
كان جواه جواب صغير، ومفتاح نحاسي قديم.
بدأت تقرأ
يا سارة...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أكيد مريتي بأيام صعبة.
أنا عارف إنك قوية، لكن القوة الحقيقية مش في إن الإنسان ميقعش... القوة إنه يقوم كل مرة.
المفتاح اللي مع الجواب ده مفتاح مكتبتي القديمة في البيت الريفي.
جوه الدرج اليمين هتلاقي صندوق صغير.
الصندوق ده فيه كل الذكريات اللي كنت محتفظ بيها ليكم.
سيبيه يفضل يجمعكم، مش يفرقكم.
قفلت الجواب وهي مبتسمة وسط دموعها.
في اليوم التالي، راحت هي ودنيا وأمهم للبيت الريفي.
البيت كان مقفول من سنين، لكن كل حاجة فيه كانت زي ما سابها أبوهم.
دخلوا المكتب.
وبعد دقائق، لقت سارة الدرج المقصود.
حطت المفتاح.
واتفتح بسهولة.
طلعت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
أول ما فتحوه، لقوا ألبومات صور قديمة.
صور لسارة ودنيا وهما أطفال، وصور لأبوهم وهو بيلعب معاهم في الحديقة، ورسومات كانوا عاملينها في المدرسة، وحتى خطابات صغيرة كانوا بيكتبوها لبعض.
ضحكت دنيا وهي طالعة ورقة مرسوم عليها بيت وشجرة.
وقالت
فاكرة الرسمة دي؟ كنا بنتخانق مين هيلون الشجرة.
ضحكت سارة لأول مرة من قلبها.
وقالت
وفي الآخر بابا هو اللي لونها.
الجميع ضحك.
وفي آخر الصندوق، كان فيه دفتر صغير.
على أول صفحة كتب والدهم
أي بيت ممكن يعدي بأزمات... لكن اللي بيحافظ عليه هو الصراحة، والرحمة، وحسن النية.
أغلقت سارة الدفتر، ونظرت إلى أختها.
وقالت بابتسامة هادئة
إحنا ضيعنا سنين بسبب خوفنا من الحقيقة... من النهارده مفيش حاجة هتتخبى بينا.
هزت دنيا رأسها وهي تمسك يد أختها.
وفي الخارج، كانت الشمس تميل للغروب، بينما شعرت سارة لأول مرة منذ سنوات أن صفحة جديدة من حياتها بدأت... لكن ما زال أمامها طريق طويل لتداوي ما تركته السنوات في القلوب الجزء التاسع
مرت أسابيع، وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها بالتدريج.

سارة رجعت لشغلها، وحاولت تشغل نفسها بأي حاجة تخليها تتجاوز الماضي.
أما دنيا، فكانت كل يوم تقريبًا تبعتلها صورة ليوسف أو تطمن عليها برسالة قصيرة.
في البداية، كانت سارة ترد بكلمة أو اتنين.
لكن مع الوقت، بدأت المسافات اللي بينهم تقل.
وفي يوم جمعة، رن جرس الباب.
فتحت سارة.
اتفاجئت بدنيا واقفة قدامها، شايلة يوسف.
ابتسمت وقالت
قولت أعدي أشرب معاكي قهوة... لو معندكيش مانع.
ابتسمت سارة لأول مرة من غير أي تردد.
اتفضلي.
دخلت دنيا، ويوسف أول ما شاف سارة مد إيديه ناحيتها.
شالته وهي بتضحك.
قالت
كبر أوي.
ردت دنيا
ومن ساعة ما شافك في المستشفى وهو بيضحك كل ما يسمع اسمك.
قعدوا يتكلموا بالساعات.
لأول مرة من سنين، الكلام كان طبيعي، من غير خوف ولا أسرار.
وفجأة قالت دنيا
أنا عايزة أقولك حاجة.
بصتلها سارة.
قالت دنيا
أحمد كان رافض نتجوز بعد الطلاق مباشرة. فضل أكتر من سنة يقول إن لازم تاخدي وقتك وتبدأي حياتك. ولما وافق، كان شرطه الوحيد إن محدش يجرحك أو يعايرك بأي حاجة.
سكتت لحظة، ثم كملت
يمكن غلطنا لما خبينا الحقيقة... لكن والله ما كان قصدنا نقلل منك ولا نكسرك.
ابتسمت سارة بهدوء وقالت
الوجع عمره ما كان في جوازكم... الوجع كان في السكوت.
هزت دنيا رأسها.
معاكي حق.
في نفس اللحظة، دخل يوسف يجري ناحية الترابيزة، وخبط كوب العصير.
وقع العصير على الأرض، وبص لهم بخوف.
جريت سارة بسرعة، وقعدت على ركبتيها وقالت وهي بتضحك
ولا يهمك يا بطل... بتحصل.
ضحك يوسف، ورمى نفسه في حضنها.
بصت دنيا للمشهد وابتسمت، وقالت
كان نفسي أشوف اليوم ده.
رفعت سارة عينيها وقالت
يمكن ربنا بيعوضنا بطرق مختلفة.
وفي المساء، قبل ما دنيا تمشي، وقفت على الباب وقالت
إحنا اتعلمنا درس كبير.
سألتها سارة
إيه هو؟
ابتسمت دنيا وقالت
إن الحقيقة مهما كانت صعبة... أهون ألف مرة من سنين كاملة من سوء الفهم.
وأغلقت سارة الباب وهي تشعر أن الجرح بدأ يلتئم، وأن الأيام القادمة قد تحمل لهم بداية مختلفة، مبنية على الصدق هذه المرة، لا على الأسرار الجزء العاشر
مرت ستة أشهر.
العلاقة بين سارة ودنيا رجعت أحسن من الأول، لكن سارة كانت لسه مقررة إنها تفضل لوحدها فترة، وتركز في شغلها وحياتها.
في أحد الأيام، كانت قاعدة في المكتب، لما رن موبايلها.
كان رقم أحمد.
ترددت شوية، لكنها ردت.
قال أحمد بهدوء
معلش إني بتصل من
غير مقدمات... بس يوسف من امبارح وهو مصمم يشوفك.
ضحكت سارة لأول مرة وهي تسمع صوت الطفل في الخلفية بيقول
سارة... سارة.
قالت وهي تبتسم
خلاص... هعدي عليكم بعد الشغل.
في المساء، راحت بيت دنيا.
أول ما دخلت، جري يوسف عليها وحضنها بقوة.
شالته
وهي تضحك وقالت
واضح إنك نسيتني.
هز رأسه بسرعة وقال ببراءة
لا... إنتي سوسو.
ضحك كل اللي في البيت.
كانت أول مرة البيت يجتمع من غير توتر، ولا خوف، ولا أسرار.
بعد العشاء، خرج أحمد يقف في البلكونة.
وقفت سارة جنبه بعد لحظات.
فضل الاتنين ساكتين.
ثم قال أحمد
أنا عارف إن الزمن مستحيل يرجع.
هزت سارة رأسها.
أكيد.
قال
بس كنت عايز أشكرك... لأنك رغم كل اللي حصل، مقدرتيش تكرهينا.
ابتسمت سارة وقالت
الكره بيتعب صاحبه... وأنا تعبت كفاية.
سكت أحمد، ثم قال
أتمنى تلاقي الشخص اللي يقدرك ويسعدك.
ابتسمت وقالت
وأنت حافظ على بيتك... وخلي يوسف يكبر وسط الصراحة، مش الأسرار.
مد أحمد إيده يصافحها.
صافحته بابتسامة هادئة.
كانت مصافحة أنهت كل ما بقي من ألم الماضي، وفتحت باب الاحترام المتبادل.
وفي الداخل، كان يوسف ينادي بصوته الصغير
سوسو... تعالى العب.
ضحكت سارة، ودخلت تجري وراه، بينما تبادل أحمد ودنيا نظرة ارتياح.
لأول مرة منذ سنوات، شعر الجميع أن العائلة استعادت دفئها، وأن الماضي سيبقى مجرد درس لن يتكرر النهاية
مرت ثلاث سنوات...
تغيرت فيها حاجات كتير.
سارة ركزت في شغلها، ونجحت لحد ما بقت مديرة في الشركة اللي كانت شغالة فيها، وبقت معروفة باجتهادها وثقتها بنفسها.
أما دنيا وأحمد، فكانوا عايشين حياة هادئة، واتعلموا إن أي قرار يخص العيلة لازم يكون مبني على الصراحة، مش على الخوف من ردود الأفعال.
يوسف كبر، وكان يعتبر سارة أقرب الناس ليه بعد أمه وأبوه.
كل يوم جمعة كان يصر يروح عند خالته سارة، وهي كانت تستقبله بالألعاب والحكايات اللي كان بيحب يسمعها.
وفي يوم عيد ميلاد يوسف السابع، اتجمعت العيلة كلها في البيت الريفي اللي كان والدهم بيحبه.
بعد الغداء، خرجت الحاجة نعمات بصورة قديمة.
كانت صورة لسارة ودنيا وهما صغيرين، ماسكين إيد بعض وبيضحكوا.
قالت الأم وهي دموعها في عينيها
الصورة دي كانت دايمًا عند أبوكم على مكتبه، وكان يقول طول ما البنتين ماسكين إيد بعض، أنا مطمن.
ابتسمت سارة، وأخدت الصورة من إيد أمها.
بصت لدنيا، ومدت لها إيدها.
دنيا مسكتها فورًا، والاتنين حضنوا بعض وسط تصفيق وضحك العيلة.
قالت سارة
اللي حصل علمنا إن الحقيقة مهما كانت صعبة، هي أرحم بكتير من الكذب بحجة حماية المشاعر.
وأضافت وهي تبص لأحمد
وأوقات النهاية اللي بنزعل منها... بتكون بداية لحياة أنسب لكل واحد فينا.
ابتسم أحمد وقال
الحمد لله إننا قدرنا نحافظ على الاحترام بينا.
وفي تلك اللحظة، جرى يوسف بينهم وهو بيضحك وقال
يلا نصور صورة جديدة!
وقف الجميع جنب بعض.
الأم في المنتصف، وعلى يمينها سارة، وعلى شمالها دنيا، وأحمد واقف بجوار زوجته،
ويوسف واقف قدامهم وهو يبتسم للكاميرا.
التقطوا الصورة...
ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن في القلوب أسرار، ولا عتاب، ولا خوف.
فقط عائلة تعلمت أن الصراحة قد تؤلم في البداية، لكنها وحدها القادرة على صنع سلام يدوم.
تمت.

تم نسخ الرابط