صاحب محل الدهب

لمحة نيوز

بعد سنوات، كنت فاكرة إن كل أسرار الغويشة انتهت.
لكن في صباح هادئ، وصلني اتصال من الحاج رضوان.
قال بصوت مفعم بالدهشة
يا نونة... فيه راجل كبير بيسأل عليكي من الصبح، ومعاه ظرف مكتوب عليه اسم ستي.
رحت للمحل بسرعة.
لقيت راجل تجاوز التمانين، ماسك عصاية، وأول ما شافني قال
إنتِ حفيدة زينب؟
هززت رأسي.
ناولني الظرف وقال
أنا كنت صبي عند الصائغ اللي صنع الغويشة دي بإيده.
اتسعت عيناي.
فتحنا الظرف، فوجدنا فاتورة قديمة مرسوم فيها تصميم الغويشة من الداخل والخارج، وأسفلها ملاحظة بخط الصائغ
صُنعت هذه الغويشة مجوفة لتكون أمانة، وليست زينة، ولا يعلم سر فتحها إلا من أوصيناه.
ابتسم الرجل وقال
بعد ما مات المعلم، طلب مني أوصل الورقة دي لو ظهرت الغويشة يومًا.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا، لا يتعدى طول عقلة الإصبع.
قال
لسه في جزء محدش فتحه.
نظر الدكتور ونيس إلى الغويشة، وفحصها مرة أخرى.
وبعد دقائق، اكتشف فتحة دقيقة جدًا داخل النقش الأسود.
أدخل المفتاح.
دار مرة واحدة.
وفجأة...
انفصل الجزء الداخلي للغويشة، وخرجت منه قطعة قماش حريرية صغيرة.
فتحناها بحذر.
لم يكن فيها ذهب ولا أموال.
بل كانت تحتوي على خصلة شعر لطفل صغير، ومعها ورقة كتب عليها
هذه أول خصلة من شعر ابني بعد ولادته... احتفظت بها لأتذكر أن الأمانة الحقيقية ليست الذهب، بل الذرية والسمعة الطيبة.
ساد الصمت.
ابتسم الرجل العجوز وقال
المعلم كان يقول إن زينب رفضت تبيع الغويشة رغم فقرها، لأنها
كانت تعتبرها وصية وليست ملكًا.
ضممت الغويشة إلى صدري، وشعرت أن أعظم ما ورثته عن ستي لم يكن الأرض، ولا البراءة، ولا التاريخ...
بل وصيتها التي عاشت بها
احفظ الأمانة... حتى لو ظن الناس أنها مجرد قطعة معدن قديمة.
وهكذا انتهت رحلة الغويشة، لكنها بدأت رحلة جديدة في قلوب كل أفراد العائلة، الذين صاروا يتوارثون قصة زينب جيلاً بعد جيل، باعتبارها رمزًا للشرف والصبر وحفظ الأمانة. تم بعد عدة أشهر، كنت بدأت أرجع لحياتي الطبيعية، لكن القضية كانت لسه بتتصدر الجرائد المحلية، لأن إعادة فتح ملف قديم بالشكل ده كانت حاجة نادرة.
وفي صباح يوم جمعة، كنت قاعدة مع شريف بنفطر، ولقيت جرس الباب بيرن.
فتحت.
لقيت شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة، وفي إيده حقيبة جلد.
قال باحترام
حضرتك الأستاذة نونة؟
قلت أيوه.
ناولني كارت وقال
أنا باحث في التاريخ، وبجمع الوثائق الخاصة بالبيوت القديمة. سمعت بقصة الغويشة، وفي أثناء مراجعة أرشيف قديم لقيت مستند عليه اسم جدتك زينب.
دخل وجلس، وأخرج من الحقيبة دفترًا جلديًا مهترئًا.
قال الدفتر ده كان ضمن مقتنيات بيت الباشا، واتباع في مزاد من سنين، وأنا اشتريته من غير ما أعرف قيمته.
بدأنا نقلب صفحاته.
كان عبارة عن يوميات كتبها صاحب القصر بنفسه.
وفي إحدى الصفحات، قرأنا
اليوم أنقذت زينب طفلًا من حريق المخزن، ولو لا شجاعتها لفقدت أغلى ما عندي.
رفعت رأسي في دهشة.
ماحدش في العيلة كان يعرف إن ستي عملت حاجة زي دي.
وقلبنا الصفحة اللي
بعدها، فوجدنا سطرًا آخر
قررت أن أكافئها، لكنها رفضت المال، وقالت يكفيني أن ربنا يعلم الحقيقة.
شعرت بفخر لم أشعر به من قبل.
لكن الباحث توقف فجأة عند جيب صغير في آخر الدفتر.
أدخل إصبعه فيه، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا مختلفًا عن الأول.
قال متعجبًا
الغريب إن المفتاح ده عليه نفس النقش الموجود على الغويشة.
الدكتور ونيس فحصه وقال
ده مش مفتاح صندوق... ده مفتاح خزنة قديمة.
نظرنا جميعًا إلى بعضنا.
سأل الضابط
خزنة فين؟
أجاب الباحث وهو يقلب آخر صفحة في الدفتر
مكتوب هنا الخزنة أودعت في مكتبة القصر خلف الجدار الشرقي أثناء الترميم الأخير.
ساد الصمت.
لأن القصر كان قد تحول إلى مبنى أثري مغلق منذ سنوات، ولم يفتش أحد جدرانه من الداخل.
أدركنا أن الغويشة لم تكن آخر الأسرار...
وأن هناك سرًا جديدًا ينتظر من يكشفه، لكن هذه المرة داخل جدران القصر نفسه بعد أيام، حصلت الجهات المختصة على التصاريح اللازمة، ودخل فريق من المرممين والمهندسين إلى القصر، بحضور الضابط والمحامي والدكتور ونيس، وأنا كنت واقفة أتابع وكل قلبي بيرجف.
وصلوا إلى المكتبة القديمة.
كان الجدار الشرقي مغطى برفوف خشبية ضخمة، أزيلت بحذر، وبعد ساعات من العمل ظهر باب حديدي صغير، يكاد يختفي داخل الحائط.
ناولني الدكتور ونيس المفتاح النحاسي وقال
إنتِ صاحبة الأمانة... افتحيه.
وضعت المفتاح في القفل.
دار بصعوبة...
ثم انفتح الباب.
كانت خلفه خزنة حديدية قديمة، وبداخلها صندوق خشبي محفوظ بعناية.
فتحناه،
فلم نجد أكوامًا من الذهب كما توقع البعض.
وجدنا شيئًا أغلى.
وجدنا سجلًا كاملًا بأسماء العمال والخدم الذين عملوا في القصر، وأمام اسم كل واحد ملاحظات بخط صاحب القصر.
وعندما وصلنا إلى اسم زينب، توقفت أنفاسي.
كان مكتوبًا
زينب... أكثر من خدمت هذا البيت بأمانة. أنقذت ابني، وحافظت على أسراري، ورفضت المال، لذلك أوصي أن يُذكر اسمها بالشرف ما بقي هذا البيت قائمًا.
وبجوار السجل، وجدنا صندوقًا صغيرًا يحتوي على ميدالية ذهبية منقوش عليها
وسام الأمانة.
ومعها رسالة أخيرة
إذا وصل هذا الوسام إلى أحفاد زينب، فأعلموهم أن الشرف ميراث لا يُشترى، وأن السمعة الطيبة أغلى من كل كنوز الدنيا.
لم أتمالك نفسي، وبكيت.
ليس لأننا وجدنا ذهبًا...
ولكن لأن ستي، بعد كل تلك السنين، نالت الاعتذار الذي تستحقه.
بعد أشهر، قررت المحافظة تحويل بيت الباشا إلى متحف صغير يروي تاريخ المكان، وخصصوا ركنًا بعنوان
زينب... حارسة الأمانة.
وُضعت فيه صورة ستي، والغويشة، ونسخة من خطاب البراءة، وقصة رد اعتبارها.
وفي يوم الافتتاح، وقف عمي أمام الصورة طويلًا، ثم اقترب مني وقال بصوت مكسور
سامحيني... ظلمنا أمك وجدتك، وصدقنا كلامًا عمرنا ما تأكدنا منه.
ابتسمت وقلت
المسامحة أسهل لما الحق يرجع.
رجعت بيتي، وعلقت الغويشة في صندوق زجاجي صغير، ولم أعد ألبسها.
كلما سألني أولادي عنها، كنت أقول
دي مش مجرد غويشة... دي الدليل إن الحقيقة ممكن تتأخر سنين، لكنها في النهاية تجد طريقها للنور.
وهكذا
انتهت رحلة الغويشة التي ظنها الجميع قطعة نحاس قديمة...
لتصبح رمزًا للأمانة، والصبر، ورد الاعتبار.
تمت.

تم نسخ الرابط