صاحب محل الدهب

لمحة نيوز

صاحب محل الدهب أول ما شاف الغويشة القديمة اللي في إيدي وشه اتغير، ومسك التليفون يطلب البوليس وساعتها فهمت إن ستي ما سابتليش خردة، دي سابتلي سر العيلة كله.
في مصر كان اسمي نونة، وكنت عندي ثمان سنين يوم رحلت ستي، اليوم اللي اتعلمت فيه إن بعض الأقارب ينتظرون خروج الروح عشان يفتشوا في الدواليب.
آخر أيامها في المستشفى، كان عمي الكبير ومراته نبوية لا يفارقون الأوضة، لكن ليس حبًا فيها، بل طمعًا في دفتر التوفير وعقود الأرض والذهب.
كنت قاعدة في ركن الأوضة أسمعهم يتكلمون في الطرقة، ونبوية تقول لعمي لازم نخلص قبل إخواتك يوصلوا ويقسموا الغنيمة.
ستي كانت تسمع وهي ساكتة، ثم مدت إيدها الضعيفة ناحيتي وقالت تعالي يا نونة يا قلب تيتا.
قربت منها، فأخرجت من تحت المخدة لفة قماش قديمة، وحطتها في إيدي وقالت دي ليكي، البسيها وإياكي في يوم تقلعيها.
فتحت القماشة، لقيت غويشة غامقة مطفية، عليها نقوش سوداء خفيفة، لا تلمع ولا تشبه دهب سماح بنت عمي.
وعدتها وأنا أبكي حاضر يا تيتا، مش هقلعها أبدًا.
بعد أيام، قرأت نبوية ورقة قالت إنها وصية ستي، وأعطت بنتها سماح سلسلة ذهب وغويشة لامعة، وأعطت ابنها خاتمًا ومبلغًا، ثم نظرت لي بسخرية.
قالت قدام الكل أما نونة فستها سايبالها الغويشة القديمة دي.
ضحكوا كلهم، ونبوية قالت يا حبيبتي، دي باينها حتة نحاس من كتر ما ستك كانت بتحبك.
ضحكت سماح وهي تلمّع سلسلتها قدامي وقالت لو غسلتي اللي في إيدك ببريل هتقشر وتبان حقيقتها.
نظرت لأبويا عشان يدافع عني، لكنه كان منزل عينه في الأرض كعادته، يخاف من عمي ومن لسان نبوية.
كبرت والغويشة في إيدي، وكبرت معاها سخرية العيلة، في كل عيد وكل فرح وكل زيارة.
كانوا يقولون نونة لسه لابسة

خردة ستها، وأنا كنت أضحك بوجع وأقول إنها ذكرى.
لكن في قلبي كنت أتمسك بكلمة ستي الأخيرة، لأنها قالتها بحنان لا يشبه الخداع دي ليكي يا قلب تيتا.
حتى لما اتجوزت شريف، لبست الغويشة في فرحي، فذهبت نبوية لحماتي وقالت ما تفهميش غلط، دي مش ذهب، دي فالصو والبنت متعلقة بيها.
وبعد الجواز، شريف نفسه قال لي بلاش تلبسيها قدام أهلي، شكلها رخيص.
وجعني كلامه، لكني لم أخلعها.
وفي يوم، وأنا في الشغل، خبطت إيدي في طرف المكتب، واتخربشت الغويشة خربوش عميق، فخفت عليها أكثر مما خفت على نفسي.
ذهبت إلى محل دهب كبير في الصاغة، صاحبه رجل وقور اسمه الحاج رضوان، وقلت له يشوف لي حل من غير ما يبوظها.
أول ما أمسك الغويشة، سكت تمامًا.
قلبها تحت العدسة، ثم تحت لمبة قوية، ثم نادى عامل المحل وقال له يقفل الباب بهدوء.
قلبي وقع في رجلي، وسألته في إيه يا حاج؟ هي مسروقة ولا فيها حاجة؟
قال بصوت متوتر اقعدي يا بنتي واهدي، الحاجة دي جبتيها منين؟
قلت له من ستي، ادتهالي قبل ما ترحل من عشرين سنة.
اتصل برجل اسمه الدكتور ونيس، وبعدها طلب البوليس، وأنا واقفة لا أعرف هل أنا شايلة مصيبة في إيدي ولا كنز ملعون.
وصل الدكتور ونيس، رجل كبير ببالطو ونظارة، ولبس جوانتي وفحص الغويشة بدقة، ثم بص للحاج رضوان وقال هي هي العلامة الملكية موجودة تحت طبقة السواد.
سألتهم بخوف علامة إيه؟
قال الدكتور الغويشة دي أثر نادر مفقود من عشرات السنين، مش نحاس ولا فالصو، دي قطعة تاريخية متسجلة باسم عائلة كبيرة اختفت منها ليلة حريق قديم.
دخل ضابط القسم، وأول ما سمع اسم ستي وقف مكانه وقال استنوا الاسم ده موجود في محضر قديم عن خادمة اتهموها ظلمًا بسرقة مصوغات عائلة باشا.
حسيت الدنيا بتدور، لأن
ستي طول عمرها كانت تقول إنها خدمت في بيت كبير وهي صغيرة، لكنها عمرها ما حكت لنا سبب خروجها منه.
وفي اللحظة دي، فتح الدكتور الغويشة من جزء سري صغير، فخرجت منها ورقة ملفوفة بعناية، مكتوب عليها بخط قديم براءة زينب ليست في الذهب البراءة في توقيع نبوية.
تجمدت مكاني، لأن نبوية التي سخرت مني عشرين سنة لم تكن مجرد مرات عمي، بل كانت حفيدة المرأة التي اتهمت ستي بالسرقة قديمًا.
وقبل أن أستوعب، اتصل الحاج رضوان برقم من الورقة، وبعد دقائق وصل محامٍ مسن يحمل ملفًا أصفر وقال لي ستك لم تترك لك غويشة يا بنتي ستك تركت لك حقًا ضاع من عائلتكم خمسين سنة.
الي عايز يعرف الباقي يكتب تمفي اللحظة اللي خرجت فيها الصرخة من نبوية، بص لها الضابط بنظرة ثابتة وقال
واضح إنك تعرفي الصندوق ده.
حاولت تتماسك وقالت بسرعة لا... اتخضيت بس.
لكن ارتباكها كان أكبر من أي تبرير.
أمر الضابط باصطحاب الجميع إلى بيت الباشا القديم، بعد الحصول على إذن بفتح المخزن. كان القصر مهجورًا منذ سنوات طويلة، تغطيه الأتربة، والأبواب تصدر صريرًا مع كل خطوة.
نزلوا إلى المخزن السفلي، وبدأوا يعدّون الصناديق الخشبية القديمة.
واحد...
اتنين...
تلاتة...
حتى وصلوا إلى صندوق كبير كُتب عليه باللون الأسود الباهت
رقم ٧
أخرج الدكتور ونيس المفتاح النحاسي، وأدخله في القفل.
في البداية لم يتحرك.
ثم مع لفة خفيفة...
صدر صوت تك.
وانفتح الصندوق ببطء.
تجمع الجميع حوله.
لكنهم لم يجدوا ذهبًا ولا مجوهرات.
كان بداخله دفتر حسابات قديم، وعدة عقود ملكية، وصندوق صغير من الصاج.
فتح الضابط الصندوق الصغير، فوجد بداخله خاتمًا يحمل ختم العائلة، ومعه خطاب مغلق.
قرأ المحامي الخطاب بصوت مرتفع
أنا... صاحب هذه الأملاك.
.. أكتب هذا وأنا بكامل قواي العقلية، وأشهد أن زينب كانت أمينة مخلصة، ولم تمد يدها يومًا إلى شيء لا تملكه. ومن اتهمها ظلمًا فعل ذلك لإخفاء تلاعبه في الحسابات.
ثم فتح دفتر الحسابات، فوجد صفحات كاملة تثبت أن هناك شخصًا كان يزوّر الأرقام ويستولي على أموال العائلة، ثم ألقى التهمة على زينب لتبرئة نفسه.
ساد الصمت.
ونظرت إلى صورة ستي التي كنت أحتفظ بها في هاتفي، وامتلأت عيناي بالدموع.
بعد أكثر من خمسين سنة...
خرج اسمها نظيفًا كما عاش في قلبي دائمًا.
لكن المحامي قلب الصفحة الأخيرة من الدفتر، فتغيرت ملامحه فجأة، وقال بصوت منخفض
واضح إن القصة لسه ما انتهتش...
رفعت رأسي بسرعة وسألته
ليه؟
أشار إلى سطر مكتوب بخط مختلف
من يثبت براءة زينب... يصبح صاحب الحق في استلام الأمانة الأخيرة، الموجودة في المكان الذي لا يعرفه إلا شاهد واحد ما زال على قيد الحياة.
نظر الضابط إلى المحامي وقال
إذا كان الشاهد ما زال حيًا... فلازم نوصله قبل فوات الأوان.
وانطلقت رحلة جديدة، لا للبحث عن كنز... بل للعثور على الرجل الوحيد الذي يحمل آخر قطعة من الحقيقة وصل المحامي الملف الأصفر قدامي، وفتح أول صفحة بحذر، ثم قال
اقري السطر ده بنفسك.
بصيت، ولقيت مكتوب بخط قديم
إذا ظهرت هذه الغويشة يومًا، تُعاد القضية للتحقيق، ويُسلَّم هذا الملف إلى حفيد زينب فقط.
حسيت جسمي كله بيرتعش.
سأل الضابط يعني إيه الكلام ده؟
رد المحامي من خمسين سنة، صاحب القصر وقتها كان مقتنع إن زينب بريئة، لكنه مات قبل ما يثبت ده رسميًا. فكتب كل الأدلة وحطها مع الغويشة، لأنها كانت الحاجة الوحيدة اللي محدش هيشك فيها.
الدكتور ونيس فتح باقي الأوراق، فظهرت إيصالات قديمة، وصور، وخطابات مختومة.
لكن أهم
ورقة كانت اعترافًا بخط يد سيدة اسمها نعيمة هانم، كتبت فيه
زينب لم تسرق
تم نسخ الرابط