امى جاتلى زياره

لمحة نيوز

كان مجرد ندم مؤقت.
أخت طارق الصغيرة اتخطبت لشاب من أسرة بسيطة جدًا، أبوه مدرس وأمه ربة منزل. أول ما الخبر اتعرف، بعض قرايبهم بدأوا يهمسوا
مش من مستوانا.
البنت كانت تستاهل حد أغنى.
إزاي توافق على الجوازة دي؟
كنت قاعدة ساكتة أسمع الكلام، وقلبي بيدق.
لأن دي نفس الكلمات اللي اتقالت عني زمان.
وفجأة، لقيت طارق واقف وقال قدام الكل
المستوى الحقيقي أخلاق وتربية، مش رصيد بنك.
الصالون كله سكت.
واحدة من قرايبه قالت باستهزاء
واضح إن مراتك أثرت عليك.
ابتسم طارق وقال
أيوه أثرت فيا... وعلمتني حاجة كنت جاهلها.
أنا وقتها حسيت بدموعي بتنزل.
مش علشان دافع عني.
لكن علشان لأول مرة يدافع عن مبدأ.
بعدها بأيام، أخد ابني الصغير ونزل بيه البلد عند أمي يومين كاملين.
ولما رجع، الولد كان بيجري في البيت ويقول
أنا ركبت الجرار! وأكلت فطير سخن!
وأول مرة أشوف طارق بيحكي بفخر عن أصل عيلتي بدل ما يخبيه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت بعد وفاة والدي بسنتين.
أمي بقت عايشة لوحدها.
وفي يوم لقيت طارق بيقولي
أنا بفكر نجيب والدتك تعيش معانا.
افتكرت إني سمعت غلط.
نفس الراجل اللي وقفها يومًا على الباب؟
نفس الراجل اللي هددني بالطلاق؟
بصلي وقال
هي كبرت في السن... ومين أولى بيها غيرنا؟
يوم ما دخلت أمي البيت بإرادتها، كانت شايلة شنطة صغيرة.
لكن المرة دي محدش كان باصصلها بتعالي.
ابني جري عليها وحضنها.
وأنا مسكت إيدها.
أما طارق فشال الشنطة من إيدها وقال
تعبتي كتير يا أمي... جه دورنا نرد الجميل.
أمي بصتلي بعين مليانة دموع وهمست
افتكري يا بنتي يوم ما وقفت على الباب؟
هززت راسي.
ابتسمت وقالت
ربنا كبير... بيغير القلوب لو فيها خير.
وبعد سنين طويلة، لما كان ابني كبر وبقى شاب، سأل أبوه مرة
إيه أكبر غلطة ندمت عليها في حياتك؟
سكت طارق شوية، وبعدين قال
اليوم اللي فكرت فيه إني
أجرح ست كبيرة جاية تزور بنتها بحب.
ثم بص ناحيتي وقال
ولولا إن أمك وقفت وقتها وقفة حق، كنت خسرت أعظم نعمة في حياتي.
وساعتها عرفت إن بعض الجروح بتفضل علامتها موجودة...
لكن الاعتراف بالخطأ، والتغيير الحقيقي، ممكن يحول أسوأ لحظة في العمر إلى درس يتورث للأبناء. مرت السنوات، وكبر ابننا آدم، وبقت أمي جزء أساسي من البيت. وجودها كان عامل دفا غريب، حتى طارق نفسه بقى متعلق بيها بطريقة محدش كان يتخيلها.
لكن في يوم، الدنيا رجعت تختبرنا من جديد.
أمي تعبت فجأة.
في الأول افتكرناها نزلة برد عادية، لكن بعد الفحوصات والتحاليل، الدكتور طلب يقعد معانا.
لما خرج من المكتب، كانت ملامحه كفاية علشان نفهم إن الخبر مش سهل.
المرض كان خطير، والعلاج هيبقى طويل ومتعب.
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن الدنيا بتضيق عليا.
لكن اللي صدمني بجد كان طارق.
من يومها تقريبًا، بقى أول واحد يصحى معاها وآخر واحد ينام.
هو اللي كان بياخدها الجلسات.
وهو اللي كان يقعد بالساعات جنب سريرها يحكيلها عن آدم وشغله وأخباره.
وفي مرة سمعت أمي بتقوله
يا ابني، أنا تعبتك معايا.
فرد عليها بسرعة
متقوليش كده يا أمي... أنا لسه بسدد جزء صغير من دَين كبير.
ابتسمت أمي، لكني شفت دموعها.
كانت فاهمة قصده.
كلنا كنا فاهمين.
ومع مرور الشهور، بقت حالة أمي أضعف وأضعف.
وفي ليلة هادئة، طلبت تجمعنا كلنا حواليها.
أنا وطارق وآدم.
مسكت إيدي وإيد طارق وحطتهم فوق بعض.
وقالت بصوت متقطع
خليكم سند لبعض... الدنيا مبتدومش لحد.
بعدين بصت لطارق وقالت
أنا مسامحاك من زمان يا ابني.
طارق نزل برأسه وبدأ يبكي زي طفل صغير.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
وقال وهو بيبكي
أنا اللي عمري ما هسامح نفسي.
ابتسمت أمي ابتسامة هادية وقالت
ربنا بيحب التوابين.
وبعد ساعات قليلة...
رحلت.
رحلت وهي مطمنة على بنتها، ومطمنة على البيت
اللي كانت خايفة عليه يوم من الأيام.
بعد الجنازة بأيام، كنت قاعدة في أوضتها، أبص على حاجتها وأعيط.
لقيت ظرف صغير مكتوب عليه اسمي.
فتحته بإيدين مرتعشتين.
كانت رسالة من أمي.
كاتبة فيها
يا بنتي، لو بتقري الرسالة دي يبقى أنا سبت الدنيا. عايزاكي تعرفي إني عمري ما زعلت من اللي حصل يوم الباب. الزعل الحقيقي كان هيبقى لو فرطتي في نفسك أو في كرامتك. أنا كنت فخورة بيكي يومها، وفخورة بيكي كل يوم بعده. خلي قلبك أبيض، ومتورثيش لأولادك وجع ولا كِبر. الناس قيمتها بأخلاقها، مش بأصلها ولا مالها.
فضلت أبكي وأنا بقرأ كلماتها.
لكن فجأة حسيت بيد على كتفي.
كان طارق.
بص للرسالة وسألني
قالت إيه؟
ناولته الورقة.
قرأها كاملة.
ولما خلص، طواها بحرص شديد وقال
الرسالة دي هتفضل عندنا طول العمر.
ومن يومها، اتحطت الرسالة في برواز صغير في الصالة.
كل ما حد يدخل البيت ويسأل عنها، كان آدم يقول بفخر
دي رسالة جدتي... الست اللي علمتنا يعني إيه كرامة، ويعني إيه تسامح.
وهكذا انتهت الحكاية...
لكن أثرها فضل عايش في قلوبنا كل يوم. مرت سنين تانية، وآدم خلص دراسته الجامعية وبقى شاب محترم يشرف أي أب وأم.
وفي يوم رجع البيت ومعاه خبر.
دخل علينا وهو متوتر وقال
أنا عايز أكلمكم في موضوع مهم.
أنا وطارق بصينا لبعض وابتسمنا.
واضح إن الموضوع مفهوم.
قعد آدم وقال
أنا عايز أتقدم لبنت.
فرحت من قلبي، لكني سألته
مين هي يا حبيبي؟
ابتسم وقال
اسمها مريم.
وبدأ يحكيلنا عنها.
بنت مؤدبة، متفوقة، وأخلاقها عالية.
كل حاجة كانت جميلة...
لحد ما قال جملة واحدة
هي من قرية صغيرة في الصعيد.
في اللحظة دي، ساد الصمت ثواني.
مش لأن حد فينا عنده اعتراض.
لكن لأن الذكرى رجعت فجأة.
ذكرى باب اتقفل زمان في وش ست غلبانة جاية بخيرها وحبها.
آدم استغرب وقال
في حاجة؟
بصله طارق وابتسم.
وقال
بالعكس... دي حاجة
تفرح.
وبعدين حكاله لأول مرة القصة كلها.
من أول يوم شاف فيه جدته واقفة على الباب.
لحد اليوم اللي بقت فيه أغلى إنسانة في حياته بعد مراته وابنه.
آدم كان بيسمع وهو مذهول.
ولما طارق خلص، قال
أنا حكيتلك القصة دي علشان أوصيك بحاجة واحدة.
إيه هي؟
لو ربنا رزقك بزوجة صالحة، أوعى في يوم تحسسها إنها أقل منك أو من عيلتك.
هز آدم رأسه وقال
مستحيل.
وبعد شهور، سافرنا كلنا علشان نتقدم رسمي لمريم.
ولما وصلنا بيت أهلها...
اتجمدت مكاني.
المشهد كان شبه اللي حصل من أكتر من عشرين سنة.
بيت بسيط.
ناس طيبين.
وفرحة مالية المكان.
وأم مريم كانت واقفة مستنيانا.
ولما دخلنا، قدمت أكل من إيديها وهي معتذرة
معذرة يا جماعة، إمكانياتنا بسيطة.
قبل ما حد يرد، مد طارق إيده وأخذ طبق الأكل وقال بابتسامة
البساطة دي هي أحلى حاجة في الدنيا.
وبعدين أكل أول لقمة.
وأثنى على الأكل قدام الكل.
وأنا شفت دموع الست وهي بتحاول تخبيها.
يمكن لأنها لأول مرة تشوف حد يقدر تعبها بالشكل ده.
تمت الخطوبة، وبعدها الجواز.
وفي يوم الفرح، كان فيه كرسي فاضي جنبنا.
كرسي أمي.
ماكنش موجودة بجسدها.
لكن كانت موجودة في كل تفصيلة.
في طريقة تربيتنا لآدم.
في اختياره.
في احترامه لأهل مراته.
وفي القيم اللي فضلت عايشة بعد رحيلها.
وفي آخر الليل، بعد ما الناس كلها مشيت، خرج طارق في البلكونة وبص للسما.
وسمعته بيهمس
شايفة يا أمي؟ وعدتك زمان إني أصلح غلطتي... وأظن النهارده وفيت بوعدي.
وفي نفس اللحظة، حسيت إن روح أمي لو كانت بتشوفنا من بعيد...
كانت هتبتسم مطمنة، لأنها سابت وراءها مش مجرد بنت وحفيد...
لكن سابت أثرًا غير حياة عيلة كاملة للأبد. لكن الحكايات الحقيقية عمرها ما بتنتهي بكلمة تمت...
بعد جواز آدم ومريم بسنتين، ربنا رزقهم ببنت جميلة. يوم الولادة، كنت واقفة قدام حضّانة الأطفال أبص للبنوتة
الصغيرة وهي نايمة، وفجأة سمعت آدم بيقول
اخترنا اسمها.
ابتسمت وسألته
إيه هو؟
بصلي وبص لأبوه وقال
هنية.
اتسعت عيوني.
ده كان اسم أمي.
اسم الست اللي بدأت الحكاية كلها.
طارق وقتها سكت،
تم نسخ الرابط