امه طردت مراته
المحتويات
الباب وفتحه.
دخلت أمه بسرعة وهي تلهث، وكأنها كانت تجري.
لكن أول ما وقعت عيناها على المفكرة المفتوحة فوق الطاولة، شحب وجهها.
وبدون مقدمات قالت
اقفلوا الموضوع ده.
سكت الجميع.
ثم كررتها
أرجوك يا ابني... اقفلوا الموضوع.
رفع رأسه ببطء.
بعد سنتين؟
لم ترد.
بعد ما ضيعتِ بيتي؟
سكتت.
بعد ما خلتيني أصدق إن مراتي سابتني بإرادتها؟
بدأت الدموع تلمع في عينيها.
لكنها ظلت صامتة.
أما زوجته فقالت لأول مرة منذ بداية المواجهة
قوليلُه الحقيقة كلها.
التفتت الأم إليها بنظرة غريبة.
نظرة فيها ألم قديم.
وقالت
لو عرف الحقيقة... عمره ما هيسامحني.
رد الزوج بحدة
مش هسامحك أصلًا لو فضلتي ساكتة.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم جلست الأم على كرسي خشبي قديم.
وكأن السنين كلها هبطت فوق كتفيها فجأة.
وقالت بصوت مكسور
أبوك قبل ما يموت بشهر، سلمني ظرف مقفول.
اتسعت عينا الزوج.
وأكملت
وقالي مايتفتحش غير بعد عشر سنين.
وظل الظرف مستخبي عندي سنين طويلة.
لكن بعد جوازك بشهور... حصل اللي ماكنتش متوقعاه.
اقترب عماد خطوة.
واضح أنه يعرف جزءًا من القصة.
أما الزوج فكان يسمع لأول مرة.
قالت الأم
في يوم وأنا بنضف المخزن القديم... لقيت الظرف مفتوح.
شهق الزوج.
مفتوح؟!
هزت رأسها.
وأول حد شوفته خارج من المخزن وقتها كانت مراتك.
التفت الجميع نحو الزوجة.
لكنها صرخت فورًا
كذب!
ثم أخرجت من حقيبتها الصغيرة شيئًا ملفوفًا بقماش قديم.
ووضعته فوق الطاولة.
انحنت الأم للأمام.
وفجأة اتسعت عيناها من الرعب.
لأنها عرفت الشيء فورًا.
كان نفس الظرف.
لكن مختوم بالشمع الأحمر كما هو.
لم يُفتح أبدًا.
ارتجفت الأم.
إزاي...؟
قالت الزوجة بصوت ثابت
لأن الظرف عمره ما اتفتح.
وأنا احتفظت بيه من يوم ما لقيته واقع جنب المخزن.
سقط الصمت.
الزوج شعر أن الأرض تهتز تحته.
إذا كان الظرف لم يُفتح...
فمعنى ذلك أن أمه كانت مخطئة طوال الوقت.
لكن السؤال الأخطر ظهر فورًا.
إذا لم تكن زوجته هي من فتحته...
فمن الذي فتح الظرف الآخر؟
ومن أين جاء أصلًا؟
اقترب عماد من الطاولة.
وقلب
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع
لأن فيه ظرفين.
رفعوا رؤوسهم نحوه دفعة واحدة.
أكمل بصوت منخفض
وأبوك قبل ما يموت كتب في مذكراته إنه عمل نسختين... واحدة أصلية وواحدة مزورة.
شهقت الأم.
أما الزوج فشعر أن كل ما يعرفه عن عائلته بدأ ينهار.
لكن الصدمة الأكبر جاءت بعدها.
لأن عماد أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية.
وقال
وأنا لقيت النسخة المزورة.
فتح الورقة ببطء.
وفي أعلاها سطر واحد فقط بخط والد الزوج
إذا وصلت هذه الورقة إلى غير ابني... فاعلموا أن هناك من يراقب العائلة منذ سنوات.
ساد الصمت.
ثم سمعوا فجأة صوت شيء يتحطم خارج المخزن.
التفتوا نحو النافذة.
وكان هناك ظل شخص يقف في الظلام يراقبهم.
شخص كان يستمع لكل كلمة.
لكن ما أرعبهم أكثر...
أنه بمجرد أن التقت أعينهم به...
اختفى في لحظة.
وكأنه يعرف بالضبط ما الذي يبحثون عنه...
ويسبقهم بخطوة دائمًا اندفع الزوج ناحية الباب وخرج يجري إلى الشارع الخلفي للمخزن.
لكن الزقاق كان خاليًا.
لا أثر لأحد.
ولا حتى صوت خطوات.
وقف يلتقط أنفاسه، بينما عماد خرج خلفه بسرعة.
قال الزوج
شوفته؟
هز عماد رأسه.
لمحت شخص لابس جلابية غامقة... بس اختفى.
رجعوا للمخزن.
فوجدوا الأم واقفة مكانها، ووجهها شاحب أكثر من أي وقت مضى.
أما الزوجة فكانت تضم يوسف إلى صدرها بقوة.
وفجأة قالت الأم بصوت مرتعش
رجع.
التفت الجميع إليها.
مين؟
بلعت ريقها.
الرجل اللي كان أبوك خايف منه.
ساد الصمت.
حتى عماد بدا عليه الذهول.
قال الزوج
أبوك كان خايف من مين؟
جلست الأم ببطء.
ثم قالت
زمان... قبل ما تتولد بسنين، كان أبوك شريك لثلاثة رجال في مشروع كبير.
لكن حصل خلاف بينهم.
واحد منهم اختفى.
والتاني مات.
وأبوك فضل طول عمره مقتنع إن الشخص الثالث لسه بيدور على حاجة معينة.
اقترب الزوج أكثر.
حاجة إيه؟
نظرت الأم ناحية الظرف المختوم.
ثم قالت
الحقيقة.
ساد صمت ثقيل داخل المخزن.
الكل بقى ينظر إلى الظرف.
كأنه مفتاح لكل الأسرار.
لكن قبل أن يمد أحد يده إليه...
سمعوا صوت بكاء يوسف.
التفتت
وأثناء تهدئته سقطت من جيب حقيبتها ورقة صغيرة مطوية.
وقعت على الأرض.
لاحظها الزوج.
انحنى وأخذها.
وفي اللحظة التي فتحها فيها...
تغير لون وجهه.
كانت صورة قديمة.
صورة لأبيه.
لكن لم يكن وحده.
كان واقفًا مع الرجال الثلاثة الذين تحدثت عنهم أمه.
والمفاجأة...
أن أحدهم لم يكن غريبًا.
كان شخصًا يعرفه جيدًا جدًا.
شخصًا قابله عشرات المرات في طفولته.
وشخصًا ما زال حيًا حتى الآن.
رفع الصورة بيده المرتعشة.
وقال
مستحيل...
اقتربت الأم من الصورة.
وبمجرد أن رأتها، وضعت يدها على فمها من الصدمة.
الصورة دي عندك منين؟!
رفعت الزوجة رأسها وقالت
لقيتها جوه شنطة قديمة كانت في البيت اللي قعدت فيه بعد ما اتطردت.
عماد أخذ الصورة.
وبدأ يقلبها.
ثم تجمد فجأة.
لأن خلف الصورة كانت هناك كتابة باهتة بالقلم الأزرق.
اقترب الجميع لقراءتها.
وكان مكتوبًا
النسخة الأصلية ليست في الظرف.
اتسعت عيون الجميع.
وأكملت الجملة
من يجد هذه الصورة فليبحث تحت شجرة التوت القديمة.
شهقت الأم.
أما الزوج فشعر أن قلبه سقط في قدميه.
لأنه يعرف شجرة التوت دي جيدًا.
كانت موجودة في أرض قديمة ورثها عن أبيه.
أرض مهجورة لم يزرها أحد منذ سنوات طويلة.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها.
لأن الأم همست فجأة
الشجرة اتحرقت...
نظروا إليها جميعًا.
وأكملت بصوت مرتجف
من أسبوع بس.
تبادلوا النظرات في ذهول.
إذا كانت الشجرة احترقت منذ أسبوع...
فمعنى ذلك أن شخصًا آخر عرف مكان السر قبلهم.
وشخصًا ما كان يفتش هناك بالفعل.
وفجأة رن هاتف عماد.
نظر إلى الشاشة.
فتغير وجهه بالكامل.
قال الزوج بقلق
في إيه؟
رفع عماد الهاتف ببطء.
وكانت الرسالة من رقم مجهول.
رسالة قصيرة جدًا.
لكنها جعلت الدم يتجمد في عروقهم جميعًا
تأخرتوا سنتين...
والشيء اللي تحت الشجرة بقى عندي.
يتبع...ساد صمت مرعب داخل المخزن.
الجميع كان ينظر إلى شاشة الهاتف.
الرسالة قصيرة... لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء.
رفع الزوج الهاتف من يد عماد وقرأها مرة ثانية وثالثة.
نفس الكلمات.
تأخرتوا
رفع رأسه ببطء.
مين بعت الرسالة؟
عماد ضغط على الرقم.
لكن الهاتف أعطى إشارة أن الرقم غير متاح.
كأن صاحبه اختفى فور إرسالها.
وفجأة تكلمت الزوجة
مش مهم مين بعته.
التفتوا إليها.
وقالت
المهم... إزاي عرف إننا وصلنا للصورة؟
ساد الصمت مرة أخرى.
لأن السؤال كان مخيفًا.
لم يكن أحد غيرهم يعرف بأمر الصورة.
أو هكذا كانوا يعتقدون.
نظر الزوج إلى الموجودين حوله.
أمه.
زوجته.
عماد.
ثم نفسه.
أربعة أشخاص فقط.
لكن الرسالة وصلت بعد دقائق من اكتشافهم للصورة.
كأن أحدًا كان يراقبهم من الداخل.
في تلك الليلة لم ينم أحد.
وقبل الفجر بقليل، قرروا الذهاب إلى الأرض القديمة.
حتى لو كانت الشجرة احترقت.
ربما بقي شيء.
وصلوا بعد شروق الشمس.
الأرض كانت مهجورة فعلًا.
والأعشاب غطت أجزاء كبيرة منها.
وفي منتصفها وقف جذع أسود محترق.
بقايا شجرة التوت.
اقترب الزوج ببطء.
ولأول مرة شعر أن أباه ما زال حاضرًا بطريقة غريبة.
ركع على ركبتيه بجوار الجذع.
وبدأ يحفر بيديه.
ساعده عماد.
وبعد دقائق طويلة...
ارتطم شيء معدني بالمجرفة.
تبادلوا النظرات.
وبدأوا يزيلون التراب بسرعة.
حتى ظهر صندوق حديدي صغير.
صدئ من الخارج.
لكن القفل ما زال موجودًا.
شهقت الأم.
يا ساتر...
أما الزوج فحمله بيدين مرتعشتين.
وقال
يبقى الرسالة كانت كذب.
لكن عماد لم يرد.
لأنه كان يحدق في شيء خلفهم.
شيء جعل وجهه يتحول إلى اللون الأبيض.
التفت الجميع.
فوجدوا سيارة قديمة متوقفة عند طرف الأرض.
لم يسمع أحد صوت وصولها.
ولا رأى أحد متى جاءت.
والأغرب...
أن السائق لم ينزل منها.
كان فقط جالسًا يراقبهم.
من بعيد.
بهدوء.
ثم فتح باب السيارة أخيرًا.
ونزل رجل مسن.
شعره أبيض بالكامل.
لكن خطواته ثابتة بشكل غريب.
تقدم نحوهم ببطء.
حتى توقف على بعد أمتار قليلة.
ثم نظر مباشرة إلى الزوج.
وقال
الصندوق ده مش ليك.
ارتفعت دقات القلوب.
أما الأم...
فبمجرد أن رأت الرجل أطلقت شهقة مكتومة.
وتراجعت خطوة للخلف.
همس الزوج
إنتِ تعرفيه؟
لكنها لم تستطع
فقط ظلت تنظر إليه في رعب.
أما الرجل العجوز فابتسم ابتسامة صغيرة وقال
آخر مرة شوفتك فيها كنت طفل عندك خمس سنين.
اتسعت عينا الزوج.
مين حضرتك؟
نظر الرجل إلى الصندوق أولًا.
ثم قال جملة جعلت الجميع يتجمد مكانه
أنا الشريك الرابع.
ساد الصمت.
لأنهم طوال الوقت كانوا يبحثون عن ثلاثة
متابعة القراءة