امه طردت مراته
أمه طردت مراته وهي حامل من غير ما يعرف، وعدّت سنتين كاملين وهو مقتنع إنها سابته ومشيت بإرادتها. وفي يوم عادي جدًا، وهو نازل يشتري شوية حاجات للبيت من السوق الشعبي، لمح وشّ مألوف وسط الزحمة.
في الأول افتكر إنه بيتوهم.
وقف مكانه وبص تاني.
كانت هي.
واقفة ورا فرشة خضار صغيرة، لابسة عباية باهتة من كتر الغسيل، وشايلة طفل على إيدها وهي بتحاسب زبونة. ملامحها اتغيرت، والتعب كان واضح على وشها، لكن مفيش شك إنها هي.
قلبه دق بعنف.
سنتين كاملين وهو بيسأل عنها ومحدش بيديله إجابة واضحة. أهلها قالوا إنها مش عندهم، وأمه كانت كل مرة تؤكد له إنها هي اللي اختارت تمشي وتقطع علاقتها بيه.
وفجأة لقاها قدامه.
هي كمان لمحته.
إيدها اتجمدت في مكانها، والفلوس وقعت منها على الفرشة. للحظة قصيرة فضلت باصة له كأنها مش مصدقة إنه واقف قدامها فعلًا، وبعدها بسرعة شالت الطفل أكتر في حضنها وحاولت تشغل نفسها في ترتيب الخضار.
قرب منها بخطوات بطيئة.
كان عنده ألف سؤال، لكن ولا سؤال عرف يطلع من بقه.
وقف قدامها وقال بصوت منخفض متوتر
إنتِ... إنتِ هنا؟
رفعت عينيها له ثانية واحدة، ثم نزلتهم للأرض.
لو سمحت امشي.
الجملة نزلت عليه كالصاعقة.
أمشي؟ بعد سنتين؟
سكتت.
بص للطفل اللي في حضنها. طفل عمره حوالي سنة ونص أو سنتين، ملامحه الصغيرة شدته بشكل غريب.
ابتلع ريقه بصعوبة وسأل
ابنك؟
شدت الطفل ناحيتها أكثر، وكأنها بتحاول تحميه.
ولأول مرة رفعت عينيها ناحيته وقالت
أيوة... ابني.
في اللحظة دي حس إن الدنيا كلها وقفت.
مش بسبب الطفل.
لكن بسبب الخوف اللي شافه في عينيها منه... وكأنها مش شايفاه جوزها اللي كانت بتحبه يومًا، بل شخص غريب لازم تحذر منه.
وساعتها فقط بدأ يشك إن القصة اللي عاش مصدقها سنتين يمكن ما كانتش الحقيقة كاملة.
لباقى القصه لايك وصلى ع النبي ف الكومنتات وقف يبص للطفل للحظات طويلة، وكأن ملامحه بتفك قدامه لغز عمره
الطفل كان ماسك طرف عباية أمه بإيده الصغيرة، وباصص له باستغراب.
أما هي فكانت متوترة بشكل واضح.
قال بصوت مبحوح
اسمه إيه؟
ترددت ثواني قبل ما ترد
يوسف.
حس بحاجة غريبة جواه.
الاسم ده كان هو نفسه الاسم اللي اختاره زمان لو ربنا رزقهم بولد.
بلع ريقه وقال
هو... عنده كام سنة؟
ارتبكت أكتر.
وقبل ما ترد، جه راجل عجوز من أصحاب السوق وقال
يا بنتي الحساب ناقص عند الزبونة دي.
استغلت الفرصة والتفتت بعيد عنه.
لكن الراجل العجوز لمح الشبه بينهم وسأل بعفوية
هو الأستاذ ده قريبك يا أم يوسف؟
سكتت.
ثواني طويلة.
ثم قالت بصوت منخفض
كان جوزي.
الجملة وقعت على قلبه كالحجر.
كان.
مش جوزي.
كان جوزي.
مد إيده ناحية الطفل من غير ما يشعر، لكنها رجعت خطوة للخلف فورًا.
الخوف اللي في عينيها رجع من جديد.
ساعتها قال بغضب ممزوج بالوجع
أنا عملتلك إيه لكل ده؟
رفعت رأسها فجأة.
وكان واضح إنها بتحارب دموعها.
إنت فعلًا مش فاكر؟
اتجمد مكانه.
أفتكر إيه؟
ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة.
يبقى فعلاً نجحت.
مين؟
لكنها عضت على شفايفها وسكتت.
كأنها كانت على وشك تقول اسم حد، ثم غيرت رأيها في آخر لحظة.
في نفس الوقت، خرجت ست كبيرة من محل قريب وهي شايلة كيس خضار.
أول ما شافت الراجل واقف قدام الفرشة، وشها اتغير فجأة.
وبان عليها الارتباك.
أما الزوجة فاتسعت عيناها.
والست قالت بسرعة
أنا ماشية يا بنتي.
لكن الزوج أوقفها فورًا.
استني.
الست حاولت تمشي.
لكنه لاحظ إنها بتتفادى النظر في عينيه.
فسألها
إنتِ تعرفيني؟
ارتبكت.
لأ.
كذابة.
سكت السوق كله تقريبًا بعد الكلمة دي.
لأن الست كانت فعلًا تعرفه.
وكان واضح جدًا.
وفجأة الطفل الصغير مد إيده ناحية رقبتها وهو بيضحك.
فانزاح طرف طرحتها قليلًا...
لتظهر سلسلة فضة قديمة.
الزوج شهق.
السلسلة دي كان هو اللي اشتراها لمراته بعد شهرين من الجواز.
لكنها اختفت ليلة اختفاء زوجته نفسها.
رفع عينيه ناحية
وشاف الرعب الحقيقي لأول مرة على وشها.
فسأل بصوت منخفض
السلسلة دي وصلت عندك إزاي؟
الست بدأت تتلعثم.
أنا... أنا...
وقبل ما تكمل...
خرجت سيارة سوداء من آخر الشارع ووقفت فجأة جنب السوق.
وأول ما الزوجة شافتها، وشها شحب تمامًا.
وضمت يوسف لصدرها بقوة.
كأنها شافت كابوس رجع من الماضي.
أما الزوج فالتفت ناحية العربية...
ولمّا نزل منها الشخص اللي جواها، حس إن الأرض بتميد تحته.
لأنه كان شخصًا يعرفه جيدًا...
شخصًا كان متأكدًا طوال السنتين اللي فاتوا إنه مسافر خارج البلد من الأساس.
لكن وجوده هنا معناه حاجة واحدة فقط...
إن السر اللي اتدفن يوم اختفاء زوجته... لسه عايش.
ولسه محدش عرف حقيقته كاملة نزل الرجل من العربية بخطوات هادئة، لكن أول ما الزوج شاف وشه اتجمد مكانه.
كان عماد.
صديق عمره.
الرجل اللي كان بيعتبره أخوه، واللي اختفى فجأة من سنتين بحجة السفر للشغل.
أما عماد، فأول ما لمح الزوج واقف قدام الفرشة، وقف هو كمان وكأن الزمن رجع بيه للخلف.
لحظات صمت ثقيلة مرت بينهم.
ثم قال الزوج بصدمة
إنت؟!
عماد بلع ريقه وقال
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
الجملة زودت الشكوك أكتر.
الزوجة قبضت على يوسف بقوة، والطفل بدأ يعيط من التوتر اللي حاسه حواليه.
اقترب الزوج خطوة.
حد يفهمني... إيه اللي بيحصل؟
لكن عماد بص للزوجة أولًا.
كأنه بيستأذنها.
وهي هزت رأسها بالنفي بسرعة.
لا... مش هنا.
لكن الزوج فقد صبره.
مش هنا إيه؟! أنا بقالى سنتين بدور عليها!
الناس بدأت تتجمع حواليهم.
والفضول زاد.
فقال عماد بهدوء
تعال معايا مكان هادي... ولو بعد ما تسمعني حبيت تمشي، امشي.
بعد ساعة...
كانوا قاعدين في مخزن قديم خلف السوق.
الزوج في ناحية.
وزوجته في ناحية تانية.
وعماد واقف بينهم.
قال الزوج بعصبية
اتكلم.
تنهد عماد طويلًا.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا مهترئًا.
وحطه قدام الزوج.
تعرف ده؟
فتح الظرف.
وكانت الصدمة
صور.
صور لزوجته وهي حامل.
وصور لتقارير طبية.
وصور لبيت صغير متهالك.
كل الصور بتاريخ يرجع لسنتين.
يعني بعد اختفائها مباشرة.
رفع رأسه بذهول.
الصور دي جاتلك منين؟
رد عماد
لأنى أنا اللي صورتها.
سقط الصمت فجأة.
الزوج شعر أن قلبه بيتوقف.
لكن عماد أكمل بسرعة
قبل ما تفكر غلط... اسمع للآخر.
ثم أخرج شيئًا آخر.
مفكرة صغيرة.
لونها أزرق باهت.
أول ما الزوج شافها، عرفها.
كانت مفكرة أمه.
اللي عمرها ما كانت بتسيبها من إيدها.
قال بدهشة
دي عندك إزاي؟
ابتسم عماد ابتسامة حزينة.
لأنها وقعت منها يوم طردت مراتك.
الكلمات ضربته كالصاعقة.
التفت فورًا ناحية زوجته.
أما هي فأغمضت عينيها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنتين.
قال بصوت مرتعش
طردتك؟
دموعها نزلت لأول مرة.
لكنها لم تتكلم.
أما عماد ففتح المفكرة على صفحة معينة.
وقال
اقرأ بنفسك.
بدأ الزوج يقرأ.
وفي أول السطور تجمد الدم في عروقه
اليوم لازم البنت دي تمشي قبل ما ابني يعرف الحقيقة...
ارتعشت يده.
وأكمل القراءة.
لكن كل سطر كان أغرب من اللي قبله.
وكأن أمه كانت خائفة من شيء معين.
شيء كبير جدًا.
شيء له علاقة بورقة كانت مخبأة داخل البيت القديم للعائلة.
ورقة جعلتها مستعدة تخسر زوجة ابنها وحفيدها...
فقط حتى لا تصل تلك الورقة إلى يد ابنها.
رفع رأسه ببطء.
وعيناه مليئتان بالذهول.
وقال
ورقة إيه؟
نظر عماد إلى زوجته.
ثم قال
الورقة اللي أبوك الله يرحمه خبّاها قبل وفاته بأيام.
اتسعت عينا الزوج.
لأن أباه مات منذ سنوات طويلة.
ولم يكن أحد يتحدث عنه أبدًا.
لكن قبل أن يسأل أي سؤال...
سمعوا صوت ارتطام قوي خارج المخزن.
ثم صوت شخص يصرخ
افتحوا الباب!
نظر الثلاثة لبعضهم في رعب.
لأنهم عرفوا الصوت فورًا...
كان صوت أمه.
وكان واضحًا جدًا أنها عرفت أن السر بدأ ينكشف تجمدت الأنفاس داخل المخزن.
وصوت الطرق على الباب بقى أقوى.
افتح يا ابني... افتح حالًا!
كانت أمه.
لكن نبرة صوتها المرة دي ماكنتش فيها قوة ولا سيطرة زي ما تعود عليها طول عمره.
كان فيها خوف.
خوف حقيقي.
نظر إلى عماد.
ثم إلى زوجته.
ولأول مرة لاحظ أن الاثنين مش خايفين من انكشاف السر...
بل خايفين من حاجة أكبر.
اقترب من