كنت راحه ابيع دهبي بقلم نورهان
بقيت خايفة من الجهل أكتر من الحقيقة نفسها.
طلعنا للدور الأرضي.
بصينا يمين.
مفيش حد.
شمال.
مفيش حد.
لكن في منتصف الصالة كان فيه شيء جديد.
شيء مكنش موجود قبل ما ننزل.
كرسي خشبي قديم.
وعليه ملف أسود.
بس.
لا أكتر ولا أقل.
كأن اللي دخل البيت كان عايز يسيب رسالة ويمشي.
قرب مصطفى من الملف ببطء.
فتح أول صفحة.
وتجمد.
أنا خطفته من إيده.
ولما بصيت جواه حسيت إن قلبي وقع.
كان الملف كله صور.
صور لناس كتير.
بعضهم معرفهمش.
وبعضهم عرفته فورًا.
أمي.
حماتي.
والد مصطفى.
مصطفى وهو صغير.
وأغرب صورة فيهم كلها...
كانت صورة ليا أنا.
عمري فيها تقريبًا خمس سنين.
واقفة قدام البيت اللي اتربيت فيه.
لكن أنا متأكدة مليون في المية إن الصورة دي عمرها ما كانت عندنا.
قلبت الصور بسرعة.
لقيت تواريخ.
ملاحظات.
أماكن.
وكأن حد كان بيراقب أشخاص معينين سنين طويلة.
وفي آخر الملف كانت ورقة واحدة.
مرسوم عليها شجرة عيلة كبيرة.
بدأت أتتبع الأسماء بعيني.
اسم أمي.
اسم جدي.
اسم والد مصطفى.
أسماء كتير.
وفجأة وصلت لاسمي.
واتصدمت.
لأن السهم الخارج من اسمي كان متوصل بحاجة مكتوب جنبها
صاحبة الحق القانوني الوحيد.
رفعت عيني لمصطفى.
لقيته عارف الجملة دي.
عارفها من زمان.
قولت بصوت مرتجف
حق في إيه؟
محدش رد.
صرخت
انطقوا!
رد مصطفى أخيرًا
في حاجة كبيرة جدًا اتخبت من سنين... وحياتنا كلها اتبنت حوالين السر ده.
سر إيه؟
بلع ريقه وقال
الأرض.
أرض إيه؟
الأرض اللي بسببها ناس ماتت... وناس اختفت... وناس فضلت مستنية عشرين سنة.
قبل ما يكمل...
سمعنا صوت موتور عربية وقف قدام البيت.
وبعدين عربية تانية.
وبعدين تالتة.
بصيت من الشباك.
واتجمد الدم في عروقي.
لأن قدام البيت وقف أكتر من عشر رجالة.
وكل واحد فيهم نازل من العربية وهو باصص ناحية البيت مباشرة.
وكأنهم عارفين إننا هنا...
وعارفين إن الملف رجع لينا أخيرًا بصيتله وأنا حاسة إن عقلي هيقف.
خطة إيه؟ وصندوق إيه؟ وأمي مالها بكل ده؟
مصطفى
بعدها شد الصورة من إيدي وبص لها بحزن غريب.
حزن أول مرة أشوفه في عينيه.
وقال بهدوء
كنت أتمنى اليوم ده ميجيش أبدًا.
صرخت فيه
بطل ألغاز! أنا تعبت! من حقي أفهم!
قبل ما يرد، الباب اتفتح فجأة.
كانت حماتي.
أول ما شافت الصورة شهقت.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
خوف مش تمثيل.
خوف من حاجة أكبر منها.
قالت وهي بتقفل الباب
خلاص... طالما الصورة ظهرت يبقى مفيش فايدة من السكوت.
بصيت بينهم وأنا مش فاهمة.
مين دول؟
وإيه اللي بيحصل؟
قعد مصطفى على الكرسي وقال
فاكرة بيت جدك القديم اللي في البلد؟
هزيت راسي.
البيت ده كان مقفول من سنين طويلة بعد وفاة جدي.
قال
الصندوق الحديدي موجود هناك.
وإيه اللي جواه؟
ردت حماتي المرة دي
الحقيقة كلها.
حسيت إن دماغي هتنفجر.
حقيقة إيه؟
لكنهم رفضوا يتكلموا أكتر.
وقالوا إن لازم نروح البيت الأول.
وفي اليوم اللي بعده، اتحركنا قبل الفجر.
أنا ومصطفى وحماتي.
طول الطريق محدش كان بيتكلم.
لحد ما وصلنا البيت القديم.
كان مهجور.
الأبواب مغطاة بالتراب.
والشبابيك مكسورة.
لكن الغريب إن القفل الرئيسي كان جديد.
كأن حد بيستعمل المكان لحد دلوقتي.
بصيت لمصطفى.
فلاحظ نفس الحاجة.
ودخلنا بحذر.
مشينا وسط الأوض القديمة.
لحد ما وقفنا قدام أوضة مقفولة في آخر الممر.
حماتي قالت بصوت مرتعش
هنا.
فتح مصطفى الباب.
ودخلنا.
كانت أوضة صغيرة.
فاضية تقريبًا.
ما عدا سجادة قديمة في النص.
رفعها.
وظهر باب حديدي صغير في الأرض.
قلبي كان بيدق بعنف.
فتح الباب.
ونزلنا سلم ضيق لتحت.
وفي آخر السلم كان فيه صندوق حديدي كبير.
صدئ من الخارج.
لكن القفل بتاعه مكسور حديثًا.
اتجمدنا كلنا.
القفل كان مفتوح بالفعل.
يعني حد سبقنا.
مصطفى جري على الصندوق وفتحه.
لكن أول ما بص جواه، وشه اصفر.
حماتي حطت إيدها على قلبها.
أما أنا...
ففضلت واقفة مكاني مش قادرة أتنفس.
لأن الصندوق كان فاضي.
تمامًا.
ما عدا ظرف أبيض واحد.
مكتوب عليه بخط أحمر
تأخرتوا عشرين سنة...
والمرحلة الأخيرة بدأت.
وفي اللحظة دي سمعنا صوت باب البيت فوق بيتقفل بعنف.
وبعده مباشرة...
صوت خطوات حد بيتحرك في الدور الأرضي...اتجمدنا كلنا في مكاننا.
حماتي كانت أول واحدة اتكلمت.
شهقت وهي حاطة إيدها على بقها
مستحيل...!
أما مصطفى فبص للشخص الواقف قدامنا وكأنه شاف شبح.
الرجل كان في أواخر الستينات من عمره.
شعره أبيض بالكامل.
ملامحه مرهقة.
لكن عينيه كانوا مليانين قوة غريبة.
وأكتر حاجة صدمتني...
إني كنت شايفة فيه ملامح أعرفها كويس.
ملامح أمي.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
أما هو فكان باصص ليا وكأنه بيدور على حد ضاع منه من سنين.
وقال بهدوء
كبرتي يا إيمان.
قلبي دق بعنف.
تعرفني؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
أكتر مما تتخيلي.
حماتي رجعت خطوة للخلف.
إحنا دفناك بإيدينا!
هز رأسه ببطء.
لا... أنتم دفنتوا الحقيقة... مش أنا.
الهواء حواليّا بقى تقيل.
حسيت إن كل لغز بيتحل بيتولد مكانه عشر ألغاز جديدة.
مصطفى قال بحدة
إنت مختفي فين طول السنين دي؟
رد الرجل
كنت بحرس الحاجة الوحيدة اللي فاضلة.
إيه هي؟
بص ناحيتي.
ثم قال
حق إيمان.
للمرة المليون أسمع نفس الجملة.
حق إيمان.
لكن محدش بيقول الحق ده إيه.
صرخت
كفاية! أنا تعبت من الكلام الناقص. حد يفهمني!
سكت الجميع.
ثم اقترب الرجل ببطء.
وأخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا صغيرًا.
مختلف عن أي مفتاح شوفته قبل كده.
وقال
تحت حجر الميزان فيه غرفة.
والغرفة دي مقفولة من أكتر من عشرين سنة.
والمفتاح ده هو آخر نسخة موجودة ليها.
بص مصطفى للمفتاح ثم للرجل.
واضح إنه مصدقه.
أما أنا فكنت لسه بين الخوف والذهول.
اقتربنا من الحجر.
وبمساعدة الجميع بدأنا نزحزحه من مكانه.
الحجر كان تقيل جدًا.
لكن بعد دقائق طويلة اتحرك أخيرًا.
وتحته ظهر غطاء حديدي دائري مدفون في الأرض.
نفس العلامة المحفورة على الملف كانت مرسومة عليه.
أدخل الرجل المفتاح.
لفه ببطء.
صدر صوت حديد قديم.
ثم انفتح الغطاء.
وظهر سلم حجري نازل لأسفل.
نزلنا بحذر.
السلم كان طويل.
أطول مما توقعت.
وفي نهايته وصلنا لغرفة واسعة.
الغبار مالي المكان.
واضح إن محدش دخلها من سنين طويلة.
لكن وسط الغرفة كان فيه شيء واحد فقط.
منضدة خشبية كبيرة.
وفوقها صندوق صغير.
على الصندوق لوحة نحاسية مكتوب عليها
لا يُفتح إلا بحضور صاحبة الحق.
كل العيون اتجهت نحوي.
حتى أنا حسيت برجفة في جسمي.
ببطء قربت من الصندوق.
رفعت الغطاء.
وفور ما فتحته...
لقيت داخله دفترًا جلديًا قديمًا جدًا.
ومعه رسالة مطوية باسمي.
إلى إيمان...
مسكت الرسالة.
وكان واضح من الخط إنها مكتوبة بيد أمي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحتها ببطء.
وقبل ما أقرأ أول سطر...
سمعنا صوت انفجار قوي جدًا فوق الأرض.
التراب بدأ يتساقط من السقف.
والغرفة كلها اهتزت.
وبعد ثوانٍ...
سمعنا أصوات أقدام كثيرة تنزل السلم المؤدي إلينا.
وأدركنا أن الرجال الذين كانوا يطاردوننا وجدوا المكان أخيرًا...رجعت خطوة لورا وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
العشر رجالة نزلوا من العربيات بهدوء غريب.
لا كانوا بيجروا.
ولا بيزعقوا.
وده كان مخوفني أكتر.
اللي داخل يفتعل مشكلة بيبان عليه.
إنما الناس دي كانت داخلة وهي واثقة إنها جاية تاخد حاجة تخصها.
بص مصطفى من الشباك، ولأول مرة شفته شاحب بالشكل ده.
همس
وصلوا أسرع مما توقعت.
قولت بعصبية
مين دول؟
رد قبل ما يبصلي
ناس بيدوروا على الورق اللي كان جوه الصندوق.
والورق ده فين؟
سكت.
وهنا فهمت إنه مش بيقولي كل حاجة.
قبل ما أتكلم، سمعنا خبط على باب البيت.
خبطتين بس.
لكنهم كانوا كفيلين يخلوا القلوب تقف.
حماتي قعدت على أقرب كرسي وهي بتتمتم بكلمات مش مفهومة.
أما مصطفى فاتجه ناحية الباب.
قولتله بسرعة
متفتحش!
رد وهو مركز في الباب
لو مفتحتش هيدخلوا بطريقتهم.
الخبط اتكرر.
لكن المرة دي جه صوت راجل من بره
إحنا مش جايين نأذي حد... إحنا جايين ناخد الأمانة.
الأمانة!
نفس الكلمة اللي قالها
بصيت لمصطفى.
ولقيته أخيرًا فقد هدوءه.
فتح الملف الأسود بسرعة وبدأ يقلب فيه بعصبية.
وفجأة وقف عند صورة معينة.
مدهالي.
بصيت للصورة.
كانت صورة قديمة جدًا.
فيها أمي شابة، واقفة جنب رجل عجوز معرفوش.
وخلفهم مساحة أرض واسعة جدًا.
لكن الغريب إن على