كنت راحة ابيع دهبي بقلم نورهان العشري

لمحة نيوز

ظهر الصورة كان مكتوب
إذا وصلت الصورة إلى إيمان... ابحثوا تحت حجر الميزان.
رفعت عيني بسرعة.
حجر الميزان يعني إيه؟
حماتي شهقت.
شهقة قوية خلتني أبصلها.
قالت وهي بتبص للصورة
مستحيل...
تعرفيه؟
هزت راسها ببطء.
حجر الميزان كان موجود في الأرض القديمة.
أي أرض؟
الأرض اللي الكل فاكر إنها اتباعت من عشرين سنة.
في اللحظة دي اتغيرت ملامح مصطفى.
وكأنه فهم حاجة مهمة جدًا.
قال بسرعة
يبقى الورق الحقيقي مش كان في الصندوق أصلًا.
يعني إيه؟
يعني الصندوق كان تمويه.
كل السنين دي الناس بتدور في المكان الغلط.
الخبط على الباب بقى أعنف.
وصوت الراجل بره قال
آخر مرة هنطلبها بالذوق!
مصطفى قفل الملف وقال
لازم نمشي حالًا.
ونروح فين؟
على الأرض.
دلوقتي؟
دلوقتي.
خرجنا من باب خلفي قديم محدش كان يعرفه غيرهم.
ومشينا وسط الأراضي الزراعية ورا البيت.
الشمس كانت بدأت تميل للغروب.
والوقت بيجري.
وكل دقيقة بتعدي كنت حاسة إن الناس اللي وراينا بتقرب أكتر.
بعد حوالي ساعة مشي، وقف مصطفى فجأة.
وأشار لمكان بعيد.
هناك كانت واقفة كتلة حجرية ضخمة مغطاة بالحشائش.
حماتي قالت بصوت مرتعش
حجر الميزان.
قربنا منه.
وكان واضح إنه موجود من عشرات السنين.
لكن اللي لفت انتباهي مش الحجر نفسه.
كان فيه علامة محفورة عليه.
نفس العلامة اللي كانت مرسومة على آخر صفحة في الملف الأسود.
بصلي مصطفى وقال
أظن إن كل الإجابات تحت الحجر ده.
وفي اللحظة اللي بدأنا نحاول نحركه...
سمعنا صوت شخص من خلفنا يقول بهدوء
كنتوا هتوفروا علينا وقت كتير لو جيتوا هنا من الأول.
لفينا كلنا مرة واحدة...
واتصدمنا.
لأن الشخص اللي كان واقف
خلفنا لم يكن واحدًا من الرجال الذين أمام البيت...
بل شخصًا كنا نظن أنه مات منذ سنوات طويلة تجمدنا جميعًا.
صوت الأقدام كان بيقرب بسرعة.
واحد... اتنين... تلاتة...
واضح إنهم كتير.
مصطفى خطف الرسالة من إيدي وحطها تاني جوه الصندوق بسرعة.
وقال
لازم نخرج من هنا حالًا.
لكن الرجل العجوز هز رأسه بقوة.
لا.
لا إيه؟ الناس نازلة علينا!
رد بثبات غريب
الرسالة لازم تتقري دلوقتي.
حماتي بصتله بذهول
إنت اتجننت؟
عشرين سنة وأنا مستني اللحظة دي... مش هضيعها قبل ما إيمان تعرف الحقيقة.
الأصوات بقت أقرب.
وبدأنا نشوف ضوء كشافات نازل من أعلى السلم.
إيدي كانت بتترعش.
لكن رغم الخوف، فتحت الرسالة.
وفي أول سطر قرأته...
حسيت إن أنفاسي اتسحبت مني.
يا بنتي إيمان...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحكيلك الحقيقة بنفسي.
دموعي نزلت.
كملت.
يمكن طول عمرك افتكرتي إن حياتك كانت عادية... لكنها عمرها ما كانت كده.
رفعت عيني بسرعة.
مش فاهمة.
لكن أمي كانت مكملة
من يوم ما اتولدتي، كان في ناس بتدور على حاجة معينة. حاجة أكبر من الأرض والفلوس وكل اللي الناس فاكراه.
قلبي بدأ يدق بعنف.
الأقدام كانت قربت جدًا.
ومع ذلك كملت القراءة.
الحاجة دي متسابتش في الأرض... ولا في الصندوق... ولا حتى في أي ورق.
بصيت لمصطفى.
لقيته مركز مع كل كلمة.
وكأنه أول مرة يسمع الرسالة هو كمان.
رجعت للجواب.
الحقيقة كلها محفوظة في الدفتر الجلدي.
نظرت للدفتر الموجود داخل الصندوق.
كان قديم جدًا.
وحوافه مهترئة.
لكن واضح إنه مهم.
في اللحظة دي وصل أول رجل إلى باب الغرفة.
وقف في المدخل.
وخلفه مجموعة كبيرة.
لكن الغريب.
..
إنه لم يهاجمنا.
بل وقف ينظر للدفتر فقط.
وقال
أخيرًا لقيناه.
الرجل العجوز ابتسم لأول مرة.
وقال
لا... أنتم لسه ملقتوش حاجة.
الرجل الغريب رد ببرود
سلّموا الدفتر وانتهى الموضوع.
العجوز ضحك.
ضحكة قصيرة لكنها واثقة.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال
افتحيه يا إيمان.
مسكت الدفتر.
فتحت أول صفحة.
كانت مليانة أسماء.
عشرات الأسماء.
ومع كل اسم تاريخ وملاحظات.
قلبت الصفحة الثانية.
ثم الثالثة.
وفجأة وقفت.
لأنني وجدت اسمًا أعرفه جيدًا.
اسم حماتي.
وبجانبه ملاحظة طويلة.
ثم اسم مصطفى.
وبجانبه ملاحظة أخرى.
ثم...
اسمي أنا.
لكن الملاحظة المكتوبة بجوار اسمي كانت مختلفة تمامًا.
قرأت أول سطر منها.
فتجمد الدم في عروقي.
لأن السطر كان يقول
الشخص الوحيد الذي لا يعرف دوره الحقيقي حتى الآن...
رفعت رأسي ببطء.
وكل الموجودين كانوا ينظرون إليّ.
كأنهم منتظرون مني أن أكمل القراءة.
لكن قبل أن أنطق بكلمة واحدة...
انطفأت كل الكشافات فجأة.
وغرقت الغرفة بالكامل في ظلام دامس...غرقت الغرفة في ظلام كامل.
تعالت الصرخات للحظات، ثم ساد صمت ثقيل.
كنت قابضة على الدفتر بكل قوتي.
وفجأة اشتعل مصباح صغير كان مع الرجل العجوز.
نور خافت كشف الوجوه المتوترة حولي.
قال العجوز بهدوء
كملي يا إيمان.
بصيت للدفتر وقلبي بيدق بعنف.
وقريت باقي السطر
الشخص الوحيد الذي لا يعرف دوره الحقيقي حتى الآن... هو الشخص الذي اختارته أمها ليوقف الصراع كله.
قلبت الصفحة التالية.
وهنا ظهرت الحقيقة أخيرًا.
قبل أكثر من عشرين سنة، كان فيه مشروع ضخم على مساحة أراضٍ كبيرة ورثتها عائلات مختلفة. الطمع دخل بين الشركاء، وبدأت الخلافات
تكبر. كل طرف حاول يستحوذ على كل شيء لنفسه.
لكن جدي، قبل وفاته، اكتشف إن الخلاف هيضيع حقوق ناس كتير، فكتب كل التفاصيل والأوراق الحقيقية في الدفتر ده، وخبّاها بعيد عن الجميع.
وأوصى أمي أن تسلم الحقيقة للشخص الوحيد اللي تثق إنه هيكون عادل.
الشخص ده كان أنا.
مش لأن عندي سلطة.
ولا لأني أغنى حد.
لكن لأني أكتر واحدة دفعت ثمن أخطاء غيرها.
قريت آخر رسالة من أمي
يا إيمان... طول عمرك بتدي من غير ما تاخدي، وتسامحي من غير ما تلاقي تقدير. لكن العدل مش ضعف، والسكوت مش دايمًا فضيلة. لو وصلتي للدفتر، متخليش حد يستخدمك تاني. خدي حقك، وادّي كل إنسان حقه.
دموعي نزلت وأنا بقرأ كلامها.
رفعت عيني.
ولأول مرة بصيت لحماتي ولمصطفى من غير خوف.
سألتهم
كنتوا عارفين؟
نزل مصطفى رأسه وقال
كنا عارفين جزء من الحقيقة... لكن مكان الدفتر نفسه ماكنش حد يعرفه.
أما حماتي فبكت وقالت
أنا غلطت في حقك سنين طويلة يا بنتي.
ولأول مرة كانت دموعها حقيقية.
الرجال الذين كانوا يطاردوننا أدركوا أن الدفتر كشف كل شيء. وأن أي محاولة للاستيلاء على الأرض أو الحقوق انتهت.
وبعد شهور طويلة من التحقيقات ومراجعة الأوراق، رجعت الحقوق لأصحابها الحقيقيين.
أما أنا...
فأول قرار أخدته كان إني أحتفظ بورث أمي.
لا بعته.
ولا سلمته لحد.
وأول مرة في حياتي قلت كلمة لا لما حاجة كانت غلط.
مصطفى حاول يصلح أخطاء سنين طويلة، وفضل شهور يحاول يكسب ثقتي من جديد.
لكن المرة دي كانت الشروط بتاعتي أنا.
ومشيت حياتي من غير خوف.
لأن أكبر كنز سابتهولي أمي ماكانش الدهب.
ولا الفلوس.
كان الدرس اللي فهمته متأخر
إن الطيبة شيء جميل.
..
لكن من غير كرامة وحدود، بتتحول لطريق يخلي الكل يمشي فوق قلب صاحبه.
وأخيرًا...
خرجت من الحكاية دي كلها وأنا رافعة راسي.
مش لأني كسبت أرض أو مال.
لكن لأني لأول مرة في عمري... كسبت نفسي.

تم نسخ الرابط