كنت راحة ابيع دهبي بقلم نورهان العشري
كنت رايحة أبيع دهبي عشان أفك ضيقة جوزي اللي الكل كان بيقول إنه غرقان في ديون بسبب صفقة كبيرة خسر فيها، وأنا داخلة محل الدهب اتسمرت في مكاني لما شفته واقف جوه المحل ومعاه ناس معرفهمش.
في البداية قولت أكيد جاي يبيع حاجة أو يسأل على سعر الدهب زي أي حد. لكن فضولي خلاني أستخبى ورا عمود وأراقب من بعيد.
لقيت صاحب المحل مطلعله علبة كبيرة فخمة، وجوزي فتحها بنفسه. كانت مليانة أطقم دهب وتحف قديمة شكلها غالي جدًا. وبعدها طلع ورق وخلاه الراجل يبص عليه ويختم عليه.
الناس اللي حواليهم كانوا بيباركوا له وبيسلموا عليه بحرارة.
قلبي وقع.
إيه اللي بيحصل؟
مش كان مديون ومش لاقي فلوس يسدد بيها؟
مش حماتي كانت قاعدة تعيط قدامي وتقول إن الدنيا ضاقت بيه؟
خرجت من المحل قبل ما يشوفني، وركبت أول تاكسي قابلني وأنا مش فاهمة حاجة.
أنا إيمان. عندي خمسة وتلاتين سنة. اتجوزت وأنا عندي تمنتاشر سنة، وخلفت أربع عيال، وضاع عمري كله بين خدمة البيت وتربية الأولاد وإرضاء الناس.
أمي الله يرحمها كانت دايمًا تقولي
الست الشاطرة هي اللي تعدي الدنيا بالسكات.
وأنا صدقتها.
سكت لما حماتي كانت تقلل مني.
وسكت لما جوزي كان ياخد قراراته لوحده.
وسكت لما كنت أحس إني آخر واحدة تعرف أي حاجة تخص بيتي.
لحد ما أمي ماتت وسابتلي ورث لأول مرة في حياتي أحس إنه بتاعي.
دهب ومبلغ محترم من الفلوس.
ومن يومها كل حاجة اتغيرت.
حماتي بقت تعاملني بحنية غريبة.
وجوزي بقى يسألني عن أحوالي كل شوية.
وحسيت لأول مرة إن ليا قيمة.
لكن بعد اللي شوفته في محل الدهب، بدأت أسأل نفسي سؤال واحد
هو فعلاً كان محتاج فلوس؟
ولا كان في حاجة تانية مستخبية عني؟
رجعت البيت وساعتها لقيت حماتي قاعدة مستنياني.
أول ما شافتني قالت بسرعة
بعتي الدهب؟
بصيتلها وسكت.
اتوترت فجأة وقالت
مالك يا بنتي؟
قولتلها وأنا
هو مصطفى راح فين النهارده؟
ردت بسرعة كأنها مجهزة الإجابة
مشوار شغل مهم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأول مرة أحس إنها بتكدب.
وفي نفس الليلة، وبعد ما الكل نام، قررت أفتش في أوراق مصطفى اللي عمرى ما قربت منها.
فتحت درج مكتبه.
ملقتش حاجة.
فتحت الدرج التاني.
ملقتش حاجة.
لكن في آخر درج، ورا مجموعة فواتير قديمة، لقيت ملف أزرق مكتوب عليه بخط كبير
سري للغاية
وقتها قلبي بدأ يدق بعنف...
ولما فتحت أول صفحة جواه، اتجمد الدم في عروقي.
لأن الورق اللي جواه أثبت إن مصطفى وحماتي كانوا مخبيين عني سر أكبر بكتير من حكاية الديون كلها...وقفت مكاني وأنا باصة للورقة.
إيدي بردت.
أنا متأكدة إني رجعت الملف مكانه زي ما كان بالظبط.
يبقى مين اللي عرف إني فتحته؟
ومين اللي دخل أوضتي؟
والأهم...
مين اللي كتب الرسالة دي؟
سمعت صوت حماتي بتنادي من الصالة
يا أم رؤية... تعالي شوفي مين جه!
خبيت الورقة بسرعة ونزلت.
لقيت راجل كبير واقف، شكله محترم ولابس بدلة قديمة بس نضيفة جدًا.
أول ما شافني وقف وبصلي نظرة طويلة غريبة.
كأنه يعرفني.
أو كأنه بيدور على حاجة في ملامحي.
حماتي اتوترت أول ما شافته وقالت بسرعة
خير يا حاج؟
الراجل رد وهو مبيشيلش عينه من عليا
كنت جاي أقابل الست إيمان.
قلبي دق.
أنا إيمان... خير؟
طلع ظرف أصفر من شنطته ومدهولي.
وقال جملة زودت حيرتي ألف مرة
الأمانة وصلت متأخر عشرين سنة... بس لازم توصلك النهارده.
قبل ما أسأله أي حاجة، لف ومشي.
جريت وراه.
لكن أول ما خرجت الشارع ملقتوش.
كأنه اختفى.
رجعت البيت والظرف في إيدي.
حماتي كانت باصة عليه بخوف واضح.
ولأول مرة أشوف اللون رايح من وشها بالشكل ده.
قولتلها
تعرفي الراجل ده؟
هزت راسها بسرعة
لأ.
لكن عينيها قالت غير كده.
طلعت أوضتي وقفلت الباب.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة قديمة جدًا.
صورة فرح.
في البداية افتكرت إنه فرحي أنا ومصطفى.
لكن لما ركزت أكتر، اكتشفت إن الصورة أقدم من كده بسنين.
وفي الصورة كان فيه شاب صغير واقف جنب عروسة.
الشاب ده كان والد مصطفى.
أما العروسة...
فكانت أمي.
اتجمدت في مكاني.
أمي؟
إزاي؟
وليه عمرها ما قالتلي؟
قلبت الصورة.
لقيت مكتوب وراها بخط باهت
إلى ابنتنا الصغيرة... إذا وصلك الجواب ده يومًا، اعرفي أن الحقيقة كلها موجودة داخل الصندوق الحديدي.
الصندوق الحديدي؟
إيه الصندوق ده؟
وقبل ما ألحق أفكر أكتر، سمعت صوت خبط شديد على باب الأوضة.
فتحت.
لقيت مصطفى واقف.
وشه كان متغير.
وأول حاجة قالها وهو بيبص للصورة اللي في إيدي
مين اللي وصلك دي؟
ولما مردتش...
دخل بسرعة وقفّل الباب وراه.
وقال بصوت عمرى ما سمعته منه قبل كده
اسمعيني كويس يا إيمان... لو الصورة دي ظهرت، يبقى حد بدأ ينفذ الخطة قبل معادها...إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الورق.
في الأول افتكرت إنها عقود شغل أو أوراق تخص التجارة، لكن كل ما قريت سطر، حيرتي كانت بتزيد.
كان فيه عقود شراء أراضي، وإيصالات تحويلات بمبالغ كبيرة، وصور ضوئية لأوراق ملكية بأسماء ناس معرفهمش.
لكن اللي شد انتباهي ورقة متدبسة فوق الكل.
ورقة مكتوب فيها بخط إيد مصطفى
ممنوع تعرف إيمان أي حاجة دلوقتي.
فضلت أبص للجملة أكتر من مرة.
أنا؟
ليه؟
وليه ممنوع أعرف؟
كملت تقليب وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
لحد ما لقيت كشف حساب فيه مبالغ داخلة وخارجة بالملايين خلال السنتين اللي فاتوا.
ملايين!
إزاي؟
مش هو كان كل شوية يقول إن السوق واقف؟
وإن التجارة تعبانة؟
وإنه مضغوط؟
قفلت الملف بسرعة أول ما سمعت صوت خطوات برا الأوضة.
حطيته مكانه وجريت على السرير.
بعد دقايق دخل مصطفى.
كان شكله مرهق، لكنه أول ما شافني صاحيّة اتوتر ثانية صغيرة واختفت من على وشه بسرعة.
قال وهو بيغير
نمتي متأخر ليه؟
قولت بهدوء
مستنياك.
بصلي شوية وقال
خير؟
كنت نفسي أسأله عن كل حاجة.
عن الملف.
وعن الأراضي.
وعن الفلوس.
لكن لأول مرة في حياتي قررت أسكت... مش ضعف.
ذكاء.
ابتسمت وقولت
مفيش... بس كنت قلقانة عليك.
ارتاح فجأة.
ولأول مرة فهمت إنهم متعودين يشوفوني ساذجة.
وفي اليوم اللي بعده، بدأت أراقب.
مصطفى خرج الصبح.
خرجت وراه من غير ما يحس.
فضلت ماشية وراه بعربية أجرة.
مرة يروح مكتب محاماة.
مرة يقابل راجل كبير في السن.
مرة يدخل مبنى إداري ويخرج بعد ساعة.
وفي آخر اليوم وقف قدام عمارة فخمة في حي راقي.
نزل من العربية وطلع الدور الرابع.
استنيت تحت أكتر من ساعتين.
لحد ما نزل.
لكن قبل ما يركب عربيته، خرج راجل غريب ووقف معاه.
وسمعته بيقوله بوضوح
لازم تخلص موضوع التوقيع قبل آخر الشهر... وإلا كل اللي اتخططله من عشرين سنة هيضيع.
مصطفى رد بعصبية
ما تقلقش... إيمان لسه متعرفش حاجة.
وقتها حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
عشرين سنة؟
يعني من وقت جوازنا تقريبًا؟
إيه اللي بيتخططله من عشرين سنة؟
وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟
رجعت البيت وأنا مش قادرة أفكر.
لكن المفاجأة كانت مستنياني هناك.
لما دخلت أوضتي لقيت الدولاب مفتوح.
وكل مكان كنت مخبية فيه ورث أمي متفتش.
والأغرب...
إن الملف الأزرق نفسه كان مرمي فوق السرير.
وفوقه ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها بخط واضح
بلاش تدوري أكتر من كده يا إيمان... في حاجات لو عرفتيها عمرك ما هتقدري ترجعي زي الأول اتسمرت مكاني.
الصوت كان واضح.
مش مجرد وهم.
في حد فوق فعلًا.
حد دخل البيت بعد ما إحنا نزلنا للقبو.
بص مصطفى للسلم بسرعة وقال بصوت منخفض
محدش يطلع.
لكن الخطوات كانت بتقرب.
خطوة...
وراها خطوة...
وراها خطوة...
كأن صاحبها متعمد يخلينا نسمعها.
حماتي مسكت في دراعي بقوة لدرجة إنها وجعتني.
وأخيرًا وقف الصوت.
سكتة مرعبة سيطرت على المكان.
ثواني عدت كأنها ساعات.
وفجأة...
سمعنا صوت شيء بيتحرك فوق الأرض الخشبية.
مصطفى طلع كشاف موبايله وبدأ يطلع السلم بحذر.
أنا معرفش ليه طلعت وراه.
يمكن لأني وصلت لمرحلة