مرات ابنى سابت حفيدى معايا وراحت تزور امها
المحتويات
يوم حفلة للأهالي، كنت قاعدة في آخر الصفوف أتفرج عليه وهو واقف على المسرح مع زمايله.
فجأة المذيعة نادت
دلوقتي معانا فقرة بعنوان الشخص اللي غير حياتي.
وكل طفل طلع يتكلم عن حد بيحبه.
أب.
أم.
أخ.
أخت.
لحد ما جه دور ياسين.
طلع على المسرح وهو ماسك ورقة صغيرة.
وبدأ يقرأ بصوته الطفولي
الشخص اللي غير حياتي هي تيتا.
ابتسمت من غير ما أحس.
لكن اللي قاله بعد كده خلاني أعيط لأول مرة من يوم المستشفى.
قال
لما كنت صغير كنت فاكر إن تيتا موجودة عشان تعملنا أكل وتلعب معايا. بس بابا قال لي بعد ما كبرت شوية إن تيتا ضحت بحاجات كتير عشان خاطرنا.
القاعة كلها سكتت.
وياسين كمل
تيتا كانت بتصحى بدري عشان تجهزلي الفطار. وكانت تقعد جنبي وأنا مريض. وكانت بتحبني حتى لما كنت بشاغب.
وبعدين رفع عينه يدور عليا وسط الناس.
ولما شافني، ابتسم وقال
وأنا بحبها أكتر من أي حد.
في اللحظة دي، الناس كلها بدأت تسقف.
أما أنا...
فماقدرتش أوقف دموعي.
بعد الحفلة، عامر جه وقف جنبي.
وقال بهدوء
فاكرة يوم المستشفى؟
هززت راسي.
وقال
أنا فاكره كل يوم. وعمره ما فارقني.
سكت شوية.
وبعدين مد لي ظرف صغير.
فتحت الظرف.
لقيت جواه مفتاح.
استغربت.
قلت
مفتاح إيه ده؟
ابتسم وقال
شقة جنبنا.
بصيت له بعدم فهم.
فقال
اشتريتها من سنة. كنت عايز أقولك من زمان، بس كنت مستني اليوم اللي أحس فيه إن عندي حق أقف قدامك.
اتسعت عيني.
فكمل
مش عايزك تعيشي لوحدك. ومش عايزك تخدمي حد. ولا تشيلي مسؤولية حد. عايزك تبقي قريبة مننا بس... كأم.
سكتُّ.
لأن الكلمات خانتني.
بعدها بأيام قليلة، حصل شيء محدش كان متوقعه.
هبة بنفسها خبطت على بابي.
فتحت لها.
كانت واقفة لوحدها.
من غير مكياج.
ومن غير الابتسامة المصطنعة اللي كنت بشوفها زمان.
وقالت
ممكن أدخل؟
دخلت وقعدت.
وفضلت ساكتة دقيقة كاملة.
ثم قالت
أنا ظلمتك.
ولأول مرة من يوم عرفتها، شفت الندم الحقيقي في عينيها.
كملت وهي بتبكي
كنت شايفة إن وجودك
وسكتت.
ثم قالت
سامحيني.
بصيت لها طويلًا.
وافتكرت كل كلمة جارحة.
وكل ليلة نمت فيها مكسورة.
وكل لحظة حسيت فيها إني مالياش قيمة.
لكن افتكرت كمان حاجة أهم...
إن قلبي مش عايز يعيش باقي عمره شايل حقد.
فقلت بهدوء
أنا سامحتك من زمان... بس عمري ما هنسى.
نزلت دموعها أكثر.
وهزت رأسها.
لأنها فهمت المعنى.
في جروح بتخف...
لكن أثرها بيفضل موجود.
وفي مساء هادئ بعد سنوات...
كنت قاعدة في الجنينة، وياسين بقى شابًا محترمًا يدرس في الجامعة.
قعد جنبي وقال
تيتا، لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟
ابتسمت وأنا أبص للسماء.
وقلت
أيوه.
قال
حتى بعد كل اللي حصل؟
قلت
أيوه... لأن الإنسان بيتقاس مش باللي أخده من الناس، لكن باللي قدر يقدمه وهو قلبه موجوع.
ساعتها وقال
ربنا يخليكي لينا.
وأنا لأول مرة حسيت إن تعب السنين كلها...
ما راحش هدر.
النهاية بعد سنوات، وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في البلكونة بشرب الشاي وقت الغروب، وياسين بقى شاب طويل ومحترم، وداخل عليّ بابتسامة كبيرة.
قال
تيتا، عندي خبر حلو.
ضحكت وقلت
خير يا حبيبي؟
مد إيده واداني ظرف.
فتحته.
ولقيت دعوة تخرجه من كلية الهندسة.
بصيت له والدموع لمعت في عيني.
وقلت
كبرت يا ياسين... كبرت أوي.
ابتسم وقال
لو بابا الله يرحمه كان موجود كان هيفرح.
ثم سكت لحظة وأضاف
وأنتِ كمان كنتِ سبب كبير في اللي أنا وصلتله.
يوم التخرج، القاعة كانت مليانة ناس.
أهالي.
وأصدقاء.
وأقارب.
وكل واحد جاي يفرح بابنه.
لكن المفاجأة حصلت لما مدير الكلية أعلن عن كلمة الخريج الأول على الدفعة.
وكان الاسم...
ياسين عامر.
طلع على المسرح وسط تصفيق شديد.
وأخذ الميكروفون.
وبدأ يشكر أساتذته وأهله.
ثم قال
في شخص لازم أشكره قدام الناس كلها.
وبدأ يدور بعينه بين الحضور.
لحد ما وقف نظره عندي.
وأشار
وقال
ستي.
القاعة كلها بصت عليّ.
وأنا اتجمدت في مكاني.
كمل
لو فيه حد علمني معنى الصبر والرحمة والقوة، فهي ستي.
ثم أضاف
في وقت ناس كتير كانت شايفة إنها مجرد جدة كبيرة في السن... أنا كنت شايف فيها بطلة.
بدأ التصفيق يعلى.
وأنا ماقدرتش أمنع دموعي.
بعد الحفل، وإحنا راجعين، ياسين وقف فجأة وقال
تيتا، تعالي معايا مكان.
ركبنا العربية.
ووصلنا لعمارة جديدة.
طلعت معاه للدور الخامس.
فتح باب شقة جميلة ومجهزة بالكامل.
استغربت وقلت
إيه ده؟
ابتسم وقال
دي شقتك.
شهقت
شقتي أنا؟!
قال
أيوه.
قلت
إزاي؟
رد بابتسامة
أول مرتب كبير قبضته من شغلي، ومعاه جزء من الفلوس اللي كنتِ حاطاها باسمي، استثمرتها واشتغلت عليها سنين.
ثم مسك إيدي وقال
زمان لما كل الناس كانت مشغولة بنفسها، أنتِ اللي كنتِ موجودة.
سكت لحظة.
ثم أكمل
دلوقتي جه دوري أرد الجميل.
وقفت أبص للشقة.
ثم بصيت لياسين.
وشفت فيه ملامح أبوه وهو صغير.
لكن شفت كمان حاجة أهم...
شفت فيه التربية اللي زرعتها طول السنين.
وساعتها عرفت إن أغلى ميراث ممكن يسيبه الإنسان...
مش بيت ولا أرض ولا فلوس.
أغلى ميراث هو الأخلاق اللي بيفضل أثرها عايش حتى بعد ما العمر يعدي.
وهكذا، بعد كل الوجع والخذلان والانكسار...
ربنا عوضني بحب واحترام كانوا أغلى من أي كنوز في الدنيا.
تمت الحكاية مرّت سنين تانية...
وبقيت الشقة الجديدة هي مكاني المفضل.
كل ركن فيها كان فيه لمسة من ياسين.
صورة ليا مع جدي الله يرحمه.
كرسي هزاز عارف إني بحبه.
ومكتبة صغيرة مليانة كتب وروايات كان بيجيبها لي كل شهر.
وفي يوم من الأيام، وأنا بقلب في ألبوم الصور القديم، لقيت صورة لعامر وهو طفل عنده خمس سنين.
كان واقف جنب أبوه وماسك إيدي.
فضلت أبص للصورة طويل.
رغم كل اللي حصل، عمره ما بطل يبقى ابني.
يمكن جرحني.
يمكن كسر قلبي.
لكن الأمومة حاجة غريبة...
بتوجع، لكنها عمرها ما بتختفي.
في نفس الليلة، عامر كلمني.
صوته كان
وقال
ماما... محتاجك.
قلبي اتقبض.
قلت بسرعة
خير يا ابني؟
قال
تعالي المستشفى.
وصلت وأنا مرعوبة.
لقيت هبة نايمة على سرير في الرعاية.
ووشها شاحب جدًا.
الدكتور طلع وكلمنا.
وقال إن حالتها مستقرة، لكن محتاجة فترة علاج طويلة.
عامر كان منهار.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
قعد جنبي في الممر وقال
أنا خايف.
قلت له
ربنا كبير.
بص لي فجأة وقال
دلوقتي فهمت أنتِ كنتِ حاسة بإيه يوم بابا مات.
وسكت.
ثم قال
أنا يومها كنت أناني. كنت فاكر إن كل واحد لازم يشيل نفسه.
نزلت دموعه.
وأضاف
ماكنتش فاهم إن الإنسان ساعات بيحتاج مجرد حد يقف جنبه.
خلال الشهور اللي بعدها، كنت بروح معاه المستشفى.
وأقعد مع هبة.
وأساعد في البيت.
لكن المرة دي كان فيه فرق كبير.
ولا مرة حد اعتبرني خدامة.
ولا مرة حد رمى عليّ مسؤولية.
ولا مرة سمعت كلمة تقلل مني.
بالعكس.
كل حاجة كانت بطلب واحترام.
ولو تعبت كانوا يمنعوني أعمل أي حاجة.
وساعتها بس حسيت إن العلاقة أخيرًا بقت طبيعية.
أم.
وابنها.
وأسرته.
وفي يوم من الأيام، بعد ما هبة خفت تمامًا، طلبت تقعد معايا لوحدنا.
وقالت
فاكرة يوم المستشفى زمان؟
هززت رأسي.
قالت وهي باصة للأرض
كل ما أفتكره بتمنى الأرض تنشق وتبلعني.
ثم رفعت عينيها وقالت
لو الزمن رجع بيا ألف مرة، عمري ما كنت هقولك الكلام ده.
ابتسمت بهدوء.
وقلت
الناس بتغلط.
قالت
بس مش كل الناس بتلاقي فرصة تصلح غلطها.
بعدها بسنوات قليلة...
كنت قاعدة وسط العيلة كلها.
عامر.
وهبة.
وياسين.
وزوجته.
وأحفاد صغار بيجروا في البيت ويملوا المكان ضحك.
بصيت حواليّ.
وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى مكسورة.
اليوم اللي افتكرت فيه إن كل حاجة انتهت.
لكن الحقيقة؟
كان ده بداية فصل جديد.
مش نهاية الحكاية.
لأن بعض القلوب بتتجرح...
لكنها ما بتموتش.
وبعض العلاقات بتنكسر...
لكنها تتصلح لما يكون فيها ناس عندها شجاعة تعترف بغلطها.
وأنا وقتها ابتسمت، وبصيت لصورة جوزي المعلقة
اطمن... العيلة رجعت زي ما كنت تتمنى.
ثم رجعت أضحك مع أحفادي...
وسط بيت مليان دفا وحب، بعد ما كنت فاكرة إن الدفا ده ضاع للأبد.
النهاية الحقيقية عدّى وقت طويل بعد اللي حصل.
وفي ليلة شتوية هادية، كنت قاعدة لوحدي في الشقة، وياسين سافر
متابعة القراءة