وقعت علي الطلاق
خسارة في حياته ماكانتوش الصفقة اللي ضاعت، ولا الأموال اللي بدأت تتبخر، ولا الشركة اللي بقت مھددة. أكبر خسارة كانت الشخص اللي كان دايمًا بيعتبر وجوده أمرًا مضمونًا... لحد ما فقده للأبد. وفي تلك الليلة، بينما كانت المدينة كلها نائمة، جلس وحده في مكتبه المظلم يدرك أن بعض الأخطاء يمكن إصلاحها بالمال، وبعضها بالوقت، لكن هناك أخطاء عندما تُرتكب لا يبقى بعدها سوى الندم.
مرت الشهور ببطء شديد عليه، وبسرعة غريبة عليها. كل يوم كان بيصحى فيه وهو متوقع إن الأمور تتحسن، لكن الواقع كان بيبقى أقسى من اليوم اللي قبله. الأخبار اللي كانت زمان بتمتدحه بقت تتكلم عن تراجع شركته، والمنافسين اللي كان بيعتبرهم أقل منه بدأوا يسبقوه بخطوات. أما هي، فكانت بتظهر في المؤتمرات الاقتصادية الكبرى، وتتعاقد على مشروعات جديدة، وتبني شبكة أعمال أضخم من أي وقت فات. وكل ما كان يشوف صورتها في خبر أو لقاء تلفزيوني، كان يحس بحاجة بتضغط على صدره. مش غيرة من نجاحها... لكن إحساس مؤلم إنه عمره ما عرف قيمتها إلا بعد ما خسرها.
في يوم من الأيام، وصله خطاب رسمي من أحد البنوك الكبرى. فتحه وهو متوقع إنه إجراء روتيني، لكن ملامحه اتغيرت فورًا. البنك كان بيطالبه بتسوية التزامات مالية ضخمة
رجع البيت متأخر، فلقى أمه مستنياه في الصالون. أول ما شافته قالت بعصبية لحد إمتى هتفضل سايبها تعمل فينا كده؟
رفع عينيه بتعب وقال هي ماعملتش حاجة.
صړخت إزاي ماعملتش حاجة؟ من يوم ما خرجت من حياتنا وكل حاجة اتقلبت.
سكت لحظة وبعدين قال بهدوء لأول مرة يمكن لأن كل حاجة كانت واقفة عليها من البداية.
الكلمات وقعت على أمه كأنها صڤعة. لكنها رفضت تعترف بالحقيقة، وفضلت مقتنعة إن السبب هو مؤامرة أو اڼتقام. أما هو فكان بدأ يشوف الصورة بوضوح أكبر كل يوم.
في نفس الفترة، بدأت المشاكل بينه وبين السكرتيرة تكبر بشكل واضح. البريق اللي كان مخليه مفتون بيها اختفى. اكتشف إنها كانت بتحب المكانة اللي بيديها لها أكتر ما بتحبه هو. وكل ما الوضع المالي كان بيتدهور، كانت بتبقى أكتر عصبية وتذمرًا. لحد ما جه يوم دخل البيت ولقيها بتلم هدومها.
قال باستغراب إيه اللي بتعمليه؟
ردت ببرود ماشية.
ماشية فين؟
أي حتة غير هنا.
بصلها غير مصدق.
قال بعد
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت أنا ارتبطت برجل ناجح. مش برجل بيغرق.
وسابته ومشيت.
وقف مكانه وقت طويل بعد ما الباب اتقفل. لأول مرة حس بالوحدة الحقيقية. البيت الكبير بقى فاضي بشكل مخيف. أمه في جناحها، والخدم بيتحركوا في صمت، وهو لوحده وسط مساحة ضخمة ماعادش ليها أي معنى.
في الناحية التانية، كانت هي قاعدة في مكتبها الجديد المطل على النيل، بتراجع مشروع ضخم هيغير مستقبل شركتها بالكامل. دخل عليها مساعدها وقال في حد مستني بره وعايز يقابلك.
رفعت عينيها من الملف وسألت مين؟
قال طليق حضرتك.
سكتت ثواني طويلة.
كانت أول مرة يطلب يقابلها من وقت الطلاق.
فكرت ترفض.
لكنها في النهاية قالت خليه يدخل.
دخل وهو مختلف تمامًا عن الرجل اللي خرج من حياتها قبل شهور. ملامحه بقى فيها إرهاق واضح. ثقته المبالغ فيها اختفت. وحتى طريقة مشيه اتغيرت.
وقف قدام المكتب وقال إزيك؟
ردت بهدوء الحمد لله.
فضل واقف للحظات مش عارف يبدأ منين.
وأخيرًا قال أنا جيت أعتذر.
بصت له من غير أي انفعال.
فكمل عارف إن الاعتذار متأخر... وعارف إنه مش هيغير حاجة... بس لازم أقوله.
سكت لحظة وأكمل ظلمتك سنين. ونسبت النجاح لنفسي. وصدقت إني أكبر من الحقيقة.
ما ردتش.
قال وعارف إنك مش محتاجة تسمعي
لأول مرة نزلت عينيها للأوراق اللي قدامها ثم رجعت بصت له.
وقالت أنا سامحتك من زمان.
رفع رأسه بسرعة.
بجد؟
هزت رأسها وقالت سامحتك علشان أكمل حياتي. مش علشان أرجع للماضي.
الكلمات كانت هادئة جدًا، لكنها كانت أقوى من أي عقاپ.
ابتلع ريقه وقال فاهم.
ثم سأل بصوت منخفض ينفع نبدأ من جديد... حتى كأصدقاء؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها حزن وهدوء في نفس الوقت.
وقالت بعض الأبواب لما بتتقفل، الأفضل تفضل مقفولة.
شعر كأن الجملة دي أنهت آخر أمل كان متعلق بيه.
وقف ببطء.
ثم قال أتمنى تكوني سعيدة.
ردت وأنا كمان أتمنى تلاقي نفسك من جديد.
خرج من المكتب وهو حاسس إن قلبه أثقل من أي وقت فات. لكنه لأول مرة من شهور كان عنده إحساس مختلف. إحساس إن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أفضل من الوهم.
أما هي، فبعد ما الباب اتقفل، رجعت تبص من الشباك على المدينة تحتها. كانت الشمس بتغيب ببطء، والسماء متلونة بدرجات البرتقالي والذهبي. ابتسمت وهي تدرك إن الحياة أحيانًا بتاخد منك أشخاص كنت فاكر إنك محتاجهم، علشان ترجع لك نفسك اللي ضاعت وأنت بتحاول ترضيهم.
وفي اللحظة دي بالذات، ماكانتش تعرف إن الأيام الجاية مخبية لها مفاجأة أكبر بكتير من كل اللي فات... مفاجأة