ورثت 250 مليون بقلم علي ابو الدهب

لمحة نيوز

ندى للحقيقة الأولى.
وعندما فتحت ندى الظرف، سقطت منه ورقة واحدة فقط.
وفي منتصف الورقة اسم مكتوب بخط واضح
الاسم الحقيقي لهشام ليس هشام السعدني ندى حست إن الأرض بتتمايل تحت رجليها.
أعادت قراءة الجملة مرة واتنين وثلاثة.
الاسم الحقيقي لهشام ليس هشام السعدني.
رفعت رأسها بسرعة.
إيه الكلام ده؟!
سالم كان متوقع رد فعلها.
فتح درجًا آخر وأخرج ملفًا قديمًا سميكًا.
حطّه قدامها على الترابيزة.
أنا عارف إنك مش هتصدقي. عشان كده أبوكي ساب الأدلة.
ندى فتحت الملف.
أول صفحة كانت شهادة ميلاد قديمة.
ثم صور مدرسية.
ثم مستندات حكومية.
كلها لشخص واحد.
لكن الاسم المكتوب كان
ياسين كمال منصور.
أما الصورة...
فكانت صورة هشام.
أصغر شوية، لكن بدون شك هو.
ندى حست بدوخة.
لا... أكيد في تفسير.
في تفسير فعلًا. قال سالم.
ثم سحب صورة أخرى من الملف.
في الصورة كان والدها واقفًا بجوار شاب في العشرينات.
والشاب ده كان نسخة شبه مطابقة لهشام.
لكن تاريخ الصورة كان قبل زواجها بعشر سنوات.
ندى همست
مين ده؟
سالم رد بهدوء
ده ياسين.
وهشام؟
استني.
ندى بدأت تقلب الأوراق بسرعة.
كل صفحة كانت بتزود الأسئلة.
لحد ما وصلت لقصاصة جريدة صغيرة.
عنوانها كان غريبًا
اختفاء شاب بعد حادث المصنع الغامض.
والاسم المذكور في الخبر...
ياسين كمال منصور.
ندى رفعت عينيها.
يعني الشخص ده اختفى من 25 سنة؟
أيوة.
إزاي يبقى هو هشام؟
سالم سكت للحظات.
ثم قال
لأنه مش هو.
ندى رمشت.
إيه؟
الشخص اللي متجوزاه مش ياسين.
أمال مين؟
سالم نظر نحو النافذة وكأنه يسترجع ذكرى قديمة
جدًا.
فيه شخص تاني كان موجود في الصورة الجماعية.
وأخرج صورة المصنع مرة أخرى.
وأشار إلى طفل صغير واقف في الخلف.
طفل لا يكاد يُرى.
الولد ده.
ندى قربت الصورة.
الطفل كان عمره تقريبًا خمس أو ست سنين.
مين ده؟
دي أول صورة معروفة ليه.
اسمه إيه؟
سالم ابتسم ابتسامة غامضة.
وده السؤال اللي أبوكي فضل يدور على إجابته أكتر من عشرين سنة.
في تلك اللحظة بالضبط، دوّى صوت ارتطام قوي بالخارج.
باااام!
ندى انتفضت.
سالم وقف فورًا.
ثم اقترب من الستارة بحذر شديد.
ألقى نظرة سريعة للخارج.
وتغير لون وجهه.
وصلوا.
مين؟
الناس اللي كنت خايف منهم.
ثم أمسك الملف بسرعة ووضعه داخل حقيبة جلدية قديمة.
وأعطاها لندى.
خديها واطلعي من الباب الخلفي حالًا.
لكن أنا مش فاهمة حاجة!
مش مهم دلوقتي.
ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا جدًا من جيبه.
كان أصغر حتى من مفتاح الخزنة.
المفتاح ده أهم من كل الورق اللي معاكي.
ندى أخذته وهي مرتبكة.
وفي نفس اللحظة سُمع صوت باب البيت الأمامي وهو يُكسر بعنف.
كرراااش!
وتبعته خطوات عدة أشخاص دخلوا المنزل.
سالم دفع ندى ناحية الممر الخلفي.
اجري!
ركضت ندى عبر ممر ضيق حتى وصلت لباب خلفي قديم.
فتحته وخرجت إلى زقاق مهجور.
لكن قبل أن تغلق الباب سمعت أحد الرجال بالداخل يقول بصوت مرتفع
فين الحقيبة؟!
ثم جاء صوت سالم
متأخرين... الحقيقة خرجت من البيت من خمس دقايق.
ندى جرت بكل ما تملك.
ولم تتوقف إلا عندما وصلت إلى سيارتها.
أغلقت الأبواب وبدأت تلتقط أنفاسها.
ثم نظرت إلى المفتاح الصغير في يدها.
كان مربوطًا به ورق قديم مطوي.

فتحت الورقة بسرعة.
لم يكن فيها سوى سطر واحد كتبه والدها بخط مرتعش
إذا وصلتي للمفتاح، اذهبي إلى الشقة رقم 908 قبل أن يسبقك هشام إليها ندى ما ضيعتش ثانية.
أدارت السيارة وانطلقت نحو العنوان المكتوب في أوراق والدها.
الشقة 908 كانت في برج قديم مطل على النيل، مبنى هادئ لا يوحي بأي شيء مهم.
وصلت قبل الغروب بدقائق.
المفتاح الصغير فتح باب الشقة بسهولة.
دخلت بحذر.
المكان كان مغبرًا، كأنه مقفول من سنين طويلة.
لكن في منتصف الصالة كانت هناك طاولة خشبية، وفوقها جهاز عرض قديم، وعدة صناديق معدنية.
وفي الحائط المقابل شاشة بيضاء.
وجدت ظرفًا أخيرًا مكتوبًا عليه
إلى ابنتي ندى... إذا وصلتي إلى هنا، فقد حان وقت الحقيقة كاملة.
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
وجدت رسالة طويلة من والدها.
جلسَت وبدأت تقرأ.
كان السر أبسط وأعظم مما تخيلت.
قبل خمسة وعشرين عامًا، وقع حريق المصنع الشهير.
الجميع اعتقد أنه حادث.
لكن الحقيقة أن الحريق كان متعمدًا لإخفاء عملية تزوير ضخمة نفذها مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين.
والدها كان أحد الشهود القلائل الذين عرفوا الحقيقة.
أما الطفل الموجود في الصورة القديمة، فكان ابن أحد العاملين بالمصنع.
طفل فقد أسرته بالكامل في الحريق.
أبوها تكفل به سرًا وساعده على بدء حياة جديدة بعيدًا عن الأشخاص الذين كانوا يطاردون كل من يعرف الحقيقة.
كبر الطفل وأصبح شابًا ناجحًا.
وكان ذلك الشاب هو هشام.
ندى رفعت رأسها بصدمة.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
أكملت القراءة.
لم يكن هشام محتالًا.
ولم يكن يخدعها.
بل كان يعرف جزءًا
من الحقيقة فقط.
أما سبب الطلاق الموجود في الأوراق الرسمية، فكان شيئًا آخر تمامًا.
والدها اكتشف قبل وفاته أن بعض المتورطين القدامى عادوا للبحث عن الملف الأصلي للقضية.
وكان يعلم أن ثروته كلها ستنتقل إلى ندى بعد وفاته.
فخاف أن تُستهدف هي أو هشام.
لذلك رتّب مع محاميته إجراءات قانونية سرية تفصل بينهما على الورق فقط لحمايتهما من أي مطالبة أو ملاحقة محتملة.
حتى هشام لم يكن يعرف التفاصيل الكاملة.
كان ينفذ تعليمات والدها لأنه وعده بذلك قبل سنوات.
وفي آخر الرسالة كتب
إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فاعلمي أن هشام لم يخنك يومًا، وأن أكبر خطأ ارتكبته هو أنني أخفيت الحقيقة عنكما. سامحيني.
ندى أغلقت الرسالة والدموع في عينيها.
في تلك اللحظة فُتح باب الشقة.
استدارت بسرعة.
كان هشام.
وقف عند الباب وهو يلهث من التعب.
نظر إليها ثم إلى الرسالة.
وفهم أنها عرفت كل شيء.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة.
ثم أخرج هشام من جيبه صورة قديمة.
كانت صورة لها وهي طفلة مع والدها.
وقال بهدوء
أنا وعدته إني أحافظ عليكي مهما حصل.
ندى نظرت إليه طويلًا.
ثم لأول مرة منذ أيام ابتسمت.
في الأسبوع التالي، سلّمت ندى كل المستندات الأصلية للجهات المختصة.
وأُغلقت القضية القديمة رسميًا بعد ربع قرن من الغموض.
أما ثروة ال مليون جنيه، فاحتفظت بها واستثمرتها في توسيع شركات والدها ومشروعات تعليمية تحمل اسمه.
وبعد سنوات، كانت تقف أمام لوحة كبيرة في مقر المؤسسة الخيرية الجديدة.
تحت صورة والدها كانت جملة واحدة
الحقيقة قد تتأخر... لكنها تجد طريقها
دائمًا.
وانتهت الحكاية، لكن السر الذي أخفاه عزت عز الدين طوال خمسة وعشرين عامًا ظل واحدًا من أكثر الأسرار غموضًا التي كادت تغيّر حياة الجميع إلى الأبد.

تم نسخ الرابط