امي جالها زهايمر بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


التراب بيديه.
فظهر صندوق معدني صغير صدئ.
نفس الشعور الذي أحسه عند رؤية الصندوق الأول عاد إليه من جديد.
رفع الصندوق بصعوبة.
وكان عليه قفل قديم.
أخرج المفتاح النحاسي.
أدخله في القفل.
وأداره.
فُتح الصندوق ببطء.
حبس الجميع أنفاسهم.
في الداخل كانت هناك أوراق قديمة...
وصور...
وظرف كبير مغلق.
وعلى الظرف عبارة بخط والده
إلى ابني أحمد... إذا وصلت إلى هنا، فاعرف أنني كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي.
ارتجفت يدا أحمد.
وفتح الظرف.
كانت بداخله رسالة طويلة.
بدأ يقرأ
يا أحمد... إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أتمكن من حمايتكم كما كنت أتمنى.
هناك أناس حاولوا الاستيلاء على ميراث عائلتنا، وعندما رفضت التعاون معهم، بدأوا يهددونني.
لكن الخطر الحقيقي لم يكن المال...
توقف أحمد فجأة.
عيناه اتسعتا بصدمة.
لأن السطر التالي كان يقول
الخطر الحقيقي كان شخصًا قريبًا منا جدًا... شخصًا كنت أعتبره من أفراد العائلة.
رفع رأسه ببطء.
نظر إلى أمه.
ثم إلى نهى.
ثم إلى العجوز.
الجميع كانوا يحدقون فيه بقلق.
أكمل القراءة
هذا الشخص هو الوحيد الذي يعرف مكان الدليل...
وإذا اختفى الدليل يومًا، فاعلم أنه هو من أخذه.
وفي أسفل الرسالة...
كان هناك اسم مكتوب بوضوح.
اسم الشخص الذي خان والده.
قرأه أحمد.
فاصفر وجهه فجأة.
وسقطت الرسالة من يده.
صرخت نهى
مين؟! مين الاسم؟!
لكن أحمد لم يستطع الكلام.
لأنه كان ينظر مباشرة إلى الشخص المذكور في الرسالة...
الشخص الذي كان واقفًا معهم عند القبر طوال الوقت.
يتبعتسارعت أنفاس أحمد.
أعاد النظر إلى العبارة المحفورة على المفتاح
17 لا تثق بالرجل الرمادي.
الرجل الرمادي!
رفع عينيه ببطء نحو الرجل الذي كان يقف بجوار أمه.
البدلة الرمادية...
الشبه الكبير بوالده...
والظهور المفاجئ بعد كل هذه السنين.
كل شيء أصبح مشبوهًا فجأة.
لكن المشكلة أن الرجل الأصلع ما زال ممسكًا بأمه.
وأي تصرف خاطئ قد يعرضها للخطر.
قال الرجل الأصلع بعصبية
يلا يا أحمد... خلصنا!
وفي تلك اللحظة...
تكلم الرجل ذو البدلة الرمادية فجأة
متسلموش المفتاح.
ساد الصمت.
ابتسم الرجل الأصلع ابتسامة ساخرة.
وقال
وأخيرًا قررت تكشف نفسك؟
نظر أحمد بينهما

في حيرة.
ثم قال
حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟!
تنهد الرجل الرمادي.
وقال بصوت منخفض
أنا مش عمك.
شعر أحمد أن قلبه توقف.
أمال مين؟!
رد الرجل
كنت شريك أبوك زمان... وأبوك قبل ما يموت سلمني أمانة أحافظ عليها.
أحمد قبض على المفتاح بقوة.
أما أمه فبدأت تبكي بشدة.
وقالت
أنا افتكرت كل حاجة يا أحمد...
التفت إليها الجميع.
وأكملت بصوت مرتجف
أبوك يوم وفاته اكتشف إن في ناس مزورين أوراق الأرض وبيحاولوا يسرقوا حق العيلة... ولما هدد إنه يفضحهم، مات بعدها بأيام.
الرجل الأصلع صرخ
اسكتي!
لكنها لم تسكت.
لأول مرة منذ سنوات بدت ذاكرتها واضحة بشكل غريب.
وقالت
وأبوك خبّى الدليل الحقيقي في مكان محدش يعرفه غيره.
نظر الرجل الأصلع إلى أحمد بعينين مليئتين بالغضب.
ثم قال
واضح إن الست بدأت تفتكر أكتر من اللازم.
وأخرج هاتفه.
وضغط على زر.
وفجأة...
سمع الجميع صوت محرك سيارة يشتغل خارج المبنى.
ثم صوت انفجار صغير.
بعدها بدقائق دخل أحد رجاله وهو يلهث.
وقال
يا باشا... العربية ولعت!
تغير وجه الرجل الأصلع.
واضح أن أحدًا ما أفسد خطته.
وفي وسط الفوضى...
اقترب العجوز الذي كان في دار المسنين من أحمد وهمس
دي فرصتنا.
ثم أشار إلى باب خلفي صغير في آخر البدروم.
أمسك أحمد بيد أمه.
لكن قبل أن يتحرك...
قالت أمه جملة جعلته يتجمد مكانه
المفتاح مش مهم يا أحمد...
نظر إليها بدهشة.
فأكملت
لأن الدليل الحقيقي مش في الخزانة رقم 17.
أمال فين؟!
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت
الدليل الحقيقي... مدفون في قبر أبوك.
وفي اللحظة نفسها...
دوى صوت رصاص في البدروم.
وسقط أحد الرجال على الأرض.
ثم ظهر شخص مجهول عند الباب الخلفي وهو يصرخ
الشرطة! محدش يتحرك!
وتحول المكان كله إلى فوضى عارمة...
بين هارب، ومطارد، وأسرار بدأت تنكشف أخيرًا.
لكن أحمد لم يكن يعلم أن الصدمة الأكبر ما زالت تنتظره داخل قبر والده نفسه... 
يتبع...الصمت كان مرعب.
حتى صوت الرياح حوالين المقابر اختفى كأن الدنيا كلها حبست نفسها.
أحمد بصّ ببطء على الشخص اللي قدامه.
العجوز.
الراجل اللي كان واقف معاهم من البداية من الدار من الرسالة من كل حاجة.
رجله ما اهتزتش، لكن عينه كانت ثابتة بشكل غير طبيعي.
نهى همست
بخوف أحمد إيه اللي بيحصل؟
لكن أحمد ما ردش.
كان ماسك الورقة اللي وقعت من إيده، والسطر بيعيد نفسه في دماغه
الشخص القريب جدًا هو الوحيد اللي يعرف مكان الدليل.
رفع عينه على العجوز
إنت؟
العجوز ابتسم ابتسامة هادية جدًا.
وقال بصوت منخفض أبوك كان ذكي لكنه كان متأخر شوية.
أم أحمد صرخت فجأة إنت كداب!
لكن العجوز ما اتحركش.
قرب خطوة واحدة وقال
أنا اللي حافظت على السر سنين وأنا اللي نقلت الرسالة وأنا اللي خليتكم توصلوا للصندوق.
أحمد حس بدوخة خفيفة يعني إنت اللي كلمتني؟ وإنت اللي جبت أمي من الدار؟
هز رأسه بهدوء مش أنا اللي خطفتها أنا اللي أنقذتها قبلهم بساعات.
سكت لحظة، ثم أكمل
اللي كنتوا بتجرو وراه اسمه ما كانش مجرد رجل أصلع ده كان جزء من شبكة أكبر بكتير.
نهى بصت له بصدمة شبكة إيه؟!
العجوز رد
ناس بتدور على حاجة أبوك خبّاها حاجة لو خرجت للنور هتسقط أسماء كبيرة جدًا.
أحمد حس فجأة إن الأرض مش ثابتة تحته.
والرسالة اللي قالت إن أبويا أخوك التوأم؟
ابتسم العجوز لأول مرة ابتسامة حزينة دي كانت حماية مش كذبة.
سكت الجميع.
ثم أضاف
أبوك ما كانش عنده توأم لكنه كان عنده نسخة منه في الورق.
أحمد عقد حاجبيه مش فاهم!
العجوز أخرج ملف صغير قديم من جيبه.
وقال هوية مزورة وشخصية تانية أبوك اضطر يعيش بيها سنين عشان يهرب من اللي بيطاردوه.
الصمت زاد ثقلاً.
أم أحمد وقعت على ركبتها وهي بتبكي يعني كل ده كان هروب؟
العجوز هز رأسه وكان في حاجة أهم من الهروب الحماية.
وفي اللحظة دي
طلع صوت خطوات سريعة جايه من بين القبور.
أحمد لف بسرعة.
نور كشافات قوية ظهرت من بعيد.
أصوات رجال بيقربوا.
العجوز شد أحمد من ذراعه بسرعة مفيش وقت هم لقوا مكاننا!
نهى صرخت نرجع فين؟!
العجوز أشار ناحية ممر ضيق بين المقابر الدليل الحقيقي لسه هنا مش في الصندوق!
أحمد بص له بصدمة لسه؟!
العجوز رد وهو بيجري أبوك ما كانش بيحب الورق كان بيحب الأرض!
وصوت الرصاص بدأ يقرب
والجميع جري في اتجاه مجهول بين الظلام
لكن أحمد كان عارف إن اللي جاي مش مجرد هروب ده كشف أخطر حقيقة لحد دلوقتي 
يتبع...جري أحمد ومن معه بين ممرات المقابر، وصوت الخطوات وراهم بيقرب بشكل مخيف.
كشافات
النور كانت بتشق الظلام زي سكاكين.
العجوز وقف فجأة قدام قبر قديم جدًا، شكله مختلف عن باقي القبور، ومش عليه اسم واضح مجرد نقش صغير باهت.
قال بسرعة هنا!
أحمد بص له وهو ينهج هنا إيه؟! إحنا بنهرب!
العجوز رد بحدة مش هتتهرب من الحقيقة لازم تفتح دلوقتي!
بدأوا يحفروا بسرعة بأي حاجة معاهم، لحد ما ظهر حجر مستطيل تحت التراب، كأنه غطاء لغرفة صغيرة.
في نفس اللحظة، أصوات الرجال وصلت قريب جدًا.
نهى صرخت هم وصلوا!
لكن أحمد ما وقفش.
شد الحجر بكل قوته، ومع مساعدة العجوز انزاح الغطاء.
ظهر تحتها صندوق معدني كبير مختلف عن اللي قبل كده.
من غير تردد، فتحه.
جواه مش فلوس، ولا أوراق ملكية.
كان فيه جهاز تسجيل قديم فلاش ميموري ظرف صغير.
العجوز قال بسرعة التسجيل ده صوت أبوك اسمعه!
تشغيل الجهاز بدأ بصوت متقطع ثم ظهر صوت والد أحمد
لو وصلتوا هنا يبقى أنا فشلت أهرب منكم.
أحمد تجمد.
الصوت كمل
اللي بيدوروا على السر مش عايزين أرض هم عايزين دليل يثبت جرايم حصلت من سنين وأنا كنت الشاهد الوحيد.
في اللحظة دي
نور الكشافات وصل عليهم مباشرة.
ووقف الرجل الأصلع ومعاه رجاله.
ابتسم وقال أخيرًا وصلنا للدفن الحقيقي.
لكن أحمد ضغط زر في
الجهاز
وفجأة الصوت اشتغل بصوت أعلى وانتشر عبر سماعة صغيرة كانت في الصندوق
لو التسجيل اشتغل يبقى أنا متأكد إن ابني أحمد هو الوحيد اللي هيقدر يوقفهم.
الرجل الأصلع اتجمد لحظة.
أحمد رفع رأسه.
والتفت ليه بثبات لأول مرة خلصت لعب
وفتح الفلاش.
بدأ يرفع الملفات على السحابة اللي كان أبوه مجهزها من زمان تلقائيًا.
الرجل الأصلع صرخ اقفلوا الجهاز!!
لكن كان متأخر.
صفارات الشرطة بدأت تقرب من كل الاتجاهات.
العجوز ابتسم وقال أبوك ما كانش بيسيب حاجة للصدفة.
الرجل الأصلع حاول يهرب، لكن اتقبض عليه مع رجاله بعد دقائق.
هدوء غريب ساد المكان.
أحمد وقع على الأرض من التعب، وأمه قربت منه وهي بتبكي
أنا افتكرتك هتضيع مني
ضمها لأول مرة من زمان.
العجوز وقف بعيد شوية، وبص له وقال دلوقتي فهمت الحقيقة؟
أحمد هز رأسه فهمت إن اللي كنت فاكره موت كان بداية حرب.
وبعد أيام
القضية اتقفلت.
والأسماء الكبيرة اللي كانت مستخبية بدأت تتكشف واحدة واحدة.

لكن أحمد فضل محتفظ بحاجة واحدة بس من كل اللي حصل
المذكرات.
فتح آخر صفحة فيها، ولقى جملة واحدة كتبها والده
لو قرأت الكلام ده وخرجت حي يبقى أنت أقوى مني.
قفل الدفتر بهدوء
وبص لبيته من بعيد لأول مرة من غير خوف.
النهاية....

 

تم نسخ الرابط