امي جالها زهايمر بقلم زهرة الربيع
مية وهي بتصرخ
أحمد! فوق! مالك؟ إيه اللي حصل؟
لكن أحمد كان مصدوم لدرجة إنه مش قادر يتكلم.
إيده المرتعشة أشارت ناحية الجواب اللي وقع على الأرض.
نهى التقطته بسرعة وبدأت تقرأ.
في ثواني... اختفى لون وشها هي كمان.
الرسالة كانت مكتوبة بخط مهزوز وكلمات متقطعة
يا أحمد... لو وصلتك الورقة دي يبقى الحق أمك بسرعة... في ناس هنا مش طبيعيين... وأنا افتكرت حاجات كنت ناسيها...
وتحتها عنوان صغير مكتوب بالقلم.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر سطر
أبوك ما ماتش زي ما أنت فاكر...
ساد الصمت.
نهى بصت لأحمد وعينيها مليانة رعب.
وأحمد خطف الورقة منها وهو بيعيد قراءة الجملة عشرات المرات.
أبوك ما ماتش زي ما أنت فاكر...
يعني إيه؟
أبوه مات من خمس سنين بأزمة قلبية قدام عينه!
مين كتب الرسالة أصلاً؟
وأمه اللي بالكاد بقت فاكرة اسمه... إزاي كتبت كلام مترتب بالشكل ده؟
وقبل ما يلحق يفكر أكتر...
رن تليفونه.
رقم غريب.
رد بسرعة.
جاله صوت راجل كبير بيهمس وكأنه خايف حد يسمعه
أنت أحمد ابن الحاجة فاطمة؟
أيوة... مين حضرتك؟
الرجل سكت ثواني وقال
أنا نزيل في الدار اللي جبت فيها والدتك امبارح... واسمعني كويس لأن معنديش وقت.
قلب أحمد بدأ يدق بعنف.
الرجل أكمل
والدتك طول الليل كانت بتسأل عليك... وبعدين فجأة افتكرت حاجة خلتها تصرخ بشكل هستيري.
إيه الحاجة دي؟!
كانت بتقول إنهم رجعوا يدوروا على الصندوق...
تجمد أحمد مكانه.
صندوق إيه؟!
لكن الخط انقطع فجأة.
أعاد الاتصال عشرات المرات.
الهاتف مغلق.
في اللحظة دي...
وصلته رسالة على الموبايل من رقم مجهول.
فتحها بسرعة.
كانت صورة قديمة جداً...
صورة لأبوه واقف جنب ثلاثة رجال غرباء.
وخلفهم سيارة سوداء.
أما الشيء اللي خلى قلب أحمد يكاد يتوقف...
فكان التاريخ المكتوب أسفل الصورة.
لأن الصورة ملتقطة بعد وفاة والده بسنة كاملة!
وأثناء ما هو بيحدق فيها غير مصدق...
جاءته رسالة ثانية من نفس الرقم
لو عايز
رفع أحمد عينيه ناحية الساعة المعلقة على الحائط...
كانت تشير إلى الحادية عشرة وثلاث وأربعين دقيقة.
يعني فاضل 17 دقيقة فقط...!
يتبع...تجمد أحمد لثانية واحدة فقط...
ثم اندفع خارج الغرفة كالسهم.
كان الظلام يملأ الممرات بعد انقطاع الكهرباء، وصوت الإنذار يصرخ في كل أرجاء الدار.
أمييي!
صرخ بأعلى صوته وهو يجري.
العجوز كان خلفه يلهث
استنى يا أحمد! دي ممكن تكون فخ!
لكن أحمد لم يسمع.
كل ما كان يشغل عقله هو صوت أمه.
وصل إلى آخر الممر، فوجد بابًا حديديًا مفتوحًا لم يكن قد لاحظه من قبل.
ومن خلف الباب كانت تأتي الأصوات.
نزل درجات سلم ضيقة تقود إلى بدروم قديم أسفل الدار.
كل خطوة كان يشعر معها أن قلبه سيخرج من صدره.
وحين وصل للأسفل...
توقف فجأة.
كانت هناك غرفة كبيرة مليئة بملفات وصناديق قديمة.
وفي منتصفها...
كانت أمه جالسة بالفعل على كرسي.
لكنها لم تكن وحدها.
وقف بجوارها رجل مسن يرتدي بدلة رمادية قديمة.
وما إن رفع الرجل رأسه حتى شهق أحمد بقوة.
لأن وجه الرجل كان مطابقًا تقريبًا لوجه والده!
تراجع أحمد خطوة للخلف وهو يهمس
مستحيل...
أما أمه فبمجرد أن رأته بدأت تبكي.
وقالت بصوت مرتعش
أحمد... أخيرًا جيت.
نظر إلى الرجل المسن مرة أخرى.
الرجل كانت عيناه دامعتين.
ثم قال
كبرت يا ابني...
توقف الزمن للحظة.
أحمد شعر أن الأرض تميد تحته.
مين... مين حضرتك؟!
اقترب الرجل ببطء.
وقال
أنا أخو أبوك التوأم.
اتسعت عينا أحمد.
فهو لم يسمع طوال حياته أن لوالده أخًا توأمًا.
أبدًا.
أمه أجهشت بالبكاء.
وقالت
أبوك خبّى الحقيقة سنين طويلة عشان يحميكم.
لكن قبل أن يطلب أحمد تفسيرًا...
انفتح باب البدروم بعنف.
ودخل الرجل الأصلع ومعه رجاله المسلحون بالعصي.
ابتسم وهو ينظر إلى الموجودين.
ثم قال
حلو... وفرتوا علينا وقت البحث.
أمسك أحد الرجال
فصرخت.
وفي اللحظة نفسها أخرج الرجل الأصلع مسدسًا صغيرًا ووضعه على الطاولة.
وقال
دلوقتي هننهي اللعبة دي.
نظر إلى أحمد مباشرة.
ثم أشار إلى المفتاح النحاسي الذي كان ما يزال في يد أحمد.
وقال
هات المفتاح... أو أول شخص هيموت هنا هي أمك.
ساد الصمت.
أحمد نظر إلى أمه.
ثم إلى المفتاح.
ثم إلى الرجل الذي ادعى أنه عمه.
لكن الشيء الذي لفت انتباهه فجأة...
أن عمه كان يهز رأسه خفية وكأنه يحذره من تسليم المفتاح.
وفي اللحظة نفسها لمح أحمد شيئًا محفورًا على ظهر المفتاح لم ينتبه له من قبل
17 لا تثق بالرجل الرمادي.
ورفع عينيه ببطء...
لينظر مباشرة إلى الرجل الذي قال إنه أخو والده التوأم.
يتبع... ارتجفت يد أحمد وهو ينظر للصورة.
أمه كانت حية... لكنها تبدو خائفة ومشوشة، وكأنها لا تفهم ما يحدث حولها.
رفع عينيه نحو الرجل الأصلع وقال بغضب
إنتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟!
ابتسم الرجل ابتسامة باردة وأجاب
إحنا مش عايزين منك حاجة... إحنا عايزين اللي جوه الصندوق.
نظر أحمد إلى الصندوق ثم إلى المذكرات.
كان واضحًا أن السر الحقيقي موجود بين هذه الأوراق.
قال بثبات
مش هسلمه غير لما أشوف أمي.
تبادل الرجال النظرات.
ثم قال الرجل الأصلع
عندك نص ساعة.
وغادر هو ورجاله الغرفة.
ما إن اختفوا حتى أمسك العجوز بذراع أحمد وقال
اقرأ المذكرات بسرعة... والدك كان متوقع اليوم ده.
فتح أحمد الصفحات بعصبية.
وجد أن والده كان يكتب عن قطعة أرض قديمة ورثها عن جده.
لكن الأرض لم تكن المشكلة.
المشكلة أن تحتها كانت توجد وثائق وممتلكات قديمة ذات قيمة كبيرة، وكان هناك أشخاص يحاولون الاستيلاء عليها منذ سنوات.
كتب والده في إحدى الصفحات
لو حصل لي شيء، فاعرف أن السبب ليس المرض... بل طمع بعض الناس.
لكن قبل أن يكمل القراءة، سقط من المذكرات مفتاح نحاسي صغير.
وفي الصفحة التالية كانت جملة قصيرة
المفتاح يفتح الخزانة رقم 17.
أحمد شعر أن الخيوط بدأت
لكن أين الخزانة؟
قلب الصفحة الأخيرة.
فوجد عنوانًا لمخزن قديم في طرف المدينة، ومعه عبارة
هناك ستجد الدليل الذي يحمي أمك.
في تلك اللحظة رن هاتفه.
رسالة جديدة.
صورة لأمه مرة أخرى.
لكن هذه المرة كانت تجلس في غرفة مختلفة، وخلفها ساعة حائط.
نظر أحمد إلى الساعة في الصورة.
ثم إلى الوقت الحالي.
واكتشف شيئًا غريبًا...
الصورة لم تُلتقط الآن كما ادعوا.
بل كانت ملتقطة قبل ساعات!
يعني أن الرجال كانوا يكذبون عليه.
أمه ربما لم تعد في ذلك المكان أصلًا.
رفع رأسه بسرعة وقال للعجوز
هما بيخدعوني!
العجوز هز رأسه وقال
وأظن إنهم بيخدعوا بعض كمان.
تقصد إيه؟
اقترب العجوز وهمس
فيه واحد منهم شفته قبل كده... يوم جنازة أبوك.
شعر أحمد بقشعريرة تسري في جسده.
يعني إيه؟!
قال العجوز
لأن والدك وقتها ما كانش ميت بسبب أزمة قلبية زي ما الناس كلها فاكرة...
وقبل أن يكمل جملته...
دوى صوت انفجار قوي في آخر المبنى.
اهتزت الجدران.
وانطفأت الأنوار.
وسُمعت صرخات في الممرات.
ثم جاء صوت امرأة مسنة تصرخ من بعيد
أحمد... الحقني يا ابني!
كان صوت أمه بلا شك!
يتبع... تجمد أحمد في مكانه.
الدليل الحقيقي مدفون في قبر أبوك.
الجملة كانت تدور في رأسه كالصدى.
ومع دخول الشرطة، تحولت دار المسنين إلى فوضى كاملة.
بعض الرجال حاولوا الهرب، وآخرون تم القبض عليهم، والرجل الأصلع استغل الزحام وقفز من نافذة جانبية واختفى قبل أن تصل إليه الشرطة.
أحمد كان يريد ملاحقته، لكن أمه أمسكت يده بقوة لأول مرة منذ سنوات.
وقالت
سيبه... الأهم دلوقتي إنك تعرف الحقيقة.
بعد ساعات طويلة من التحقيقات، خرج أحمد مع أمه ونهى والعجوز.
جلسوا جميعًا في بيته.
وكانت أمه صامتة أغلب الوقت.
ثم فجأة رفعت رأسها وقالت
لازم نروح المقابر الليلة.
نهى ارتبكت
دلوقتي؟!
هزت رأسها.
آه... قبل ما يوصلوا هم.
في منتصف الليل...
كان أحمد يقف أمام قبر والده.
القمر كان مختبئًا خلف السحب.
والهواء البارد يجعل المكان أكثر رهبة.
أخرج العجوز مجرفة صغيرة كان قد أحضرها معه.
وبدأوا الحفر في مكان محدد بجوار شاهد القبر.
مرت دقائق طويلة.
ثم...
طَق!
اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
ركع أحمد بسرعة وأزال